محمد خير الكيلاني: أحاول معاصرة الحكاية القديمة وإدخال أبطالها في هموم الناس
ظل الحكواتي جزءا من المشهد الثقافي في مدن الشام لعقود طويلة؛ حيث كان رواد المقاهي يلتفون حول الراوي ليستمعوا إلى سير الأبطال الشعبيين، مثل عنترة بن شداد والزير سالم في أمسيات كانت الحكاية فيها مساحة للخيال والجدل، واستعادة الذاكرة الشعبية. ويواجه هذا الفن اليوم تحديات العصر الرقمي مع تزاحم الشاشات والمنصات، وجذبها انتباه الجمهور، وتتغير أنماط التلقي.
ويعمل الحكواتي السوري محمد خير الكيلاني على تقديم هذا الفن بصيغة معاصرة في المسارح جامعا بين السرد الحكائي والأداء المسرحي ليستعيد السير الشعبية وبطولات الماضي، ويجيب على أسئلة الحاضر.
في هذا الحوار نتوقف مع الكيلاني وتجربته في إحياء هذا الفن ليروي لنا رؤيته للحكواتي وسبل تجديده وإمكانات حضوره في يومنا الحاضر.
-كيف ترى نفسك كحكواتي وريثا لتاريخ الحكاية، أم مبتكرا يضيف لمساته المعاصرة؟
في البداية كنت وريثا لتاريخ الحكواتي أحكي السير الشعبية كما كان ينقلها الحكواتي الذي صورته المسلسلات والمسرحيات، فصرت أقلد طريقة القص التي يستعملها، كالتالي:
«قال الراوي: يا سادة يا كرام، إن الفارس المقداد عنتر بن شداد»... وأخذ يسرد السيرة؛ حيث ينطلق الحكواتي في إطلاق حكاياته. هذه هي المقدمة الدائمة لكل حكواتي. هذا الحكواتي الذي كان يستقطب كل الحاضرين في مكان رواية الحكاية التي عادة ما يكون المقهى أو القهوة التي يتجمع بها مساء كل فئات المجتمع على مختلف مشاربهم، فيوحدهم كمستمعين، ويفرقهم كمنتمين؛ هؤلاء إلى بطلهم الأسد الكرار والبطل المغوار الذي شاع ذكره في الأقطار، وأذل بسيفه كل صنديد جبار... المهلهل بن ربيعة... صاحب الأشعار البديعة والوقائع المهولة المريعة... الزير سالم أو ليلى المهلهل... بينما ينتمي آخرون لفارس الفرسان سيد الحرب والطعان، الفارس المغوار الذي إذا جرد الصارم البتار وشق بحصانه الأدهم جحافل الفرسان... فبضربة من اليماني يهوى عن يمينه ألف من الفرسان... الفارس الصنديد عنتر بن شداد...
وتمتد السهرة بين أخذ ورد... كل مجموعة تدافع عن فارسها... ويحتار الحكواتي مع من سيكون، فإن أنهى السهرة وعنتر سجين، ثأر العنترية... وإن كان السجن للزير ثأر مناصروه... (وحلا إذا بتحلا).
ويقفل الحكاية عند الذروة ليجعل الحاضرين معلقين بالحكاية بانتظار اليوم التالي ليكمل لهم الحكواتي السيرة.
لكني لم أستسغ هذا الأسلوب لسبب أن الحضور اليوم ليسوا أبناء حارة واحدة حتى يتابعوا في اليوم الثاني ما صار مع عنتر في معاركه كما كان في السابق، فلجأت إلى تأليف حكايات معاصرة أقوم بنهايتها بوضع النهاية، وأنهي القصة دون أن ينتظر الحضور تتمة الحكاية باليوم التالي، وطورت بالحكايات ومعي الرق أعزف عليه الأغاني التي تكون شاهدة على الحكاية.
- عند اندماجك مع شخصية تاريخية أو بطولية، كيف يؤثر هذا الانغماس على سردك وفهم الجمهور؟
بالطبع يجب أن يندمج الحكواتي مع الحكاية كي يقنع الجمهور بصدق أدائه، فيرفع صوته مع الموقف ويهدأ إذا كان الموقف هادئا. فيجب عليه أن يتوحد مع الشخصية التاريخية بحركاته، ويرفع السيف بيده مقلدا المعركة التي يخوضها عنتر أو الزير. وهذا التوحد أو الانغماس، كما تسميه أنت، يمكن للمشاهد أن يسمع منه أحداث الفتوحات وأنباء المعارك وأخبار الأبطال ومفاخر الفرسان الشجعان وسير الغزاة والفاتحين ممزوجا بالوعظ والعبر.
- الباحثون يصفون الحكواتي بأنه يجمع بين الراوي والممثل والمبدع المسرحي. كيف تعكس أعمالك هذا التداخل بين الفنون؟
هذا وصف حقيقي، فإن لم يكن الحكواتي ممثلا مبدعا وراويا بارعا فإن الجمهور سيعرض عنه. وبحكايتي أستعمل موهبتي كممثل مسرحي، لي أعمال مسرحية عالمية لشكسبير وبيتر فايس وغيرهم من الكتاب العالميين. فتارة أقدم الحكاية كراو محايد، وإذا كانت العقدة تحتاج لتوضيح يستطيع الحكواتي أن يستعمل أسلوب التغريب في حكاياته عندما تصل لهذا المستوى من الحبكة... وقد أمسك الحاضرون أنفاسهم... فيطلب الحكواتي فنجانا من القهوة أو يقطع الحكاية في ذروتها، وبذلك نوع من التغريب حتى يعيد الحاضرين لواقعهم ويخرجهم من تأثيرهم بالحكاية. وقد استخدم بريخت في مسرحه ذلك لكسر الإبهام بإخراج الممثل من حالة الاستغراق بدوره. ومن هنا فإن شكل الحكواتي هو أحد أشكال الظاهرة المسرحية عند العرب... بل من أشدها انتشارا واستمرارا وتمشيا مع روح الشعب وخياله ومتطلباته الاجتماعية.
- ما دور فن الحكواتي في الحفاظ على التراث السوري والهوية الثقافية في زمن الرقمنة والتقنيات الحديثة؟
دور الفن كبير، وليس الحكواتي فلكل منهما دوره؛ فالفن هو نقل مرآة الواقع بينما الحكواتي ينقل هذا الواقع بحرفيته بطريقة القص كراو.
ويقول ابن الجوزي محددا مفهوم عمل القصاص: إن لهذا الفن ثلاثة أسماء: قصص، وتذكير، ووعظ. والقاص هو الذي يتبع القصة الماضية بالحكاية عنها والشرح لها. وحديث ابن الجوزي يؤكد أن القص فن بتتبع الحكاية، والحكاية أبعد من مفهوم السرد والاعتماد على اللفظ... إنها تدخل في مفهوم الفعل كما يشير أرسطو عن مفهوم الدراما وتعريفه لها بأنها الفعل القريب جدا من المحاكاة كفن؛ لأن القصاص يستخدم الكلمة المؤداة بالإشارة والحركة والنغمة مؤشرا في المعاني بانفعالاته وحركات يديه ووجهه.
فالتراث عامة، والسوري خاصة، فيه الكثير من حكايا الواقع كالسير الشعبية المعروفة قديما. والآن بعد الثورة السورية حصلت حكايا مؤلمة من تهجير وقتل وسرقة وسجن، فواجب الحكواتي نقل هذا الواقع الذي عاشه المواطن السوري ليكون موثقا، وتتعرف عليه الأجيال القادمة كما تعرفت عليه الأجيال السابقة والحالية، لتكون الحكايا مؤتمتة وموثقة لتكون هوية جدية للأجيال القادمة. فربما جاء فنانون يمتهنون فن الحكواتي فتكون لديهم ذخيرة من الحكايات السابقة بأبطالها الواقعيين، وكما كان لجيلي من الفنانين ذخيرة الحكايا الشعبية عن الأبطال الأسطوريين.
- عند تقديم الحكايات القديمة للجمهور المعاصر، كيف تختارها دون أن تفقد روحها التاريخية؟
بالعموم الحكاية إذا خرجت من بيئتها تفقد التواصل معها، فإذا أردت أن أتكلم عن شخصية عنتر بن شداد وبطولاته وفروسيته وطلبه للحرية فأعمد إلى معاصرتها وإشراك عنتر بن شداد في همومها المعيشية، فأنزلته من الصحراء للمدينة ليعيش معهم ويعاصرهم ويطرح الحلول لهم، ويكون قاضي صلح بين المتعاركين خلال سرد الحكايا.
يعني هناك حكاية تنتهي بوقتها، وليس كما كان الحكواتي يقفل الحكاية عند حبكة درامية كسجن عنتر عند الملك النعمان، فينتظر الحضور لليوم التالي ليسمعوا كيف خرج عنتر من السجن.
ولما كان عنتر يحب ابنة عمه عبلة وجب وضع رتوش للقصة من الحياة المعاصرة، كأن أعطي عنترا هدية من هدايا المدينة كالورد والشاورما وفستان، ليأخذها ويقدمها لعبلة، أو الزير سالم بعد حرب البسوس يتكلم ويقول: هذه الحرب كانت كاميرا خفية. هكذا تظل روح الحكاية موجودة، وهكذا تكون نهاياتي لقصصي.
- كيف توفق بين الصرامة التاريخية والإبداع الفني؟
الصرامة التاريخية تكون بالمعارك القوية التي يخوضها الأبطال الأسطوريون والشعبيون، وفيها قتل ونهب وسفك دماء كما في قصة الزير سالم، والإبداع الفني يقلل من دموية هذه المعارك رغم واقعيتها إذا اعتمدت الحكايات التقليدية والنصوص المحاكاة لهؤلاء الأبطال.
بينما عند قصي لحكايا أستوحيها من التراث نعم أكون أمينا عليها، لكني أرويها بما يتطلبه وقت ومكان الحكاية. فقد كانت الحكايات أحد أشهر أشكال الأدب... والجنس الأدبي الأول الذي تولد منه الشعر والنثر والأدب المسرحي في مراحله الأولى. وانفعلت قصائد بوشكين وروايات غوغول القصيرة ومسرحيات استرونسكس، تعود جذورها للحكايات. أما في الشرق فكانت الحكايات هي المسرح الأول والدراما الأولى.
فالحكايات المرحة والمشوقة والبسيطة تعبر عن صوت الشعب الحي وتمجد العدالة والقوة والشطارة... وأبطالها تحبهم كل شعوب العالم، كونهم من الشطار الطيبين المرحين. فالحكايات عوضت العربي عن العرض المسرحي.
- حين يتفاعل جمهورك مع الحكاية كيف تصف تجربة هذا التفاعل؟ وما أثره على الأداء؟
لا شك أن تفاعل الجمهور ينتظر مني أن أشده إلى الحكاية، وأجعله يستمع لما أروي. وهذا التفاعل يجعلني مقنعا في تمثيل الوقائع وبهرجتها وإرفاقها بالفكاهة والمرح لتخفيف مأساتها، وهذا كله يؤثر في أدائي للحكايات للأفضل بعكس عندما يبتعد الجمهور عني لانشغاله بالهاتف أو الثرثرة مع رفاقه، فيأتي أدائي باردا. والمفروض هنا أن أستنهض همة الحضور، فأغني أغاني كشاهد على الحدث.
- كيف يختلف تأثير الحكاية على الأطفال والشباب مقارنة بالبالغين في استقبال الرسائل والمفاهيم؟
بالطبع هناك اختلاف في التأثير عندما يكون جمهور الحكاية من الأطفال، وبشكل أكبر مع الشباب. فالحكاية للأطفال يجب أن تنزل إلى مستواهم التفكيري، فلا أستطيع أن أحكي لهم عن حكايا الأبطال الأسطورية لأنهم قد لا يفهمون المغزى من الحكاية بينما يجب علي أن أحكي لهم عن حكايا فيها مفاهيم ورسائل تربوية كالبعد عن الكذب، وعدم سماع كلام الأهل، والنوم باكرا، وعدم اللعب بالشارع. ولما يكون جمهور الحكاية من الشباب، عندها سأحكي لهم عن الدراسة والحفظ للمواد المطروحة عليهم، وحثهم على النجاح وضمان المستقبل.
- ما أهمية الزي السوري التقليدي في عروضك.. (عنصر هوية بصرية أم مجرد جماليات)؟
الزي واللباس أحد ضروريات الحكواتي ليظهر الإقناع للحضور بلباسه العربي الجميل (الدامر والشروال والشملة) والطربوش وكتابه الذي يحتوي الحكايا... ولا يمكن لأحد أن يقرأ فيه إلا هو؛ لأنه صار جزءا من كيانه. وهذا الشكل التراثي من الجماليات التي تبهر المستمع وتشده إليه.
- ما أبرز التحديات التي واجهتها عند إدخال الحداثة إلى العرض التقليدي دون المساس بالأصالة؟
لم تكن هناك تحديات بالمفهوم العام عندما تصل الحكاية لذروتها، ثم ينشأ خناق وقتال (بين الحاضرين) بالتراشق بالكراسي والضرب بالهراوات من القبضايات، كما شاهدنا بعرض سهرة مع أبو خليل القباني التي استسقى المرحوم سعد الله ونوس الحكواتي منها ووظفه في المسرحية كراو. كما استخدم الحكواتي رشاد أبو شاور في مسرحية الغريب والسلطان، ومحمد الماغوط في المهرج. ويمكن أن يأخذ الحكواتي أي شكل مسرحي حسب توظيف الكاتب له، وأحيانا ينقل كما هو من الواقع. وشاهدنا الحكواتي في المسلسلات الشعبية موظفا توظيفا واقعيا.
إنما كان التحدي لنفسي: كيف سأغير مفهوم الحضور من متابعة يومية للحكواتي قديما وتعليق الحكاية بذروة معينة ليظل الحضور بانتظار الحل لهذه الذروة في اليوم التالي إلى حكاية تنتهي في نفس الجلسة. ولما بدأت بالتغيير لاحظت اهتمام الحضور بحكايتي التي تبدأ وتنتهي دون تعليقها لليوم التالي، وشاهدت الجمهور مقتنعا بإنهاء الحكاية، وذلك ضمن منظور الحكاية الشعبية وسيرة بطل شعبي كعنتر بن شداد عندما أقابله مع الزير سالم ويتناقشان، وكل بطل يحكي عن قضيته؛ فعنتر قضيته الحرية، والزير قضيته الانتقام لأخيه كليب، وتنتهي الحكاية وكل بطل متمسك برأيه.
- عند تجسيد شخصيات مثل عنترة والزير سالم، هل تنجذب أكثر إلى البطولة والشجاعة، أم إلى الإنسانية والضعف؟
عندما يتمسك كل بطل برأيه فهذا من مبدأ الرأي والرأي الآخر؛ فعنتر يمثل البطولة والشجاعة في البحث عن حريته بينما الزير يقف متمردا أمام الإنسانية التي تطالبه بها قبيلته وأخته، فيقتل القريب والغريب انتقاما لأخيه كليب. وبالطبع أنجذب أكثر للبطولة والشجاعة في الحكايات.
- كيف ترى مستقبل فن الحكواتي في العالم العربي، وما الرسالة التي ترغب أن تصل للحكاية عالميا؟
أولا: مستقبل الحكواتي عربيا صار متخفيا؛ لأنه لا يقدم إلا في رمضان. والحكواتي لم يعد ضرورة في هذا العصر، وصار تاريخا لظاهرة اسمها الحكواتي؛ حيث لم تعد تلقى الاهتمام إلا في شهر رمضان، فقد صارت شيئا متخفيا كما قلت. ولم يعد الحضور يعيشون تلك الحالة التي كانت تعاش قبل خمسين سنة. الآن هذا الجيل يشاهد الظاهرة ولا يواكبها، فهو حيادي تجاهها.
وبالأصل لم يعد هناك مقهى فيه سدة الحكواتي التي لم يكن يجلس عليها أحد غيره؛ لأنها شيء مقدس. ولذلك صارت المتابعة له ضعيفة؛ لأنه لا يظهر بقية شهور السنة. ولقد حاولت إيصاله إلى العالمية من خلال مشاركتي في مهرجان الحكاية الذي أقامته السفارة الفرنسية بدمشق، وشارك به حكواتية من فرنسا وجنوب أفريقيا وتونس. كما قدمت الحكواتي في الكويت كفن قادم إليهم لا يعرفونه، وقدمته في لبنان مع حضور ومشاركة فرقة الفنان صلاح تيزاني (أبو سليم الطبل وفهمان وأسعد)، وقدمت حكايا الهجرة كالتغريبة لبني هلال وذات الهمة لمنظمة شرق في قبرص، وعرضت الحكايا عالميا.
وبالعموم حاولت إيصال فن الحكواتي إلى العالمية بمجهود شخصي، وهذه المهمة تحتاج إلى مؤسسات لإيصالها، وليس لأفراد.
