عُمان الاقتصادي

إعادة تصميم المؤسسات لتغيير اقتصادي فاعل

13 يناير 2026
13 يناير 2026

ديان كويل -

يعترف علم الاقتصاد اليوم بأهمية المؤسسات في تحقيق النمو، كما يظهر من خلال الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد خلال العامين الماضيين، ومع ذلك فإن المؤسسات التي تُشكّل منظومات الابتكار أصبحت شبه متحجرة في كثير من البلدان، ونادرًا ما يفكر صانعو السياسات في كيفية إصلاحها.

استخدم جويل موكير، الحائز على الجائزة عام 2025، مصادر تاريخية ليُبين أن المجتمعات تزدهر عندما تتيح للأفكار الجديدة أن تُترجم إلى تطبيقات عملية، وحدد فيليب أجيون وبيتر هاويت، وهما شريكاه في الجائزة، دور «التدمير الخلّاق»، والمؤسسات التي تمكّن الوافدين الجدد من إزاحة الشركات والتقنيات القائمة، بوصفه محركًا للنمو المستدام. أما الحائزون على الجائزة لعام 2024، وهم دارون أسيموغلو وسايمون جونسون وجيمس أ. روبنسون، فيرون أن مفتاح الازدهار الاقتصادي يكمن في سيادة القانون والمؤسسات التمكينية، وقد اعترف علم الاقتصاد على نطاق واسع بهذه الحقائق، لا سيما في ظل قيام التقنيات الناشئة بتحويل هيكل الإنتاج. لكن ثمة انفصالًا غريبًا بين هذا الإجماع والنقاش الدائر حاليًا حول السياسات الاقتصادية والذي يتركز في الغالب على قضايا ضيقة مثل الاستثمار في البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي والضرائب على الشركات.

وعندما تُطرح قضايا تصميم المؤسسات فإنها غالبًا ما تُحصر في هيئات محددة مثل البنوك المركزية، ونادرًا ما يفكر صانعو السياسات في نوع المناخ المؤسسي الذي يتيح الابتكار والتجريب. فضلًا عن ذلك، ولا توجد تعريفات أو مقاييس مؤسسية معيارية. وتميل الدراسات التي تغطي الاقتصاد ككل إلى الاعتماد على مقاييس غير مباشرة ينظر إليها كثير من الاقتصاديين بعين الشك، مثل استطلاعات «الثقة في المؤسسات» أو مؤشرات جودة المؤسسات. وبالمثل، فإن قياس الأصول غير الملموسة، مثل البحث والتطوير أو أصول البيانات، وهي عناصر أساسية للاقتصادات والشركات على حد سواء، لا يزال أقل تطورًا بكثير من غيره من الإحصاءات الاقتصادية.

إن تبني منظور أوسع يثير تساؤلات جديدة، مثل من هم المكافئون المعاصرون لأولئك الميكانيكيين الذين كانوا يعبثون بالتقنيات الجديدة، والذين اعتبرهم موكير فاعلين أساسيين في الابتكار خلال الثورة الصناعية؟، وما الذي يمنع الشركات القائمة الأقل إنتاجية من الخروج من السوق؟ وهو أمر وجد أجيون وهاويت أنه حاسم للحيوية الاقتصادية، وما هي النسخ المعاصرة من المؤسسات مثل الجامعات والنقابات، التي سهّلت، كما يوضح موكير وزملاؤه في كتاب «مساران إلى الازدهار: الثقافة والمؤسسات في أوروبا والصين 1000-2000»، تقدم أوروبا.

ومن السبل التي يمكن لصانعي السياسات من خلالها الإجابة عن هذه الأسئلة إعادة إعطاء أهمية أكبر لسياسات المنافسة، وهي أهمية أكّدتها «معجزات التنمية» في جنوب وشرق آسيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، فقد بنت تلك الاقتصادات قواعدها الصناعية بالاعتماد على المنافسة المحلية أو التصديرية لفرض الانضباط في صناعاتها الرائدة.

وعلى الرغم من تزايد الاعتراف داخل الأوساط الأكاديمية بأن قوانين مكافحة الاحتكار لم تطبق بالقدر الكافي في اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن التغيير كان محدودًا، ويتطلب تطبيقا أكثر فاعلية وشجاعة سياسية لمواجهة الشركات القوية القائمة، وهي شجاعة تبدو نادرة. ففي الولايات المتحدة، توقفت زيادة التدقيق في قوانين مكافحة الاحتكار، التي قادتها لينا خان رئيسة لجنة التجارة الفيدرالية في عهد الرئيس السابق جو بايدن، عندما عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أما الاتحاد الأوروبي فقد تردد في استخدام كامل قوة تنظيماته الرقمية بسبب تهديدات الإدارة الأمريكية في عهد ترامب بالتجارة، وبسبب المقاومة الشديدة من شركات التكنولوجيا الأمريكية. وفي المملكة المتحدة علقت آمال النمو على جذب الاستثمارات الوافدة من الشركات متعددة الجنسيات الكبرى إلى حد إضعاف هيئة المنافسة والأسواق البريطانية.

وفي جميع هذه الحالات لا يزال التركيز منصبًا على تفاصيل الإطار القائم على حساب التفكير الأوسع في البنية المؤسسية للاقتصاد، ففي كثير من البلدان أصبحت المؤسسات التي تُشكّل منظومات الابتكار، وتحدد سهولة تأسيس الشركات وحلّها، وتتيح التجريب في المنتجات والخدمات الجديدة، شبه متحجرة. وعلى سبيل المثال فإن فشل الشركات مكلف للغاية بالنسبة للعديد من الشركات الأوروبية، وتشير أبحاث جديدة إلى أن ارتفاع تكاليف إعادة الهيكلة يحد من البحث والتطوير، ويجعل الاستثمار في الشركات الناشئة في مجالي التكنولوجيا والتقنيات الحيوية غير مربح.

غير أن تطبيق إصلاحات «المرونة مع الأمان» التي تجمع بين مرونة سوق العمل والحماية الاجتماعية القوية ليس حلًا سحريًا. فمعدل نشوء الشركات الناشئة وازدهارها هو مسألة اقتصاد سياسي يعتمد على البيئة العامة للمكان الذي تعمل فيه بما في ذلك النظام البيئي للأعمال، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والالتزام السياسي بالنمو.

ولحسن الحظ بدأت مناقشات أوسع نطاقًا في الظهور؛ فقد شكّل تقرير الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي ورئيس وزراء إيطاليا السابق ماريو دراغي حول مستقبل التنافسية الأوروبية محطة مهمة للاتحاد الأوروبي؛ إذ أقرّ بالحاجة إلى تجديد شامل للسياسات. ومع تعطل النظام متعدد الأطراف إلى حد كبير، وانطلاق التحول نحو الطاقة النظيفة، وتقدم الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة للغاية فإننا بحاجة إلى توسيع نافذة الأفكار السياسية إلى أقصى حد، وخلق مساحة لأفكار سياسات جديدة عبر مجالات متعددة. ومع تزايد شعور الناس في الاقتصادات المتقدمة بخيبة الأمل تجاه المؤسسة الاقتصادية فإن المؤسسات التي تقوم عليها ستتغير حتمًا. لكن كيفية هذا التغيير ستعتمد على ما سيفعله صانعو السياسات بعد ذلك.

ديان كويل أستاذة السياسة العامة في جامعة كامبريدج، ومؤلفة عدد من الكتب، كان أحدثها كتاب «قياس التقدم: احتساب ما يهم حقًا»، الصادر عن مطبعة جامعة برينستون عام 2025.