ثقافة

تنوع لغوي يعكس الهوية الغنية المتوارثة

26 مارس 2026
عمان.. أكثر من لسان
26 مارس 2026

لا تختزل الهوية في سلطنة عمان بلغة واحدة، فلغاتها المتعددة تجاوزت الأجيال متجذرة من عمق التاريخ، أو من الهجرات والتجارة والتواصل الحضاري. ففي كل ولاية توجد حارة بها لغة خاصة بأهلها، كحلة البلوش أو حلة العجم أو حلة الزنجباريين، ناهيك عن مناطق ومساحات تختص بقبائل ما تزال تتحدث لغاتها القديمة التي كانت موجودة حتى قبل اللغة العربية الفصحى. وهذا ليس فصلا أو تمييزا وإنما اعتزازا من أهل القرية نفسها بلغة توارثوها وحافظوا عليها. وهم جزء من تاريخ عمان الممتد، الذي نشر ثقافته وتأثر بثقافة الآخرين.

كما أن اللغة العربية كونها اللغة الرسمية في والإطار الجامع الذي يوحد المجتمع العماني، تتخذ لهجات متعددة تتنوع من محافظة إلى أخرى، ومن ولاية إلى أخرى، لتتميز سلطنة عمان ببيئاتها وألسنتها وحضارتها وثقافتها.

هذه اللغات تمثل أدوات للتواصل، كما تحمل في طياتها ذاكرة بيئية وثقافية عميقة، تنقل تفاصيل دقيقة عن أنماط العيش، فالبلوشية تعكس مسارات التواصل البري، والسواحلية تجسد الامتداد البحري، ولغات ظفار تحافظ على الجذور السامية العريقة، بينما تعكس لغات مسندم تداخلا ثقافيا صاغته الجغرافيا والتاريخ معا.

اللغات الأولى

في محافظة ظفار يعتز أبناؤها بلغات قائمة بذاتها تصنف ضمن اللغات السامية الجنوبية الحديثة، وهي فرع لغوي مستقل يختلف عن العربية في بنيته وتطوره. وتأتي في مقدمتها اللغة الشحرية الجبالية، وهي الأكثر انتشارا في جبال ظفار، وتستخدم في الحياة اليومية بين شريحة واسعة من السكان. وإلى جانبها، توجد اللغة المهرية، التي تمتد جذورها إلى مناطق أوسع تشمل شرق اليمن، وتتميز بنظام صوتي ومفردات تختلف بوضوح عن اللغة العربية.

كما تظهر لغات أقل انتشارا مثل الحرسوسية والبطحرية، وهي لغات مهددة بالاندثار، لا يزال يتحدث بها عدد محدود من الأفراد، ما يجعلها جزءا حساسا من التراث الثقافي غير المادي في سلطنة عمان.

لغات عبرت البحر

وصلت اللغة البلوشية التي تعود أصولها إلى إقليم بلوشستان إلى عمان عبر موجات من الهجرات التاريخية، والتواصل التجاري، ومن الارتباطات العسكرية في فترات زمنية مختلفة. ومع مرور الزمن، أصبحت البلوشية جزءا من المشهد اللغوي المحلي، تستخدم داخل المجتمع مع أبناء وأحفاد البلوش.

أما اللغة السواحلية الشاهد الحي على عمق العلاقة بين عمان وشرق أفريقيا، خلال فترات الحضور العماني في سواحل أفريقيا الشرقية. وعادت مع عودة العمانيين الذين عاشوا هناك محتفظة بروحها الأفريقية، مع بعض بعض التأثيرات العربية في مفرداتها وتراكيبها.

للجغرافيا لغتها الخاصة

في محافظة مسندم يتجلى نمط مختلف من التنوع اللغوي، نشأ بين العزلة الجغرافية والانفتاح البحري، حيث تستخدم اللغة الشحية، وهي لهجة عربية ذات خصائص صوتية وتراكيب مميزة، تعكس تاريخا لغويا خاصا بالمنطقة.

إلى جانب، اللغة الكمزارية التي تعتبر لغة مستقلة متعددة الأصول، تأثرت بالعربية والفارسية والبلوشية، كما تأثرت بالبرتغالية نتيجة التفاعل التاريخي مع القوى البحرية التي مرت بالمنطقة. ونشأت اللغة الكمزارية في بيئة بحرية منفتحة، حيث كانت كمزار نقطة التقاء التجار والبحارة، مشكلة نظام لغوي يعكس هذا التداخل الثقافي.

سؤال المستقبل

تكشف هذه الخارطة اللغوية تنوع الألسن وتروي تاريخ التفاعل الإنساني، فكل لغة في عمان تحمل قصة لهجرة، أو تجارة، أو عزلة، أو انفتاح. ولكن في ظل العولمة، وتأثير التعليم ووسائل الإعلام، هل سيتراجع استخدام هذه اللغات بين الأجيال الجديدة؟!