صحافة

بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي .. فماذا بعد؟

03 فبراير 2020
03 فبراير 2020

انتهاء حقبة زمنية امتدت لـ47 عامًا -

عاش البريطانيون ليلة تاريخية مساء الجمعة الماضية، خرج فيها الملايين من مؤيدي البريكست إلى الشوارع احتفالًا بفتح صفحة جديدة في تاريخ المملكة المتحدة، عقب الإعلان الرسمي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الساعة 11 مساء الجمعة بتوقيت لندن (12 بتوقيت بروكسل).

في العاصمة لندن احتشد الآلاف من مؤيّدي «بريكست» أمام مبنى البرلمان البريطاني، رافعين الأعلام البريطانية، ومرددين كلمات النشيد الوطني «ليحفظ الله الملكة»، قبل أن يطلقوا العنان للألعاب النارية وسط صيحات الفرح والتصفيق ابتهاجًا بخروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي.

وبانسحاب بريطانيا من كتلة دول الاتحاد الأوروبي الـ28 تنتهي حقبة زمنية امتدت 47 عامًا بدأت عام 1973، ويأتي هذا الانفصال التاريخي بعد مرور ثلاث سنوات ونصف من المفاوضات الشاقة التي أعقبت استفتاء يونيو عام 2016.

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وجه خطابًا إلى البريطانيين قبل ساعة واحدة من إعلان الخروج الرسمي، أكّد فيه أنّ الخروج من الاتحاد الأوروبي «ليس النهاية، بل بداية فصل جديد من مسيرتنا الوطنيّة الكبرى». وقال: «أيًّا تكُن العقبات على الطريق، فأنا أعلم أنّنا سننجح»، مشددًا على أنّ بريكست سيشكل نجاحًا باهرًا في وقت تستعدّ بلاده لبدء مفاوضات صعبة مع الاتّحاد الأوروبي بشأن علاقتهما التجاريّة المستقبلية. وأضاف: «نريد أن تكون هذه بداية عهد جديد من التعاون الودّي بين الاتّحاد الأوروبي وبريطانيا المفعمة بالطاقة».

الصحف البريطانية، احتفت بهذا الخروج التاريخي على مدى يومين متتاليين. صحف الجمعة احتفلت باليوم الأخير للبريطانيين داخل منظومة الاتحاد الأوروبي، وصحف السبت احتفلت باليوم الأول بعد استعادة البريطانيين السيادة على قراراتهم دون تدخل من الاتحاد الأوروبي.

وعن الاحتفال الأول عكست عناوين صحف الجمعة حماسة مؤيدي البريكست، وخيبة أمل وتوجس مؤيدي البقاء. صحيفة «ديلي اكسبرس» المؤيدة بشدة للانفصال كتبت تقول: «نعم، فعلناها!». ونشرت خريطة على صفحتها الأولى للمملكة المتحدة تضم عناوين الصحيفة التي صدرت طيلة الأشهر الـ43 منذ استفتاء يونيو 2016. وقالت: إن هذه الفترة شهدت ثلاثة مواعيد لتنفيذ بريكست قبل أن يصادق البرلمان نهائيًا على اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي.

صحيفة «ديلي ميل» نشرت تقريرًا بعنوان: «فجر جديد لبريطانيا»، وبجانبه صورة لساعة «بيع بن» تشير عقاربها إلى الساعة 11 مساء، وهو توقيت الخروج النهائي الذي يقابله منتصف الليل في بروكسل وباريس وبرلين. وقالت: إن بريطانيا ستبقى صديقة لأوروبا، ولكن حرة ومستقلة بعد 47 عامًا».

أما صحيفة «الجارديان» المؤيدة للبقاء في الاتحاد، فنشرت تقريرًا على صفحتها الأولى بعنوان: «جزيرة صغيرة» في إشارة إلى أن بريطانيا بعد الانسحاب ستكون بمثابة جزيرة صغيرة منعزلة عن المحيط الأوروبي، ووصفت بريكست بأنه «أكبر رهان منذ جيل».

وقالت صحيفة «التايمز»: إن رئيس الوزراء بوريس جونسون يرغب في التوصل إلى اتفاق تجاري مع الاتحاد على غرار اتفاق الاتحاد مع كندا. فيما نشرت «ديلي تلغراف» تقريرًا بعنوان: «ليست نهاية وإنما بداية»، أشارت فيه إلى جانب من تصريحات جونسون التي ألقاها قبل ساعة واحدة من ساعة الصفر.

صحيفة «ديلي ستار» وصفت لحظة الخروج من الاتحاد بأنها «لحظة تاريخية لأمتنا العظيمة»، وقالت: «نعم، إنها نهاية يناير الجاف»، في إشارة إلى شهر يخلو من الكحول، فالبريطانيون عادة ما يكثرون من احتساء الكحول في ديسمبر أكثر من يناير بمناسبة رأس السنة وأعياد الميلاد.

وكانت نبرة الصحف الإسكتلندية مختلفة بطبيعة الحال، فقد صوت الإسكتلنديون لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي. صحيفة «سكوتسمان» قالت: «وداعا، لا إلى اللقاء»، وكتبت عبارة «وداعا» بـ24ـ لغة أوروبية. أما صحيفة «ديلي ريكورد»، فلخصت مشهد ما بعد بريكست بتشاؤم أكثر عندما قالت: «منعزلة، أقل ازدهارا، أضعف ومنقسمة»، وهي الحالة التي ستكون عليها المملكة المتحدة بعد البريكست، بحسب الصحيفة.

واستيقظ البريطانيون صباح السبت 1 فبراير الجاري ليجدوا أنفسهم يحتفلون باليوم الأول لخروجهم من الاتحاد الأوروبي، فيما يتساءل الأوروبيون المقيمون في بريطانيا عن مستقبلهم داخل بلاد أصبحت خارج منظومة الاتحاد الأوروبي. وأبرزت التغطية الصحفية نوعين: المتفائلون الذين يرون في الخروج خطوة جيدة نحو استعادة البلاد سيادتها على قرارها، والمتشائمون الذين يعتقدون أن بريطانيا ألقت بنفسها في غياهب العزلة عن محيطها الأوروبي.

صحيفة «آي» نشرت تقريرًا كتبه أوليفر داف بعنوان «ماذا بعد what is next» أشارت فيه إلى الفزع الذي انتاب بروكسل والذي عكسته الاحتفالات والاحتجاجات العامة في بريطانيا. وتساءل عن ماذا سيحدث بعد أن استعادت بريطانيا سيطرتها على شؤونها؟

أما صحيفة «الصن» فقد حملت نداء إلى رئيس الوزراء بوريس جونسون لتوحيد بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد، حيث قالت في عنوانها «اجعلها مغادرة وليس حربًا». وقالت: إن رئيس الوزراء يعترف ببعض «القلق والخسارة» بشأن البريكست، لكنه يتعهد ببعث الأمل وتحقيق فرص النجاح للبلد بأسره.

من جانبها صحيفة «ديلي إكسبريس» عبرت عن سعادتها الغامرة بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي ونشرت تقريرا بعنوان «انهضي وأشرقي» وصبت تركيزها على بريطانيا جديدة مجيدة. كما نشرت الصحيفة ملحقا من 10 صفحات يحتوي على التقارير الخاصة أطلقت عليه «طبعة بريكست التاريخية».

وتساءل جوناثان فريدلاند في تقرير كتبه لصحيفة «الغارديان» بعنوان: «اليوم الذي قلنا فيه وداعًا» عن «كيف تقول الأمة وداعًا لجيرانها؟»، ويقول تعليقًا على احتفالات الخروج مساء الجمعة انها بالنسبة للبعض «كان هذا يوم الاستقلال»، بينما بالنسبة للآخرين «كانت الفجيعة الوطنية».

وتحت عنوان: «وأخيرًا قطعت بريطانيا ارتباطها بالاتحاد الأوروبي»، قالت صحيفة «الفاينانشال تايمز» إن العضوية «المضطربة» للبلاد في الاتحاد قد انتهت. ووصفت بيان جونسون الذي ألقاه مساء الجمعة بأنه «رصين ومتفائل».

وفي افتتاحيتها قالت الصحيفة: البعض يحتفي بالبريكست باعتباره فرصة لترسم بريطانيا طريق مستقبلها بنفسها، والآخرون يأسفون على الخروج. فيما تواجه الحكومة مشكلة رأب الصدع بسبب الاستفتاء على البريكست، وأيضا وضع إطار جديد للعلاقات التجارية مع الاتحاد يحمي وحدة البلاد.

ومن المنتظر أن تعود النزعات الانفصالية إلى الواجهة بعد مغادرة المملكة للاتحاد الأوروبي رسميا حيث تتشبث كل من أسكتلندا وأيرلندا الشمالية بالبقاء داخل الاتحاد الأوروبي، وتخططان لتنظيم استفتاء لتحقيق استقلالهما عن المملكة المتحدة وهو ما يرفضه بوريس جونسون بشدة.