No Image
ثقافة

فيلم "المياه العميقة".. حياة مهدّدة بين سقوط الطائرة وأسماك القرش

28 يونيو 2026
28 يونيو 2026

طاهر علوان 

يهتم الجمهور بشكل خاص بأفلام الكوارث وخاصة الكوارث الجوية وسقوط الطائرات ولهذا لم تتوقف عجلة إنتاج هذا النوع من الأفلام لما تحتويه من طابع المغامرة والتحدي والإثارة، ابتداء من مؤشرات الخلل في الطائرة وامتدادا بمعاناة الركاب وهلعهم وهم يعيشون لحظات السقوط وانتهاء بتدهور الطائرة وسقوطها في بيئة ما من البيئات.

وقدر تعلق الأمر بالبيئات المتنوعة السائدة، فقد شاهدنا سقوط طائرات إما في بيئات صحراوية أو مناطق غابات وخاصة الغابات الاستوائية وانتهاء بسقوط الطائرة في وسط المحيط.

في هذا الفيلم للمخرج الفنلندي ريني هارلن والذي كتب له السيناريو فريق من خمسة من كتاب السيناريو لينتهي بنا الأمر إلى كارثة طيران تمتزج بكارثة الوقوع في براثن أسماك القرش.

هذه الفرضية التي اعتمدها المخرج زادت من مساحة الإثارة والمغامرة وكأن المخرج أراد أن لا يكتفي بسقوط الطائرة وما يصحبها من هلع ورعب وسقوط ضحايا بل أن يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وهو العيش في عمق الهلع والرعب بسبب أسماك القرش.

من المؤكد أن التجربة برمتها وما دامت قد قادت المخرج إلى موضوع أسماك القرش فلا شك أن ذلك لوحده سوف يحيلنا إلى نوع سينمائي فرعي تم من خلاله تقديم العديد من الأفلام التي عالجت هذه الثيمة، ولهذا سوف نتذكر أفلاما مهمة يقع في صدارتها الفيلم -المدرسة وهو فيلم الفك المفترس - 1975 للمخرج ستيفن سبيلبيرغ المأخوذ عن رواية الكاتب بيتر بينشلي ثم الجزء الثاني الذي أخرجه جانوت زوارك - 1978 ثم الجزء الثالث الذي أخرجه جو الفيس - 1983 والجزء الرابع الذي أخرجه جوزيف سارجينت - 1987، وهو مؤشر على نجاح هذه السلسلة وشغف الجمهور بها ويمكننا أيضا استعراض العديد من الأفلام حول الثيمة نفسها، ولهذا فإن على من يقدم على فيلم من هذا النوع أن يدرك أن هنالك تجارب ومخرجين ذهبوا بعيدا في تقديم هذه الثيمة بمعالجات وأساليب جذابة ومثيرة إلى درجة انه اعتبر فيلم الفك المفترس في جزئه الأول من السلسلة من التراث السينمائي الثمين الذي يدرّس في معاهد السينما.

وأما إذا ذهبنا باتجاه الأفلام التي عالجت كوارث الطيران فهي الأخرى كثيرة جدا ولا نريد أن نذهب بعيدا، فخلال السنوات الأخيرة شاهدنا عدة أفلام من بينها فيلم الطائرة للمخرج جان فرانسوا ريشية - 2023 والذي سبق وناقشناه في هذه الصفحة وكذلك فيلم لا فرصة للأعلى - 2024 وفيلم الجبال فيما بيننا - 2017 وفيلم الناجون - 2022 وقبلهما أفلام مثل كاست واي - 2001، وفيلم الوجهة النهائية -2000 وفيلم الرحلة 2013، وفيلم الصندوق الأسود -2022 وأفلام أخرى عديدة.

ما يهم التركيز عليه في هذا النوع الفرعي من الأفلام أنه يتطلب اهتماما بعنصرين مهمين وهما التصوير والمونتاج والغرافيكس والخدع السينمائية لغرض إيجاد خط من التفاعل مع المشاهدين ثم تأتي مسألة الاعتماد على مهارات الممثلين الرئيسيين وقدراتهم، حيث يقع العبء الأكبر في هذا الفيلم على عاتق الأداء التمثيلي؛ إذ يظهر الممثل الكبير بن كينجسلي في دور قبطان الطائرة متماسكا ورصينا على الرغم من دوره القصير، ثم أكمل المهمة الممثل الكبير آرون إيكهارت في دور مساعد القبطان، حيث وقع الثقل في الأداء عليه وخاصة انه يعاني صراعا مع معضلة شخصية يخفيها ويتجه لرحلات الطيران يقبلها ولو كانت بعيدة ويظهر لنا أن السبب هو وفاة طفله بسبب المرض الخبيث، ولهذا يكون حانيا ورؤوفا بالفئات الهشة، بينما يوجه السائح الأمريكي المتعجرف بكل شراسة.

وبالإضافة إلى أداء الشخصيتين الرئيسيتين، فقد اتسمت الشخصيات الأخرى بالصدق والواقعية، بعيداً عن الابتذال أو الصور النمطية.

والملاحظ بعد ذلك أن الفيلم ظل يتأرجح ما بين الدراما النفسية ودافع البقاء على قيد الحياة، ثم يلامس ما هو أعمق -مثل الشعور بالذنب، والصدمة النفسية، وهشاشة السيطرة على الذات والهزيمة أمام التحدي والخوف من الآتي وما إلى ذلك..

وفي معرض القراءات النقدية لهذا الفيلم سوف نتوقف عند ما كتبه الناقد وليم وريناغ في موقع لاست موفي إذ يقول: "يحاول هذا الفيلم أن يكون عملاً تشويقياً عن النجاة، ولهذا فإنه يستحضر أجواء أفلام الكوارث في السبعينيات، ومع ذلك، نجد أنه يفتقر إلى فهم سر نجاح تلك الأعمال؛ فقد كانت تلك الأفلام تتميز بأسلوب فني طاغٍ وأداء تمثيلي كلاسيكي يحوّل كل عقبة في الفيلم إلى مأساة شكسبيرية مشوبة بمسحة من السخرية والمرح".

حاول مخرج الفيلم الجمع بين كونه فيلماً عن الكوارث، وبين الدراما الإنسانية، وكونه فيلم رعب عن أسماك القرش في آن واحد. ورغم نجاحه في تصوير مشهد تحطم الطائرة، إلا أن الجانب الدرامي الإنساني كان باهتاً في أحسن الأحوال، ومفتقراً للمنطق في أسوئها".

أما الناقد رومي نورتون فيكتب في موقع إن سيسشن فيلم: " لا شك أن الأفلام التي موضوعها أسماك القرش، كهذا الفيلم تمتلك جاذبية تكاد تكون غريزية؛ ربما يعود ذلك إلى بساطة التهديد المتمثل في كائنٍ قديمٍ خفيٍ يتربص بنا من الأعماق، أو إلى قدرة هذه الأفلام على استثارة خوفٍ لا مفر منه بمجرد أن نجد أنفسنا داخل الماء.

إن هذا النوع السينمائي يزدهر بفضل عناصر التوتر والعزلة والطبيعة التي لا يمكن التنبؤ بها مع أني كنت آمل في تجربة سينمائية محكمة البناء ومثيرة تغوص بنا في أعماق الرعب المائي، لكن ما حصلت عليه بدلاً من ذلك كان عملاً أكثر هدوءاً وتحفظاً، وبدا في بعض الأحيان تائهاً ومفتقراً للتركيز".

الحاصل أن بعض الانتقادات التي طالت الفيلم لم تغفل اختيار اثنين من ألمع الممثلين فضلا عن إقدام المخرج وفريق السيناريو على المزج بين ثيمتين متفجرتين ومثيرتين وهما ثيمة سقوط الطائرة وثيمة المغامرة مع أسماك القرش، لكن في المقابل نجد أنه من الصعب مسك العصا من المنتصف وأن يكون هنالك توازن في معالجة الثيمتين والنجاح الكلي في كليهما.

من جهة أخرى وإذا انتقلنا إلى مسارات السرد الفيلمي وتوظيف الحبكات الثانوية، فإن النظرة العامة للفيلم كأنها تضعنا في مربع الحدث التراجيدي أكثر من الاشتغال على متسويات متعددة من السرد الفيلمي، فمثلا كان بالإمكان أن ندخل إلى عالم قبطان الطائرة وصبره وخوضه التحدي لكنه غاب سريعا. ومن جهة أخرى ظل تحدي أسمالك القرش كأنه ضاغط إجباري لابد من المضي في استكشافه وتتبّعه وصولا إلى نهاياته وهو الذي توالت بموجبه الأحداث الفيلمية وما شجع على متابعة تلك الأحداث.

..............

إخراج: ريني هارلنسيناريو: بيت بريدج وشايان ارمسترونغ وآخرون

مدير التصوير: دي جي ستيبسن

مونتاج: جوف لامبانتاج/ ماجينتا لايت و ارستوس فيلم وآخرون

الكلفة – الميزانية: 40 مليون دولار