تأملات صوفية في المتن المحفوظي!
إيهاب الملاح -
(1)
من بين أهم أعمال الراحلة الدكتورة هالة فؤاد أستاذة الفلسفة والتصوف بجامعة القاهرة؛ فضلًا عن كتابيها المرجعيين الكبيرين عن أبي حيان التوحيدي (عرضنا لمحات عنهما في الحلقة الماضية من "مرفأ قراءة")، كتابها الفريد «قراءات صوفية في أدب نجيب محفوظ» الذي ظلت تعمل عليه وتطوره قرابة العشرين عامًا حتى صدر في صورته الأخيرة عام 2015 عن هيئة الكتاب بالقاهرة.
ربما كانت قراءة هالة فؤاد لنصوص نجيب محفوظ من منظور تأويلي صوفي (إن جاز التعبير) مع كتاب آخر لأستاذة فلسفة أيضا بجامعة عين شمس (الدكتورة وفاء إبراهيم) من أهم ما كتب عن نجيب محفوظ في ربع القرن الأخير، وبخاصة بما اتسمت به قراءات الأستاذتين من جدة وعمق ورصانة من ناحية، ومن ناحية أخرى تلك المهارة الكبيرة في توظيف أدوات وإجراءات التحليل الفلسفي "النقدي" إن جاز التعبير، مع تباين المدخل الذي اعتمدته كل منهما.
ومن اللافت أن الكتابين -وعلى كثرة ما قرأت عن أعمال نجيب محفوظ- كانا لأستاذتين غير متخصصتين في النقد، الأولى أستاذة فلسفة وتصوف، والثانية أستاذة فلسفة وعلم جمال، وهو أمر مثير للانتباه ويستدعي تأملا من زاوية خاصة! ورغم ذلك فإن كلا منهما تقدم "رؤية" و"قراءة" فريدة ومختلفة لبعض روايات محفوظ انطلاقا من أرضية تخصصها الذي يبدو ظاهريا مفارقا للنقد الأدبي، لكنه يتقاطع معه في مناطق عديدة ومتنوعة.
(2)
على كل حال؛ أتوقف قليلا عند قراءة هالة فؤاد الصوفية لعدد من نصوص محفوظ (ربما هي الأهم والأعمق بين رواياته جميعا)، وكيف تصدت أستاذة الفلسفة المتخصصة في التصوف صاحبة المشروع الطموح لإعادة قراءة وتأويل التراث الصوفي، أقول كيف تصدت لمقاربة وقراءة المتن المحفوظي المتراكب متعدد المستويات البادي كجبل الثلج المغمور ثلاثة أرباعه في الماء لأعماق بعيدة الغور، فيما لا يظهر منه سوى قمته أو جزء محدود للغاية من جرمه الشاسع؟!
قاربت هالة فؤاد مجموعة "مختارة" من نصوص محفوظ التي انطوت على روح صوفية أو حس صوفي أو رؤية صوفية كامنة؛ بدأتها بمقالات متفرقة نشرتها في تسعينيات القرن الماضي، وبعض الدوريات الأخرى، ثم جمعت ما تشتت من هذه المقالات والقراءات وبخاصة حول رواية «الطريق» لنجيب محفوظ، ونظمتها في سلك واحد ظهر في كتاب صغير الحجم عن دار العين للنشر بعنوان «طريق نجيب محفوظ بين الأسطورة والتصوف»، وضم دراستين تأسيسيتين؛ الأولى عن «الطريق بين الأسطورة والتصوف»، والثانية «قراءة الحرافيش.. جدل الإمكان- الاستحالة».
ومن منتصف التسعينيات وحتى عام 2015، تواصل هالة فؤاد مغامرتها القرائية وتتصدى لمقاربة نصوص أخرى لنجيب محفوظ؛ ولا يبعد عن النظر أنها تتصل اتصالا وثيقا أو برابط ما بالنصوص التي عرضت لها سابقا، فالحرافيش ليست مبتوتة الصلة بأولاد حارتنا ولا ليالي ألف ليلة ومن بعدها «قلب الليل»، أبدا!
وهكذا، تعكف هالة فؤاد على تطوير قراءتها لنصوص محفوظ وتعميقها، وتضم إليها بالإضافة إلى رواية «الطريق» (1964)، وملحمته السردية الكبرى «ملحمة الحرافيش» (1977)؛ صنوها الأول «أولاد حارتنا»، ثم درته السردية المنسية «ليالي ألف ليلة»، وأخيرا نصه الملتبس بالأسئلة الوجودية الحارقة «قلب الليل»..
وفي (2014)، تجمع هالة فؤاد حصيلة ما كتبته ونشرته من قراءات لنصوص نجيب محفوظ وأدبه في كتاب جامع صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ويقع في 260 صفحة تقريبا من القطع المتوسط وينتظم 4 فصول عدا المقدمة والخاتمة.
(3)
ماذا فعلت هالة فؤاد في مقاربتها للمتن المحفوظي المدهش؟
من واقع خبراتها المتراكمة في قراءة نصوص كبار المتصوفة وسرودهم الملتبسة بالحكي والتخييل تارة والترميز والإشارة تارة أخرى، وبحثها عن منهجية خاصة ومتميزة لقراءة النص الصوفي في العموم، أسست هالة فؤاد وعلى مدار أكثر من عقدين من الزمن لمشروع ضخم لإعادة قراءة الحكي الصوفي (سرديات المتصوفة الكبار)، يتناول نماذج متعددة من الحكايات الصوفية لدى محيي الدين بن عربي، وجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار، فضلا عن مشروعها الكبير عن أبي حيان التوحيدي، وقدّمت قراءات أولية "استكشافية" لها فيما نشرته من بحوث ومقالات في المجلات والدوريات العلمية المختلفة.
خبرة كبيرة وممارسة فذة راكمتها هالة فؤاد في مقاربتها للنص الصوفي خلال هذه العقود الممتدة، باتت هذه النصوص التي قرأتها وبذلت الجهد والوقت في محاورتها وفهمها وتمثلها، جزءا منها، تتنفس بها وتستحضرها في خبراتها الحياتية والإنسانية، ومن ثم باتت أيضا تمثل حصيلة وافرة لقراءة نصوص أخرى في ضوء ما كشفت عنه قراءتها لهذه النصوص.
من هنا استدعت تجربة هالة فؤاد مع نصوص التصوف قراءة نصوص أدبية أخرى (في حالتنا هذه بعض نصوص نجيب محفوظ)، تحمل رؤية للعالم تتقاطع أو تتماس مع رؤية هؤلاء المتصوفة في ما كتبوه من نصوص، أو من ناحيةٍ أخرى، يمكن القول إن هالة فؤاد حاولت استثمار خبرتها القرائية ومنهجيتها النصية في الكشف عن ثراء النص المحفوظي، وتقديم قراءة مغايرة لها تعتمد على الحرية في استنطاق الدوال والربط بين ما تقدمه نصوص محفوظ من أفكار ورؤى (ربما تأويلات أيضًا لمشكلات فلسفية ووجودية كبرى) وبين نصوص هؤلاء المتصوفة؛ وخصوصًا التوحيدي، وابن عربي، وفريد الدين العطار، وجلال الدين الرومي.. وغيرهم..
(4)
في تقديمها للكتاب، تقول الباحثة والأكاديمية التونسية رجاء بن سلامة:
"تستنطق الكاتبة اللغة، وتشتغل على الدوال في ترابطاتها العتيقة، فتدهشنا عندما نكتشف من جديد أن اللغة ليست أداة "نقول بها" بل هي لسان كاهنة "تقول لنا". سلاح الكاتبة في هذا الكتاب ليست سردية الوظائف والبنى المنطقية، بل سلاحها ترك السلاح على طريقة أهل التصوف ربما. ترك السلاح واتخاذ الذاكرة الأدبية والصوفية والميثولوجية معينا ومدادًا، أو بالأحرى خيوطًا. لكنها غير خيوط العنكبوت التي تتربص بالقنيصة، بل خيوط الطرازة التي تملأ الفراغات، وتسد البياض، تاركة للآخرين سبل الاستمرار في الملء والسد المتجددين".
وتفتتح رجاء بن سلامة تقديمها المحتفِي بالكتاب، وما يقدمه من قراءات بقولها: "أليس لون منقار الطائر في الحلم، أهمّ أحيانا من أحداث الحلم كلها كما يقول لنا فرويد في أحد نصوصه؟ بصمة اليد العابرة على دار بارد أليست أهم من الجدار وبنيانه لمن أراد قراءة القصص واقتناص الأثر؟ إذ كان النص المبتدع حلما من أحلام اليقظة؟ فلماذا نعرض عن الترابطات التي تصنع نسيج الحلم وتفتح أبواب التأويل، ونحن نفسر أحلام اليقظة التي خرجت من فضاءات الذات وأصبحت أحلاماً نهارية مشتركة نسميها "أدبًا".
يحدد هذا المقتطف -إلى حد كبير- مسار التأويل الذي ارتأت رجاء بن سلامة أن هالة فؤاد قد انتهجته في قراءاتها لمحفوظ، تستبصر النص المحفوظي في ضوء نصوص الرومي والعطار وابن عربي والتوحيدي، وتحاول "عقد قران نصي"، إذا جاز التعبير، بين هذه النصوص ونصي محفوظ «الطريق» و«الحرافيش»، ثم تاليا بنصوص «ليالي ألف ليلة» و«قلب الليل» على جسر التأويل الممتد، بلا ضفاف، ولا أسوار ولا حواجز، فالتأويل هنا عملية خلق جديدة تغتني بالدوال ولا تقع أسيرة لها.
ولا يغيب عن عين القارئ المدقق، إفادة المؤلفة من جوانب إجرائية وأدوات تحليلية وفّرتها مناهج قرائية حديثة مثل البنيوية والتفكيك، خاصة في ما يتصل بمفهوم الثنائيات المتضادة (في البنيوية) ومفهوم "الإرجاء" (في التفكيك)، لكن دون أن يعني هذا أي تقيد بالحَرْفية المذهبية المنهجية، فالقارئ للكتاب سيتأكد فورا -ومن صفحاته الأولى- تحرُّر المؤلفة المطلق من أي قيد يحد من حريتها في القراءة والتأويل، ودون أن يعني ذلك أيضًا اعتمادها المؤسس على خبرة وممارسة متراكمة، تنامت وتطورت على أرضية التخصص في التصوف الإسلامي..
