ثقافة

في بينالي فينيسيا رأيت الغضب على روسيا وإسرائيل

11 مايو 2026
ذي جارديان-9 مايو 2026 - تشارلوت هيجنز - ترجمة: أحمد شافعي
11 مايو 2026

في يوم الثلاثاء، امتلأ الجناح الروسي في بينالي فينسيا بالنشاط. ففي الخارج العديد من الطاولات التي تتكدس عليها صناديق عديدة من النبيذ وبضع صناديق من شراب جوردون جين الإنجليزي، وبالداخل فرقة تولوكا، وهي فرقة من "راقصي الفنون الشعبية الشبان والباحثين المحترفين في الموسيقى الأصلية الروسية" يغنون بينما آلات البلالايكا تعزف عند أقدامهم، وكان هذا أول عروض البرنامج المعد خصيصا للأيام الأولى في المهرجان الفني.

حينما بعثت بضع ثوان مصورة من هذا لصديق، ومراقب متابع ومنتقد لروسيا كان مقيما فيها حتى وقت قريب، جاء الرد في هيئة مراجعة نقدية سريعة، ووجيزة: “هراء إثني للتغطية على جرائمهم في الحرب". بعد ذلك رأيت فرق ديسكو على المنصات وحفنة من الناس يرقصون. وفي الوقت نفسه تقريبا، كان وسط مدينة كراماتورسك في شرق أوكرانيا يتعرض للقصف في وضح النهار مما أسفر عن مصرع ستة أشخاص.

يحسب لروسيا طبعا أن لديها الكثير الذي تحتفل به مع كل ذلك النبيذ. فها هي ترجع، بعد انقطاع استمر منذ عام 2022، إلى أهم مهرجان للفنون في العالم، حيث يجري تنظيم معرض هائل على يد قيِّم يتلقى دعوة لتنظيمه ويكون مصحوبا بعشرات العروض التي تنظمها بلاد العالم في أجنحة وطنية. ويكون موضوعا لحديث العالم. فحتى المظاهرات -من قبيل مظاهرة جماعة (بوسي رايوت) الفنية الروسية يوم الأربعاء- ترغم الناس على الحديث.

كان رئيس البينالي بيترانجيلو بوتافوكو -وهو مثقف يميني مثير للجدل عيّنته حكومة جورجيا ميلوني- قد أيّد رجوع روسيا إلى المشاركة، وكذلك استمرار حضور إسرائيل على الرغم من المناشدات المتكررة والرسائل المفتوحة التي طالب البعض منها باستبعاد الولايات المتحدة أيضا. قال بوتافوكو إن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يمنعه هم المنع الاستباقي للمشاركة. ويفترض بهذا أن يكون موقفا حياديا، لكن صحيفة لاريبوبليكا حصلت على مراسلات تفيد في ما يبدو بأن مديري البينالي يعينون المشاركين الروس في الحصول على التأشيرات، وتوجيه قوميسيرة الجناح أناستاسيا كارنيفا الشكر لـ"أصدقائنا الإيطاليين" في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي. في الوقت نفسه، تحقق المفوضية الأوروبية فيما لو كانت العقوبات قد انتهكت، بينما نأت ميلوني بنفسها عن موقف بوتافوكو ولم تتدخل في الأمر.

احتجاجا على مشاركة روسيا، لم يحضر وزير الفنون افتتاح الجناح البريطاني الذي امتلأ هذا العام بأعمال لبينة حميد البصرية والصوتية. وفي المقابل كان وزراء ثقافة أوكرانيا وبولندا ومولدوفا ودول البلطيق -أي دول جوار روسيا العصيب- حاضرين وظاهرين ولديهم الكثير ليقولوه. ففي فعالية حضرتها يوم الأربعاء، أشارت وزيرة الثقافة البولندية مارتا سينكوفسكا إلى أن الحديث "بلغة الثقافة للتعمية على واقع الحرب... آلية دعاية كلاسيكية". واتهمت وزيرة الثقافة الإستونية هايدي بورجا البينالي بأنه يبدو "خاضعا للمعتدي".

كثيرا ما يصيب البينالي بالغثيان، إذ يظهر الفن مطية للاعتبارات الجيوسياسية، وتظهر يخوت فاحشي الثراء دليلا حيا على أيديولوجيات بعيدة كل البعد عما يطرحه الفنانون عادة داخل الأجنحة. ولكن هذه النسخة من البينالي مختلفة الطابع أيضا؛ إذ يبدو فيها وكأنه على شفا الانهيار على نفسه، شأن النظام الدولي الذي ينعكس في البينالي انعكاسا غائما. فقد ماتت المديرة الفنية للبينالي كويو كوهو بالسرطان في العام الماضي تاركة فراغا من المؤكد أن صوتها كان ليغدو مسموعا فيه الآن لو كانت بقيت على قيد الحياة. وقد تركت إرثا يتمثل في فريق من المنظمين لإنهاء عملها في تنظيم المعرض المركزي الضخم، ولجنة تحكيم مسؤولة عن اختيار من رشحتهم هي من الفنانين والأجنحة للجوائز.

في نهاية أبريل، حددت اللجنة النطاق الأخلاقي التي تعتزم العمل فيه، داخل نطاق الإباحة للجميع الذي أصر عليه بوتافوكو، فأصدرت بيانا يقول إنها سوف "تحجم عن النظر للبلاد التي توجه المحكمة الجنائية الدولية حاليا اتهامات لقادتها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية". ودونما ذكر للأسماء، كان ذلك يعني كلا من روسيا وإسرائيل. وعلى الفور تعرضت اللجنة لضغوط لسحب بيانها، وتهديدات من الفنانين الممثلين لإسرائيل باتخاذ إجراء قانوني. وتداعى استقلال اللجنة، وبات الخيار المتاح لها هو ما بين التراجع أو الاستقالة. وفي ظل الظروف القائمة اختارت اللجنة الطريق الوحيد الذي استطاعت اللجوء إليه وهو الاستقالة.

قد يبدو هذا كله من سفاسف الأمور -محض خلافات فنية لا علاقة لها بمصائر الأمم والشعوب. ولكنها مهمة حقا، بل وبالغة الأهمية لكل من إسرائيل وروسيا. لقد كان من السهل عليهما أن يبقيا بعيدتين، لكن كلا من البلدين أصر تمام الإصرار على الحضور ولم يدخر في ذلك جهدا. فالفعاليات المماثلة للبينالي تحقق الشرعية، وتضع في محل أفكار القنابل والوفيات الجماعية للمدنيين أجواء الموسيقى، أو شِعرًا كشعر بول تسيلان، ولو أن لكل واحد منا أن يخمن ما الذي كان يمكن أن يقوله تسيلان عن حضوره القوي في معرض العام الحالي في الجناح الإسرائيلي.

كان البينالي دائما يعكس الخيارات الواعية للقائمين عليه. ولقد استغرق عقودا منذ تأسيسه سنة 1895 ليكتمل تكوينه ويتخذ شكله الراهن أي المعرض المركزي المصحوب بعروض في أجنحة مملوكة للدول. ولقد حدث في بضع مرات أن انحرف البينالي تماما عن تشكيله المعروف به اليوم، ففي عام 1974 على سبيل المثال أعيد تنظيمه تماما ليصبح حدثا مستمرا لشهور تضامنا مع تشيلي، ومنذ ذلك الحين وحتى سقوط سور برلين، جرى التفكير بجدية في التخلص من التمثيل الوطني تماما، حسبما أخبرتني كلاريسا ريتشي مؤرخة البينالي والأستاذة بجامعة بولونيا.

وفي ظل هذه الخلفية التاريخية المضطربة، يبدو إصرار بوتافوكو على أن البينالي "مكان للهدنة باسم الفن والثقافة والحرية الفنية" لا تعبيرا عن حياد مدروس ولكن يبدو موقفا حادا. لكن لعل الأمر الحاسم واجب التذكر هو أن الهيكل الأساسي الذي نعرف به البينالي اليوم نشأ في ثلاثينيات القرن العشرين، في ظل حكم موسوليني لي (من البينالي) كما قالت ريتشي "بؤرة للدعاية وممثلا لذروة الثقافة الإيطالية". قالت إن تشجيع أكبر عدد ممكن من الدول المختلفة على إنشاء أجنحة وطنية كان مهمة فاشيين. وفي ذلك الوقت كان يشار إلى البينالي في العادة بأنها "جينيف للفنون". فمن اللافت فعلا أن بوتافوكو نفسه قد ردد صدى تلك الصيغة حينما وصف البينالي بأنه "مؤسسة يمكن أن تعدد بمنزلة الأمم المتحدة بالنسبة للفنون، فلا ينبغي استبعاد أي دولة منه".

تشارلوت هيجنز رئيس القسم الثقافي في صحيفة الجارديان

https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/may/09/venice-biennale-anger-russia-israel-art-festival