خلفان البوسعيدي وثمرات بحثه عن نوادر الوثائق!
محمد بن سليمان الحضرمي -
وجد نفسه منذ نعومة أظفاره وعنفوان شبابه، مدفوعًا بهمَّة عالية، يسلك طريقًا محفوفًا بالوثائق والمخطوطات، حتى صار يتعشَّقُ رائحة المداد، ويفكك فيها الكلمات المتشابكة، المكتوبة بأقلام الرُّوغ والقَصَب في زمن بعيد، ومكان يشبه المكان الذي يعيش فيه، وثائق ومخطوطات كُتِبَت بحبر عُماني، وصل إليها في لحظة قَدَرِيَّة رائعة، ليوثقها في كتبه، ويؤرِخها في دفاتره، ويستخرج منها سِيَرًا لشخصيات عُمانية، جمعت في زمنها بين الفقه والأدب والقيادة، بعد أن كانت أخبارها مطويَّة في غياهب النسيان، ومن هذا المزيج الرائع من الوثائق والمخطوطات، ومن خطوطها متداخلة الكلمات، صنع الباحث خلفان بن سالم بن علي البوسعيدي كتبه، ونشرها بتعريف «جمع وترتيب» سبق اسمه، بعد أن اندمج بهالة الكلمات التي خطتها الأقلام، مرتشفًا معاني أدبياتها، المُشبَعة بعطر الأحبار.
وفي هذا الطريق الذي سلكه، وجد نفسه باحثًا عن الوثائق، فلم يرها أوراقًا قديمة، بل حياة تتوارى في داخلها أرواح آباء وأجداد، عاشوا الحياة قبل عقود وقرون من السنين، وثائق يعود بعضها إلى ما يقرب من أربعة قرون، جمع أوراقها مما تساقط من أشجار ظليلة، بمعارفها وعلومها وآدابها، وحقًا لم تكن مجرَّد أوراق قديمة، بل إرث ثقافي تناثر في دروب الحياة، فتوارى بعضها في صفحات المخطوطات، وبعضها بقي محفوظًا في جرار فخارية، أو أضابير ومحافظ جلديَّة و«مناديس» خشبية، فلم تأكلها «الرُّمَّة» خبزًا ناعمًا، ولم تتعفَّن بالرُّطوبة، بل حفظتها أيدٍ أمينة، وكأنها عُهدَة وميراث للأجيال، فظهرت بعد حفظها وكأنَّها خُطَّت في هذا الزمان.
أعرف الأستاذ خلفان البوسعيدي منذ أن كنا مَعًا، تلاميذ في مدرسة مالك بن فهم بولاية منح، وكان النبوغ يلوح في سيماء وجهه، فاختار أن يدرس العلوم الإسلامية، ويدرِّسَها بعد تخرُّجه، لكنه لم يبق أسير المادة التعليمية، بل شَبَّ عن الطوق، وبحث عن حياة أخرى، ينشر فيها العلم الذي اكتسبه، بإلقاء الدروس والمحاضرات، في المحافل الثقافية والدينية والتربوية، وأصبح معروفًا بين الأهالي، خاصَّة وأنَّ أكثر هذا الجيل طلابه، عرفهم وعرفوه في المدرسة، وذاع صيته متحدثًا فصيحًا، يسبك الكلمات والخطب عفو الخاطر، ويلقي الدروس ارتجالًا، ويكاد لا يمر أسبوع إلا ونسمع له درْسًا، يكون قد ألقاه في أحد المحافل، ولم يتَوانَ عن المشاركة في الندوات الثقافية، التي تنظمها المؤسسات الرَّسمية والأهلية في السلطنة، ليشارك بورقة بحثية، في شخصية فقهية أو أدبية، يضيف لها شيئًا من فيض معارفه، ومن ارتشافاته الرَّائعة لتلك الوثائق والمخطوطات، التي تحَصَّل عليها خلال بحثه الدؤوب.
بدأ رحلته في البحث عن الوثائق مع بدايات عمله معلمًا، تابعًا شغفه الخاص، شغف قاده إلى جمع الوثائق والمخطوطات، وكأنه مأخوذ برائحة الأحبار القديمة، فلا يسمع عن وثيقة في مكتبة إلا ويذهب إليها، يأخذ منها صورة ضوئية، ويحفظها في ملفات حاسوبية، ووجد بغيته في المكتبات الأهلية والمرجعية، كمكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي في السيب، والمؤسسات التي تُعْنى بحفظ المخطوطات، كهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، التي أمدَّها بالكثير مما يحصل عليه منها، وقام بتصوير آلاف الصفحات، مما يتيسر له الحصول عليها، لتكون له رافدًا في عمله الثقافي، وهو الكتابة عن سِيَرِ شخصيات فقهية وأدبية مرموقة في زمانها، غير أن الأقدار لم تسعفها لحفظ تركتها الثقافية، فضاع الكثير من تراثها، وما بقي منه بالكاد يشعل مصابيح البحث، عن نتاجها الثقافي في الفقه والأدب.
ولأن الوثائق التي يحتفظ بها تتباعد أزمنتها، مثلما تختلف أمكنة كتابتها، فإنَّ أقدم وثيقة يحتفظ بها تعود إلى 375 عامًا، طاوية من عمر الحياة نحو أربعة قرون، أو أربعين عقدًا من السنين، ويناهز عدد الوثائق التي جمعها «ربع مليون وثيقة»، يختبئ الزمان في أسطرها، فلم يزدها الليل إلا وضُوحًا في حبرها، ولا نور النهار إلا إشراقًا، أوراق تتبسَّمُ للحياة كحُلم قديم، وتبسَّمت بين يديه كأمنية سكنت الوجدان، وكأنها كائنات ملائكية لطيفة الملمس، خرجت من أرحام الغياب، وكأنَّ كاتبها فرغ لتوِّه منها، فلم تأخذ السُّنون بتقادمها، شيئًا من وضوح كلماتها وأناقة خطِّها.
من هذه الوثائق الكثيرة، استطاع الباحث خلفان بن سالم البوسعيدي، أن يؤلف خمسة كتب مطبوعة، صدرت له حتى الآن، وكتبا أخرى قيد الإصدار، ككتابه «الهِباتُ والمِنَح في تاريخ ولاية مَنَح»، من المؤمل أن يصدر في سبعة أجزاء، وكتاب: «اللؤلؤ المنثور أَدَم عبر العُصُور»، وبحوث منشورة في الكتب الصادرة عن «المنتدى الأدبي»، وأسهم في كتاب صدر بعنوان: «المدارس التعليمية العُمانية من القرن الأول الهجري إلى العصر الحديث»، مع مجموعة من الباحثين، مضيفًا بَصْمَتَهُ البحثيَّة في كتاب رأى نور النشر.
ابتدأ قِطاف حصاده الفكري بصدور كتاب «مَطالع السُّعُود في حياة العلامة محمد بن مسعود (ت: 1320هـ/ 1902م)»، صدر عن مكتبة الضامري 2003م، وفيه كتب تاريخًا لعلامَّة كبير، كان يعيش في قرية «الفيقين» بولاية منح خلال عقود القرن التاسع عشر الميلادي، لكن لم يؤثر عنه تأليف كتاب، فيما كانت فتاويه يتناقلها الفقهاء في مصنفاتهم، فكأنما أعاده إلى الحياة من جديد، بعد غياب قرن من الزَّمان، وصار اسمه يزهو في كتاب «مَطالع السُّعُود»، مثلما زها في اسم مدرسة ثانوية بمنح، ومكتبة تحمل اسمه، ضمن أقسام «مركز منح الثقافي».
ومن الكتب البحثية التي صدرت لخلفان البوسعيدي، كتاب «طلائع الفَتْح في تاريخ صَاد والفَتْح»، صدر عن مكتبة الضامري 2014م، يتضمن سيرة للسيد خميس بن سالم بن محمد البوسعيدي (حي عام: 1198هـ)، ابن عم الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي (حكم: 1162- 1198هـ)، وكان السيد خميس واليًا في مسقط، وقائدًا لجيش الإمام أحمد، في حروبه مع العجم.
وجمع خلفان البوسعيدي أجوبة فقهية للشيخة العالمة، عائشة بنت راشد الريامي (ت: 1147هـ)، في كتاب حمل عنوان: «الدُرَّة البَهيَّة»، صدر عن مكتبة الضامري 2017م، وكعادته في تأليف كتبه، ينهل خلفان البوسعيدي مادته من الوثائق النادرة، لسرد سيرة لم تُكتَب، ونَشْر فتاوى فقهية بقيت حبيسة الأضاميم من المخطوطات، لتعود الشيخة عائشة إلى الوجود الإنساني، بفكرها الذي انتشر في حياتها قبل ثلاثة قرون.
ومن كتبه أيضًا، كتاب عن «الشيخ العلَّامة حبيب بن سالم بن سعيد أمبوسعيدي حياته وآثاره»، (ت: 1194هـ/ 1780م)، صدر عن مكتبة السيدة فاطمة الزهراء 2020م، تناول في هذه السيرة حياته العلمية والاجتماعية، ومشاركاته في الحياة السياسية، وصلته بعلماء عصره، وإنشاءه مدرسة حملت اسمه، وتضمَّن الكتاب نص الرِّسالة التي كتبها الشيخ حبيب إلى الإمام المخلوع بلعرب بن حمير اليعربي، (خلع في وايد بني غافر عام: 1151هـ/ 1738م)، وله أيضًا رسالة في وثيقة صلح فلج «فَلْ» و«الحَبِّي» ببهلا، وتضمن الكتاب رسائل الشيخ النثرية.
وقبل أيام صدر له كتاب «القائد الكَمِيْ من سيرة الشيخ العلامة محمد بن مسعود الصَّارمِي» (حيُّ إلى عام: 1104هـ)، عن مكتبة رؤى 2025م، أعده بطلب من أحفاد الشيخ، في طليعتهم سعادة محمد بن حمد الصَّارمي رئيس المراسم السلطانية، وأقامت أسرة صاحب السيرة حفل تدشين كبير في إزكي، وكان قد بدأ بحثه عن تراث جدهم منذ 23 عامًا، فجمع مادته من مظان الوثائق والمخطوطات، من مختلف خزائن العلم العُمانية.
عاش الشيخ محمد بن مسعود الصَّارمي في فترة ازدهار دولة اليعاربة، واشتهر بتضلعه في علوم اللغة العربية، وله منظومة في علم الصرف تزيد على 73 بيتًا، قدَّم لها شرحًا صدر في كتاب مطبوع، وله أراجيز في علم المواريث وصلاة السَّفر، كما اشتهر بكونه قائدًا في فتح جزيرة «بَتَّة» القريبة من الصومال، الخاضعة للإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي، وله فيها منظومة رقيقة تبلغ 42 بيتًا، بدأها بمطلع غزلي: (كَشَفْنَ عَنْ تِلكَ الوُجُوهُ الصِّباحْ .. إذْ زُمَّتِ العِيْسُ ليَوْمِ المَرَاح)، ومن القصيدة هذا البيت: (حَتَّى أتينا «بَتَّةً» بالضُّحَى .. ثمَّ نَزلناها بأرْضِ بَرَاحْ)، عاش العلامة الصارمي بين قريتي «سيما العلاية» و«إمطي» بولاية إزكي، وله فيهما منزلان تتحدث أطلالهما عن أديب، كان يغمس قلمه في محبرة العشق، ليكتب قصائده الغزلية، أو يستعيض عنه بحبر أحمر من دم البُغاة، إنَّ أسفار الشيخ محمد بن مسعود الصَّارمي يحويها كتاب «القائِدُ الكَمِيْ»، بما يؤكد أن مؤلفه خلفان بن سالم البوسعيدي باحث مرموق جدير بالاحتفاء، وهذه الكتب التي ألفها بجمعه وترتيبه، بعض من ثمار
بحثه عن نوادر الوثائق.
