No Image
رأي عُمان

عُمان وسياسة الممكن

26 أبريل 2026
26 أبريل 2026

تعلن أزمات الشرق الأوسط عن نفسها غالبا في عواصم القوة الغربية، لكنها تبحث عن مخارجها في العواصم الأكثر هدوءا وحكمة. وهذه الزاوية الأهم التي يمكن من خلالها أن نقرأ استقبال حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه، الأحد لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. لم تكن الزيارة جولة تفاوضية معلنة؛ فإسلام آباد ما زالت العنوان الظاهر لمحاولة إنقاذ المسار بين واشنطن وطهران. غير أن ترتيب المحطات يقول الكثير. خرج عراقجي من باكستان من دون نتيجة معلنة وجاء إلى مسقط للتشاور، ثم عاد إلى المسار نفسه في لحظة كان فيها التفاوض يتأرجح بين الضغط الأمريكي والتوجس الإيراني.

يكشف هذا المسار موقع سلطنة عُمان في الأزمة التي تضيق هوامشها يوما بعد يوم، وتضع أسواق الطاقة وأمن الملاحة على حافة القلق الدائم. قيمة عُمان في أزمات الإقليم أنها تملك القدرة على منح الخصوم مساحة لاختبار المواقف على محك الحكمة والعقل السياسي الهادئ قبل أن تتصلب، ووزن ردود الفعل قبل أن تتحول إلى تصعيد في لحظة تبدو فيها القدرة على التفكير الهادئ عملا سياسيا بحد ذاته.

لكن اختزال دور مسقط في عبارة «الوساطة» سواء كانت وسيطا مباشرا أو مرجعا تستمع إليه القوى الإقليمية يسطّح المعنى. فالوساطة كما هو مفهوم في العلوم السياسية تفترض ضفتين ثابتتين وجسرا بينهما. أما الأزمة الراهنة فأكثر سيولة. تحاول أمريكا تحويل الضغط العسكري والرقابة البحرية إلى رصيد تفاوضي. أما إيران فتحاول الحفاظ على ما تعتبره رصيد صمودها، وتلوّح بما تملكه من أوراق في مضيق هرمز. وتبقى إسرائيل حاضرة في بنية الأزمة حتى حين تغيب عن غرفة التفاوض. ودول الخليج تراقب بقلق، لأن أي تصعيد في هرمز يتحول سريعا إلى سؤال اقتصادي وأمني وسياسي لها جميعا.

في هذه البيئة المضطربة والملتبسة، تعمل مسقط كأداة معايرة، لا تقدم حلولا مسرحية ولا تبيع أوهاما عن السلام في نشرات الأخبار والمؤتمرات الصحفية. إنها تملك القدرة على صناعة المساحة التي يستطيع فيها الخصوم أن يتحاوروا، وأن يفكروا بجدية في كلفة الخطأ وثمنه. وهذا مهم لأن الانسداد الحالي أقرب إلى أن يكون نفسيا منه إلى أن يكون استراتيجيا. واشنطن تميل إلى رؤية التفاوض مجديا عندما يقبل الطرف الآخر منطق الضغط. وطهران تخشى أن يبدو الحوار تحت الحصار والتهديد استسلاما مغلفا بلغة سياسية. وبين هاتين القراءتين تضيق مساحة السياسة.

أما عُمان فقد أدركت عبر تاريخ طويل، أن الدبلوماسية في الخليج لا تبدأ من افتراض أن الخصوم سيصبحون عقلانيين أمام الجمهور. إنها تبدأ من معرفة ما يستطيع كل طرف قوله، وما يمكنه تقديمه، وما يحتاج إلى الاحتفاظ به كي يبقى قادرا على الدخول في التسوية.

يبقى مضيق هرمز جوهر المسألة في اللحظة الراهنة رغم أن الحرب لم تبدأ بسببه. بالنسبة إلى واشنطن، هو اختبار لحرية الملاحة والردع. وبالنسبة إلى طهران، هو ساحة تمنحها قدرة على العمل غير المتكافئ. أما بالنسبة إلى سلطنة عُمان ودول الخليج، فهو جغرافيا معاشة، لا ورقة تفاوضية مجردة. تستطيع القوى الكبرى أن تدخل أزمات الملاحة وتخرج منها وفق حساباتها. سلطنة عُمان لا تستطيع ذلك؛ أمنها مرتبط باستقرار البحر الذي إلى جوارها، وباتزان جيرانها، وانضباط القوى الكبرى.

وهذه الحيطة هي سياسة عمانية تشكلت من ذاكرة بحرية طويلة، ومن العيش إلى جوار قوى كبرى من دون التفريط في الاستقلال. توازن عُمان علاقتها بين إيران وأمريكا من دون أن تفرط في مبادئها أو استقلال قرارها. والمقاربة العمانية فيما يخص إيران واضحة للجميع: لا يستقر الخليج بعزل إيران أو إهانتها، ولا يستقر إذا حوّلت إيران الجغرافيا إلى أداة إكراه دائمة. وتؤمن عُمان أن أمن الخليج كل لا يتجزأ.

لذلك تكتسب المحطة العمانية أهمية كبيرة. لقد أرادت إيران أن تسمع كيف تقرأ عُمان التوازن بين الضغط وإمكانية التسوية.

قد تستضيف إسلام آباد المحادثات، وقد تحدد واشنطن الإيقاع، وقد ترسم طهران خطوطها الحمراء، لكن مسقط هي التي تستطيع المساعدة في إبقاء الحديث داخل سياقه السياسي بعيدا عن التصعيد والتهديد.. وتكمن قوة مسقط هنا في قدرتها على إنقاذ السياسة من وحشية الحرب.