No Image
ثقافة

عارف حجاوي: خروج الثقافة من الصفحة الأولى يعـكس تحـولًا أعـمق فـي الـوعي العــام

25 أبريل 2026
25 أبريل 2026

حوار ـ  فيصل بن سعيد العلوي 

من الصحافة إلى الإذاعة ثم التلفزيون والعمل الوثائقي يطّل الكاتب ومقدم البرامج الفلسطيني عارف حجاوي مستندا إلى مسار طويل اشتغل فيه على الكلمة في أكثر من وسيط.. تجربة لامست اللغة من داخل الممارسة اليومية؛ حيث تتشكل الفكرة وتُختبر وهي في طريقها إلى المتلقي. فهو الكاتب الذي صدرت له مؤلفات متعددة في اللغة والإعلام والأدب، من بينها «الزبدة» في خمسة مجلدات، ورواية «إعصار في الهلال الخصيب»، وكتاب «حياتي في الإعلام»، وهو المذيع الذي قدم برنامج «سيداتي سادتي» على التلفزيون العربي في لندن والدوحة. في هذا الحوار نقترب من تلك التجربة عبر أسئلة تنطلق من تفاصيل العمل الإعلامي، وتتسع نحو ما يحيط بها من تحولات، سواء في طبيعة الوسائط أو في علاقة الجمهور بالمعرفة، أو في اللغة العربية التي يعدها «حجاوي» مساحة اشتغال يومي تتقاطع فيها المعرفة مع التجربة وتظل حاضرة في صلب تفكيره وأدواته.

بداية: يقال إن العمل في الإذاعة يجعل الكاتب يكتب كما يتكلم، إلى أي حد ينطبق هذا على تجربتك؟ وكيف تقيّم تأثير الوسيط هنا؟

الرأي الشائع أني أكتب بالطريقة التي أتكلم بها، وهذا ليس نتيجة عملي في الإذاعة كما يُشاع. هذه طريقتي منذ البداية؛ فقبل دخولي هذا المجال -ولها ما لها من إيجابيات وسلبيات- بقيت جزءًا ثابتًا من أسلوبي. أما عن تأثير الوسيط فأراه اليوم في التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي؛ إذ إن التلفزيون يتراجع، وكذلك الصحافة المكتوبة على مستوى العالم في مقابل صعود وسائل التواصل التي جاءت كصدمة خاصة لدى الأجيال الأكبر سنًا، فحاول كثيرون اللحاق بها دون أن يكون ذلك سهلًا أو ميسورًا. وقد ظل الاعتقاد راسخًا لدى كثيرين أن الكتاب يحتفظ بمكانته العليا، غير أن هذا التصور بدأ يتراجع خصوصًا في عالمنا العربي فلم يعد الكتاب يحظى بالتقدير نفسه، وربما يرتبط ذلك بتراجع مستوى التعليم وتأثيره في علاقة القارئ بالمعرفة.

خلال إدارتك للمحتوى الوثائقي كيف كنت تتعامل مع الفجوة بين ما يتيحه النص من اتساع، وما تفرضه الصورة من حدود خاصة في العمل الوثائقي؟

ليس الأمر سهلًا؛ فالصورة غلّابة وتكاد تبتلع النص، والعمل الوثائقي في جوهره قائم على المعلومات، لكنه يحتاج إلى عنصر التشويق، وأحيانًا إلى قدر من الإبهار؛ إذ قد ترى وثائقيًا يعتمد على قوة الصورة وزوايا تصوير لافتة وإخراج مشدود، فيتراجع النص إلى الخلف، ويُطلب منه أن يكون مبسطًا ومباشرًا. وغالبًا ما يقول المخرج لصاحب النص: إن هذه الفكرة لا صور لها، أو إن هذا السرد التاريخي لا يخدم المشهد، فلا يريد هذه المقاطع بينما الكتاب يحتمل ذلك كله، ولا يحتاج إلى الصورة، لكنه يفتقد هذا الحضور البصري الذي يظل عالقًا في الذهن؛ لذلك كنت أحاول أن أوازن بين الفكرة والمضمون من جهة وحضور الصورة من جهة أخرى بحيث لا يطغى الإبهار على القيمة؛ إذ أرى في بعض الوثائقيات الأمريكية اعتمادًا كبيرًا على الإبهار البصري والصوتي من خلال الفلاشات والمؤثرات في حين تميل وثائقيات BBC إلى قدر أكبر من المحافظة على المضمون بينما تتجه بعض الأعمال الألمانية إلى السرد المطوّل الذي قد يصل إلى الإملال. وفي تجربتي كنت حريصًا على أن يكون النص محمّلًا بالمعرفة مع تجنب الأساليب التقليدية التي لا تضيف جديدًا، وقد رفضت نصوصًا؛ لأنها كُتبت بروح قديمة أو كانت منقولة بشكل مباشر دون معالجة.

وفي السياق نفسه فإن تحويل النصوص من وسيط إلى آخر يطرح الإشكال ذاته؛ فالمسألة ليست نقلًا حرفيًا، بل إعادة إنتاج، ويمكن أن نأخذ مثالًا على ذلك تجربة مصطفى لطفي المنفلوطي الذي كان يكتب اعتمادًا على الحكاية العامة دون الرجوع إلى النص الأصلي بلغة المصدر، ومع ذلك خرجت نصوصه مؤثرة ومحبوبة. وقد ذهب جلال أمين إلى أن ما كتبه في بعض الحالات يتفوق على الأصل؛ لأن المسألة ترتبط بحس الكاتب وقدرته على إعادة تشكيل المادة لا بنقلها فقط. وعلى هذا الأساس فإن تحويل الرواية مثلا إلى عمل درامي يخضع للمنطق نفسه؛ فإذا امتلك المخرج أدواته يمكن أن ينتج عملًا ناجحًا يحمل روحه الخاصة مع الأخذ في الاعتبار أن ليس كل نص روائي قابلًا للتحول إلى فيلم أو عمل بصري.

كيف تطورت لديك فكرة الحوار من مجرد طرح أسئلة إلى محاولة الوصول إلى «داخل» الشخصية بعيدًا عن موقعها أو تصنيفها؟

كنت قد بدأت بإجراء مقابلات قصيرة في برنامج «سيداتي سادتي»، ثم تطور هذا الاشتغال لاحقًا إلى تجربة أوسع في برنامج «سياسة سياسة» الذي قُدّم في فلسطين، وهناك بدأت تتشكل لدي هذه المقاربة في الحوار. فأنا حين أحاور لا أنطلق من تصنيف الضيف أو موقعه، فلا فرق لدي بين رئيس وزراء أو سياسي بارز وبين حارس بناية أو امرأة تعمل في صالون تجميل؛ لأن القيمة الحقيقية في رأيي تكمن في القدرة على النفاذ إلى روح الشخصية لا إلى موقعها.

أذكر أن من أجمل الحوارات التي خرجت بها كان مع جزار كان خفيف الظل، وقدّم مهنته بطريقة طريفة ومليئة بالتفاصيل، وكذلك حوارات أخرى مع أشخاص عاديين حملت طاقة إنسانية عالية ربما تفوق في أثرها بعض الحوارات مع مثقفين كبار؛ لذلك ظل هدفي دائمًا أن أصل إلى الداخل، إلى ما يشكل هذه الشخصية من أفكار وتجارب.

وهنا تأتي مسألة الإصغاء؛ فهي في صلب أي حوار حقيقي، أن تستمع جيدًا لما يقوله الضيف، وأن تتفاعل معه بدل أن تنشغل بسؤالك أو تتمسك به؛ لأن المبالغة في الاعتداد بالسؤال تُفقد الحوار حيويته. وقد يحدث أن يقع المحاور في هذا الخطأ، وربما وقعت فيه أنا أيضًا في بعض اللحظات، لكنني كنت أحاول باستمرار أن يكون الضيف هو مركز المشهد، وأن يدور الحوار حوله لا حولي.

في المشهد الإعلامي اليوم ما الذي تغيّر في موقع الثقافة داخل الصحافة العربية بعد سنوات من العمل داخل مؤسسات كبيرة مقارنة بالبدايات الأولى في الصحافة؟

في البدايات حين كنت أعمل في الصحافة كان حضور الإعلام الثقافي مختلفًا تمامًا عمّا نراه اليوم؛ إذ كانت الثقافة في قلب الصحيفة لا على هامشها. وكانت الصحف المصرية مثلًا تضع في صفحتها الأولى قصائد لأحمد شوقي أو حافظ إبراهيم، وهذا يعكس موقع الثقافة في الوعي العام آنذاك. أما اليوم فقد تراجع هذا الحضور، وانتقل إلى ملاحق خاصة لا يقرأها إلا المهتمون، وكأن الثقافة أُخرجت من المجال العام إلى دائرة أضيق. ومن هنا أرى أن الإشكال لا يرتبط بالأدب وحده؛ فالثقافة أوسع من ذلك، وتشمل العلم أيضًا، وهذا ما يجعلني أستحضر تجربة مجلة «العربي» التي أسسها أحمد زكي في الكويت؛ فقد قدّم نموذجًا مختلفًا لصحافة تجمع بين المعرفة العلمية والبعد الثقافي والجانب الترفيهي في آن واحد. كان يكتب عن «العقل الإلكتروني» في وقت لم تكن فيه هذه المصطلحات متداولة، ويتناول موضوعات في الصحة والفيزياء والكيمياء إلى جانب الأدب والتاريخ، بل يخصص مساحة للفكاهة، وهذا التنوع هو ما منح المجلة حضورها وتأثيرها. وهذا التصور للصحافة قائم على فكرة أن الخبر مرتبط بالجِدّة؛ فليس من الصحافة أن نعيد كتابة ما هو معروف كأن نكتب عن ابن خلدون من جديد، بل أن نلتقط ما هو جديد حوله كاكتشاف مخطوطة أو قراءة مختلفة، وهنا تتحقق قيمة العمل الصحفي. وقد عشت تأثير هذا النموذج شخصيًا؛ فقد تربيت على مجلة «العربي»، وما زلت أرى فيها تجربة ملهمة إلى جانب تجارب أخرى مثل مجلة «الدوحة»، وبعض الإصدارات الثقافية التي قدمت نماذج لافتة رغم تفاوت حضورها واستمراريتها.

العمل داخل قناة بحجم قناة الجزيرة ما الذي يحفظ مساحة اشتغال فكري حقيقي من أن تذوب داخل إيقاع المؤسسة؟

داخل مؤسسة إعلامية بحجم قناة إخبارية كبرى تبقى هناك مساحة يمكن الاشتغال عليها. وقد كنت حين توليت إدارة البرامج أمتلك هامشًا معقولًا أتاح لي تنفيذ برامج متنوعة، منها ما يتصل بالجانب الثقافي وإجراء مقابلات مع شخصيات قدمت أعمالًا أدبية وفكرية، لكن في الوقت نفسه يجب إدراك طبيعة القناة؛ فهي قناة إخبارية بالأساس؛ ولذلك يظل الحضور الثقافي محدودًا ضمن هذا الإطار، ومع ذلك كنا نحاول أن نصنع ما يمكن صنعه ضمن هذه المساحة. وفيما يتعلق بالجانب الثقافي تحديدًا لم أواجه ضغوطًا مباشرة، وكانت المساحة متاحة إلى حد جيد. أما في الشأن السياسي فهناك خط تحريري معروف داخل أي مؤسسة من هذا النوع، وهو جزء من طبيعة العمل الإعلامي، لكن تجربتي الشخصية بقيت مركزة على استثمار الهامش المتاح في تقديم محتوى يحمل قيمة فكرية دون أن يتصادم مع إيقاع القناة ومتطلباتها.

تجربتك في الترجمة والكتابة تكشف تماسا مستمرا مع ثقافتين. ما الذي يحكم هذه المسافة حتى لا تتحول إلى ازدواج أو قطيعة؟

أهم ما أحرص عليه في الترجمة هو أن أخاطب القارئ العربي بلغة مفهومة وحية؛ لذلك لا أجد مانعًا من قدر محدود من التصرف حين تقتضي الحاجة، لكن ما يزعجني أمران واضحان: الخطأ، والنص الذي يخرج غير مفهوم نتيجة الترجمة الحرفية؛ إذ إن بعض المترجمين يلتزمون بالجملة كما هي دون نقل معناها، فتقرأ العبارة، ولا تدرك ما الذي تقصده. وقد اشتغلت في الترجمة ضمن القسم العربي في «بي بي سي»، وترجمت أكثر من كتاب. وخلال هذه التجربة لاحظت هذا الخلل بوضوح؛ فهناك من يترجم كلمة بكلمة دون امتلاك حس لغوي حقيقي بينما أصبحنا اليوم أمام ترجمة آلية قادرة في كثير من الأحيان على تقديم نص أوضح من بعض الترجمات البشرية، سواء عبر «جوجل» أو عبر نماذج مثل «شات جي بي تي»؛ فهي تفهم السياق أحيانًا أفضل من مترجم لا يمتلك أدوات اللغة بشكل كافٍ، سواء في اللغة المنقول عنها أو في العربية نفسها، فينتج نص ضعيف ومترهل. وفي تقديري أن الترجمة تظل طريقنا الأهم إلى الثقافة؛ لأن التجربة علمتني عبر سنوات العمل في الإعلام أن الشعوب العربية لن تتخذ من الإنجليزية هوية إضافية؛ فاللغة التي تُفهم بها المعرفة على نطاق واسع تظل العربية. أما فهم اللغات الأخرى فيبقى مرتبطًا بمن عاش في بيئاتها أو درس فيها بينما الغالبية لا تتفاعل بعمق إلا مع ما يُقدَّم لها بلغتها.

... لكن هنالك خشية على انحسار دور المترجم مع تسارع أدوات الترجمة وتبدل طبيعة المهنة؟

نعم هذا صحيح. فكما كانت الترجمة في السابق مجالًا يدخل فيه بعض الكسالى فإن التحول اليوم أعمق من ذلك؛ لأن الوسائط الحديثة باتت تطرح سؤالًا حقيقيًا حول مستقبل المهنة نفسها. وقد التقيت في إسطنبول بمترجم أنجز نحو خمسة وخمسين كتابًا، ولم يكن متقدمًا في السن، كان في الخمسين تقريبًا، ومع ذلك قال لي: إن عمله انتهى تقريبًا؛ لأن ما تنتجه هذه الأدوات يمكن مراجعته وتحريره بدل أن يبدأ من الصفر، وهذا يغيّر طبيعة المهنة.

ومع ذلك تبقى هناك مساحات يصعب أن تختفي تمامًا، خاصة في الأعمال الأدبية الرفيعة في الشعر والنصوص التي تتطلب حسًا عاليًا باللغة؛ حيث يظل للمترجم البشري دور لا يمكن تعويضه بسهولة، لكن الصورة العامة تشير إلى أن كثيرًا من المهن تتراجع أو تتغير، وهذا ليس جديدًا؛ فقد رأينا ذلك في مهن أخرى؛ إذ كان والدي خياطًا يصنع الملابس يدويًا، ثم أدرك مبكرًا أن الجاهز سيطغى على هذه الحرفة، وكذلك اشتغلت أنا في الخط، وكنت أرى كيف ستتراجع هذه المهنة مع انتشار الحرف الجاهز حتى تحولت إلى فن أكثر من كونها صناعة. والأمر نفسه امتد إلى مجالات أخرى؛ فالتلفزيون يمر بتحولات واضحة، والصحافة كذلك، والمشهد يتجه نحو حلول التقنيات محل كثير من الوظائف التقليدية؛ لذلك أعتقد أن التحدي اليوم ليس في مقاومة هذا التغير بقدر ما هو في الاستعداد له والتكيف معه ضمن ما تتيحه هذه التحولات من أدوار جديدة.

في زمن صار فيه المحتوى سريعا ومختصرا أين تقف البرامج الفكرية العميقة اليوم؟

الرهان على البرامج الفكرية العميقة لم يختفِ، لكنه أصبح محدودًا وموجّهًا لفئة بعينها؛ فهذه المضامين تجد حضورها اليوم في مساحات مثل يوتيوب؛ حيث توجد بعض الحوارات المطوّلة، لكنها تبقى قليلة وتخاطب جمهورًا محددًا من النخبة أو من يملك وقتًا أطول مثل المتقاعدين أو من لا يرتبط بإيقاع يومي ضاغط. أما الغالبية فقد اتجهت إلى المحتوى السريع، إلى المقاطع القصيرة التي تختزل الفكرة في ثوانٍ، كما يحدث في «تيك توك» أو غيره من المنصات، وهذا التحول لا يخص الفكر فقط، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية؛ فحتى في أمور بسيطة مثل الطبخ لم يعد كثيرون مستعدين لمتابعة برنامج يمتد لنصف ساعة بينما يمكنهم مشاهدة الخطوات نفسها في دقيقة واحدة وفهمها بالكامل. وهنا يظهر الفارق بين زمن كان يحتمل الإطالة وزمن يضغط باتجاه الاختزال؛ لذلك لم يعد ممكنًا تقديم المحتوى الطويل بالطريقة القديمة، بل يحتاج إلى صياغات مختلفة تراعي هذا الإيقاع السريع دون أن تتخلى تمامًا عن العمق.

إلى أي حد غيّر ذلك التسارع في تدفّق المعلومات على شكل تلقي المعرفة وبناء الفهم خاصة عند الأطفال؟

العالم اليوم العربي وغير العربي يتحرك بإيقاع أسرع بكثير مما كان عليه في السابق، وهذا انعكس بوضوح على طريقة تلقي المعرفة؛ فالأطفال الآن يحصلون على كم هائل من المعلومات يفوق ما كنا نعرفه ونحن صغار. وهم يلتقطونها بسرعة وبصيغ مختصرة، وهذا لا يعني بالضرورة نقصًا في الفهم بقدر ما يعكس تغيرًا في آليات التلقي. فالدماغ الإنساني في هذا السياق يظل قادرًا على التكيّف؛ فهو جهاز يصنع الروابط بين ما يلتقطه من معلومات متفرقة. فقد يرى الطفل شيئًا عن الفلك مثلًا، ثم يمر على معلومة أخرى في سياق مختلف، فيربط بينهما، ويكوّن صورة ذهنية معينة دون الحاجة إلى المسار التقليدي القائم على قراءة كتاب كامل كما كنا نفعل. وهذا يفسر جانبًا من هذا التحول، حتى وإن بقيت له انعكاسات واضحة على أنماط السلوك والانتباه في الحياة اليومية.

الكتابة عن اللغة تحتل موقعا مهما في تجربتك، وأنت تعود إليها باستمرار.. ما الذي تضيفه هذه العودة لمسارك الأوسع؟

اشتغلت على اللغة بدافع الشغف قبل أي شيء، ومررت بتحولات واضحة في نظرتي إليها؛ ففي مرحلة سابقة كنت أتشدد في مسألة النقاء النحوي والالتزام الكامل بقواعد الفصحى، ثم بدأت أراجع هذا التصور حين أدركت أن الإفراط في مراقبة اللغة قد يعيق تدفق الفكرة؛ لأن المتحدث إذا انشغل بضبط أواخر الكلمات فقد يفقد تركيزه على ما يريد قوله. ومع الوقت صرت أميل إلى قدر من المرونة؛ فبدأت أقدّر العاميات ضمن حدود تسمح بالتواصل، ولا تفسد المعنى، خاصة أن تجربتي في العمل مع زملاء من مختلف البلدان العربية -سواء في لندن أو في بيئات إعلامية متعددة- كشفت لي أن الناس قادرون على إيجاد أرضية مشتركة بسهولة؛ إذ يتخلى كل طرف عن خصوصياته المحلية الأكثر ضيقًا، ويلتقي مع الآخر في مساحة وسطى تمزج بين الفصحى والعامية بطريقة مفهومة. ومن هنا تبلورت لدي قناعة بأن هذه اللغة الوسطى أو «البيضاء» هي الأقرب للانتشار؛ لأنها تتيح التواصل دون تعقيد، وتحافظ في الوقت نفسه على روح العربية، وهذا ما أعتبره التحول الأبرز في رؤيتي للغة بين البدايات وما استقر عليه فهمي لاحقًا.

... لكن هذا التحول في نظرتك للغة انعكس في مشاريعك لتبسيط النحو ما الذي كنت تحاول الوصول إليه؟

بصراحة أنا أتسلّى باللغة. وأجد متعة في تتبع أصول الكلمات وفي محاولة تبسيط النحو؛ لأنني أدرك أن النحو يظل ضروريًا خاصة لمن يعملون في الإعلام، لكن الرجوع إلى أصوله القديمة بصيغتها المعقدة قد يكون مرهقًا وغير عملي؛ لذلك اتجهت إلى تقديمه بطريقة مختصرة تساعد على الفهم دون أن تثقل على المتلقي؛ لذلك بدأت هذا الاشتغال بكتاب «قواعد اللغة العربية شرح شامل مع الأمثلة» الذي صدر عام 2003 وكان في أكثر من ثلاثمائة صفحة، ثم شعرت بالحاجة إلى مزيد من الاختصار، فكتبت بعده بسنوات قليلة «زبدة النحو» لطلابي في جامعة بيرزيت؛ حيث حاولت فيه تقليص المادة وتقديمها بشكل أكثر تركيزًا. وبعد ذلك مع عملي في قناة الجزيرة عام 2006 كتبت خلال فترة قصيرة كتيب «موجز النحو» الذي طُبع عدة مرات، ثم واصلت هذا المسار بتجارب أخرى مثل «النحو المكثف» و«النحو المخفف»؛ حيث كنت أذهب في كل مرة إلى تقليل الحجم وتكثيف الفكرة، وهذه العودة المستمرة إلى اللغة ليست منفصلة عن مساري، لكنها امتداد له؛ لأنها تمنحني فرصة لإعادة التفكير في أدوات التعبير نفسها، وتدفعني إلى البحث عن صيغة أقرب وأوضح دون أن أفقد صلتها بأصولها.

ختاما.. ما الذي يشغلك اليوم أكثر بعد المسار المتنوع بين الإعلام والإدارة والكتابة؟ هل تسعى لمراجعة ما مضى، أم تفكر فيما لم يُنجز بعد؟

حين أنظر إلى هذا المسار اليوم أجدني أقف أمام أسئلة لم تُطرح بعد أكثر مما أستعيد ما مضى؛ فهناك دائمًا إحساس بأن ما لم يُنجز بعد أكبر مما أُنجز. وأستحضر أحيانًا تلك الأمنية القديمة التي تقول يا ليت الشباب يعود يومًا لأخبره بما فعل، لا على سبيل الندم بقدر ما هي رغبة في مراجعة الطريق. ولطالما تمنيت أن أتخصص في مجال واحد، وأن أتعمق فيه، لكنني في الوقت نفسه أدرك أن طبيعتي تميل إلى التنقل والالتقاط من مجالات متعددة، كأنني أقطف من كل بستان زهرة، وهذا جزء من تكويني لا أستطيع الفكاك منه، بل إنني أحيانًا ألوم نفسي وأقول: إن هذا التشتت قد يبدو سطحيًا، لكنني أعود، فأفهمه في سياق ما تشكلت عليه منذ البدايات، وربما كان لقراءاتي المبكرة -خاصة لمجلات منوّعة- دور في ترسيخ هذا الميل، وهذا التنوع لم يكن عائقًا تمامًا، بل فتح أمامي أبوابًا مختلفة- خصوصًا في مجالات تمتد من الثقافة إلى العلم-، وهو ما يدفعني اليوم إلى الاستمرار في هذا المسار بصيغة أكثر وعيًا؛ إذ أعمل على مشروع كتاب يتناول موضوعات علمية متنوعة، محاولةً للجمع بين هذا الشغف القديم بالمعرفة وبين الرغبة في تقديمها بشكل مبسط ومتكامل. ومع ذلك تبقى فكرة التخصص حاضرة في ذهني، خصوصًا في مجالات مثل اللغات، لكنني أدرك أن قدراتي فيها ليست استثنائية؛ فهناك من يمتلك موهبة التقاط اللغات بسرعة وعمق بينما أتعامل أنا معها بحدود ما يخدم مساري، وهذا أيضًا جزء من تقبل الذات كما هي، وليس كما كنت أتمنى أن تكون.