ثقافة

فيلم "جون وجون"... رومانسية فوضوية تمتزج بالتمرد على العزلة الفردية

07 يونيو 2026
07 يونيو 2026

في وسط التنافس على الشاشات والمنصات وجوائز المهرجانات تبرز الأفلام عالية التكلفة التي تحتشد لغرض إنتاجها كبريات شركات الإنتاج، وهو تقليد صار في الغالب مصحوبًا بحملات إعلامية ودعائية لغرض الترويج للفيلم، وخلال ذلك صار ذلك النوع من الإنتاج تحديًا على جميع المستويات.

في المقابل بقيت السينما المستقلة والأفلام ذات التكلفة الإنتاجية المنخفضة في مساحة عملها المحدودة لكونها لا تمتلك الصالات ولا المنصات العالمية، ومع ذلك ظلت تقدم دروسًا بالغة الأهمية من خلال العديد من الأفلام منخفضة التكلفة.

من هنا يمكننا النظر إلى هذا الفيلم للمخرج الفرنسي الكبير لوك بيسون صاحب التجارب والأعمال المتميزة بما يشكل نقطة تحول في مساره السينمائي الممتد لأكثر من 40 عامًا، قدم من خلالها عشرات الأفلام، وقد بدأها يوم كان يبلغ من العمر 26 عامًا من خلال فيلم الإثارة "مترو الأنفاق" من بطولة إيزابيل أدجاني وكريستوفر لامبرت.

ثم توالت أفلام بيسون التي حققت نجاحات كبيرة وحققت إيرادات مرتفعة مثل فيلم العنصر الخامس وفيلم الرسول، قصة جان آرك، وفيلم لوسي وفيلم دوغمان، وهو أيضًا كاتب سيناريو ومنتج السلسلة الشهيرة تاكسي، وبالإضافة إلى هذا الفيلم فقد كتب السيناريو وأنتج عشرات الأفلام.

في هذا الفيلم ينتقل بيسون إلى السينما البسيطة والعملية وقليلة التكلفة ليس في بيئته الفرنسية بل في معقل السينما الهوليوودية، حيث يقرر التصوير بواسطة الهواتف الذكية لأغلب مشاهد الفيلم، وهو يقدم أولًا شخصية الموظف المتفاني جون – يقوم بالدور الممثل لوك ستانتون – وهو محاسب يعيش في وسط دائرة روتينية يومية وضغط متفاقم من جراء العمل، تحت سطوة مدير متسلط والانغماس في الوحدة والعزلة.

الدائرة الروتينية تقدم لنا مفردات يومية متكررة يمارسها جون دون أن يكون لها طعم، ومع شدة انضباطه إلا أنه يقع في مطبات تزيد من لا جدوى مسار حياته الروتينية، حتى اليوم الذي يلتقي فيه مع جون – الممثلة ما تيلدا برايس – التي سوف تقلب حياته رأسًا على عقب.

تبدأ تلك العلاقة الطريفة من خلال لقاء عابر في قطار الأنفاق، ثم تختفي تلك الفتاة المشاكسة ذات الشعر الفضي، ويواصل جون البحث عنها في المنصات، وهنا تلعب الهواتف الذكية دورها في تلك الحياة الروتينية، وما أن يلتقيان حتى يجد جون نفسه أمام فهم آخر للحياة ونوع من الروح الشفافة المتمردة على كل السياقات الجامدة.

وما تلبث تلك العلاقة أن تتطور إلى نوع جنوني من التمرد، ومن ذلك أن جون تحمل مسدسًا غير حقيقي، أي مجرد لعبة أطفال لكنها تتمكن من ممارسة أشكال من الابتزاز ومحاولات السطو، وبذلك تتسع مساحة المغامرة التي صار جون يستمتع بها متخلصًا من الروتين والضغط النفسي.

يحيلنا فيلم المخرج بيسون إلى تلك الثنائيات التي حفلت بها السينما، ولعل من أبرزها ثنائي بوني وكلايد الأمريكي الشهير الذي تم نقله إلى الشاشات سواء من خلال أفلام روائية أو وثائقية، إنها نزعة التمرد التي تمتزج بعلاقة رومانسية مضطربة وملاحقة من طرف المجتمع إلى درجة ارتكاب العنف كطريق للتعبير عن الذات.

اهتم عدد من النقاد بهذا الفيلم، ومن ذلك ما كتبته الناقدة ميلاني غودفيلو في موقع ديدلاين، إذ تقول:

"تستطيع أن تقول عن هذا الفيلم، أنّه مبهج للغاية. في الواقع، اقتصر العمل على ممثلين اثنين وثالثهما المخرج بيسون.

ومن الغريب أنه حظي بإشادة النقاد الفرنسيين المعروفين بصرامتهم، والذين لم يتساهلوا يومًا مع بيسون. وحيث تدور أحداث الفيلم في خيام المشردين في لوس أنجلوس، ومن ثم في فيلات فاخرة على التلال، وفنادق صحراوية، تتخللها مشاهد مؤثرة للتجديف والقفز المظلي. في معظم الأحيان، كان بيسون يصور بهاتف محمول، مع أن بعض المشاهد كانت أكثر تعقيدًا، مثل مشهد إطلاق النار الذي تطلب تجهيزات أكبر. وبحسب ما ذكره بيسون فإنه كان قد وضع ثلاثة أو أربعة هواتف في أنحاء الغرفة للحصول على زوايا تصوير مختلفة، كما وضع هواتف على فوهات البنادق، وقدم هذه الحصيلة المدهشة".

أما الناقد برايان أوفدورف فقد كتب في موقع بلو راي قائلًا:

"يقدم لنا هذا الفيلم شخصية جون الذي يحاول الحفاظ على توازنه النفسي، ملتزمًا بروتين صارم من التمارين الصباحية ووجبة الإفطار والأدوية اليومية قبل التوجه إلى العمل، حيث يواجه مديرًا لا يُبدي أي اهتمام بمستقبله المهني. يستكشف الفيلم بنجاح الإحباطات المتراكمة في داخل موظف قسم المالية، الذي يعيش وحيدًا، عاجزًا عن إيجاد شريكة، وليس عنده سوى والدته التي تتواصل معه عن بعد. قدم بيسون شخصية جون وهو في أسوأ حالاته ليساعد في انطلاق القصة، ولهذا فقد وضعه في مأزق عندما تُسحب سيارته ظلمًا ويفقد محفظته، تاركًا إياه في حالة اضطراب عاطفي، يرتدي بدلة ممزقة، ولا يملك سوى خيارات محدودة. ولكن سرعان ما يحاول إضفاء لمسة سحرية مع ظهور جون، غريبة الأطوار والمحبة للحياة".

هذه الخلاصات حرص المخرج على توظيفها دراميًا، وبهذا حدد مسارات السرد الفيلمي على وفق التحولات التي تطرأ على كل من الشخصيتين، فهو من جهة يقدم حياة روتينية ما تلبث أن تتجدد بروح المغامرة والتمرد على كل ما هو سائد حتى تشعر أن الحياة أبسط مما نتصور أو يحاول المخرج أن يوحي بذلك، ومن ذلك مثل كسر أبواب فيلا فخمة والمبيت فيها واكتشاف مالكي المكان بعد عودتهم من إجازة أن غريبين ينامان في سريرهما.

هذه الطرافة والكوميديا ما تلبث أن تنقلب دراميًا إلى مسار سردي مختلف يحاكي الإحساس بالتراجيديا بعد أن نكتشف أن جون تسعل دمًا وأن فرصتها في الحياة لا تتعدى زمنًا قصيرًا، ولهذا فإنها تعمد إلى الاستمتاع بكل شيء.

هذه التخريجة العاطفية ربما أراد المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو أن يوجد توازنًا موضوعيًا وحلًا منصفًا لشخصيتين تمردتا على الثوابت وسرقتا وهددتا وما إلى ذلك، وبهذا قد تجد لهما العذر بالنظر إلى نوع الحياة التي يعيشان في وسطها.

وعلى الرغم من أن السيناريو يتضمن إيحاءات تتعلق بالمرض النفسي، إلا أن بيسون اختار إبقاء شخصية جون واقعية، خاصة عندما تزور هي مكتب جون، تسرع في إخراج مسدس وسرقة بعض النقود، ساعيةً أيضًا إلى استعادة بعض من كرامة صديقها بإجبار مديره على الإذعان تحت تهديد السلاح.

المزيج الاستثنائي ما بين الجريمة والكوميديا تبدو معادلة مركبة في هذا السيناريو، يوظفه بيسون بأسلوب هو خليط ما بين الدهشة واللا منطق وبين الاضطرار والفوضى ليعيش جون في حالة صدمة في أغلب الأحيان، محاولًا إضفاء لمسة من المرح، بينما يتحاشى المخرج فرص التعمق أكثر في هذه التجربة المختلة، حتى بعد أن جعل جون شخصًا مدركًا تمامًا لحقائق الحياة القاسية وتبعاتها، ما بين موت يلاحق صديقته وسلطات تلاحقهما ووظيفة لم يعد يعرف موقعه فيها.

.............

سيناريو وإخراج: لوك بيسون

تمثيل: ما تيلدا برايس، لوك ستانتون، رايان شوز، دين تيستيرمان، شيري ماتسون، شيري ماتسون

إنتاج: لوك بيسون

مدير التصوير: توبيس ديمي.