«بلاغة الكذب»: قراءات تراثية
إيهاب الملاح -
(1)
ذكريات تداعت على خاطري بمناسبة الاستعدادات لافتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 57 وهو عرس الكتاب الأكبر والأعرق في المنطقة العربية؛ خصوصا مع تدفق الإعلان عن العناوين والإصدارات الجديدة كالسيل (أغلفة مبهجة وعناوين جذابة وتنوع كبير ومذهل في الموضوعات.. كرنفال حقيقي).
من بين هذا الطوفان من الإصدارات؛ أقف أمام واحد منها صغير الحجم لا يزيد عدد صفحاته على 184 صفحة من القطع الأقل من المتوسط، غلافه تتوسطه صورة مؤلفه الناقد الكبير والقدير وصاحب الإنجاز المعرفي والثقافي، أتصفح الكتاب وأقع على عنوان الفصل الأول "أمثولة العبد الآبق"! يا له من عنوان!
تذكرت أنني كنت أحفظ قصيدة كاملة مطلعها "ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا" لشاعرٍ جاهلي لم يكن من المشهورين اسمه (إذا لم تخني الذاكرة!) الأسود بن عبد يغوث، وأذكر أنني كنت أحفظ القصيدة كاملة، وبسبب حفظي لها انضبط أدائي اللساني كثيرا في قراءة الشعر العربي، والنصوص العربية عامة..
وبسببها، أيضًا، اكتسبت ألفة عظيمة بالشعر القديم، وأساليبه، وطرائق التقديم والتأخير فيه، والإضمار والحذف والتقدير... إلخ، وكانت هذه القصيدة سببًا في البحث عن كل الشعراء الذين كان اسمهم "أسود" أو "عبد" أو تم النظر إليهم عن غيرهم من الشعراء لاعتباراتٍ لونية أو اجتماعية أو طبقية، كان يغلب على شعرهم الصدق، ويميلون إلى شعر المقطوعات، ويبعدون عن التصنع،
(عرفت ذلك فيما بعد من دراسة المرحوم يوسف خليف عن «شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي»؛ وهي بالمناسبة واحدة من الدراسات الرائدة في تاريخ الأدب والشعر القديم؛ بالمناسبة كتاب الصعاليك للرائع يوسف خليف كان رسالة الماجستير كم كنت أعشق أسلوبه وأبحاثه)
والسبب وراء تميز شعرهم بخصائص مغايرة لمجمل الشعر الجاهلي.. واكتشفت أن هذا الشعر يجاوز فكرة أنه جمل مرصوصة وبضع صور فنية وحيل بلاغية وخلاص!
لا.. لقد كان هذا الشعر حاملًا لمنظومة من القيم ورؤى العالم التي تجسدت شعرًا وعبرت عن نفسها فنا وشيدت عالما من التصورات العميقة التي تتجاوز فكرة "الكلام الحلو البليغ"..
(2)
وظللتُ على هذه الحال إلى أن وقع بين يدي كتاب الناقد البارع محمد بدوي الذي لم أقرأ مثله «بلاغة الكذب» (صدرت طبعته الأولى عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 1999)، وقرأت تحليله المذهل لشعر سُحيم عبد بني الحسحاس وشخصه.. في وقتٍ لم يكن لمثل هذا الشخص أن يملك فيه أي سلطة إلا سلطة القول؛ سلطة الشعر.. أذكر أن الفصل الذي كتبه محمد بدوي عن هذا الشاعر كان اسمه "أمثولة العبد الآبق".. فماذا قال بدوي عن هذا العبد الآبق وشعره في مستهل كتاب بلاغة الكذب بطاقة مشحونة بالفضول والاستفزاز المعرفي المحبب؟
قرابة الثلاثين عاما (إن لم يزد) بين الطبعة الأولى لهذا الكتاب الصغير القيم وبين طبعته الأحدث التي صدرت عن دار المعارف قبل أسابيع قليلة. «بلاغة الكذب» للناقد والأكاديمي الكبير الدكتور محمد بدوي أحد أبرز العقول النقدية والفكرية في مصر والعالم العربي في نصف القرن الأخير. هذا الكتاب واحد من خمسة أو ستة كتب مرجعية أصيلة أنتجها الناقد المقل خلال أربعين سنة!
أصدر محمد بدوي كتابه «الجحيم الأرضي دراسة في شعر صلاح عبد الصبور» (وهو أطروحته للماجستير)، و«الرواية الحديثة في مصر ـ دراسة في التشكيل والأيديولوجيا» (أطروحته للدكتوراه) في تسعينيات القرن الماضي، وبعد سنوات قليلة من صدورهما (بالتحديد في 1999) ألحق بهما كتابه «بلاغة الكذب ـ نصوص على نصوص» الذي ضم عددا من بحوثه ودراساته التفكيكية التأويلية في قراءة التراث الشعري والسردي العربي الوسيط..
لماذا بلاغة الكذب؟ وهل للكذب بلاغة؟!
قد يبدو هذا العنوان غريبًا، بل مستفزًاـ بتعبير مؤلف الكتاب نفسه، فنحن دائمًا نتحدث عن الشاعر الذي كان شعره صادقًا، والروائي المعبر بصدق عن الواقع، فكيف يكون الكاتب البليغ كاذبًا؟
يجيب بدوي: حين نتحدث عن صدق الشاعر في التعبير عن عواطفه، فنحن نوحد بيننا وبينه. لقد عبر عما فينا، فجاء كلامه «علي الجرح». لمس ما كان غائمًا، مراوغًا في أعماقنا، وكنا نود التعبير عنه، ولكننا لسنا محظوظين كالشاعر، الذي منح امتياز التعبير، ونسج الجمل، وانتقاء الألفاظ، والقدرة علي تحويل الداخلي الموغل في مراوغته، ونأيه، وفراره، إلى كلام جميل، يسحرنا. نحن أيضًا نتصور معيارًا نعرف به ما هو صادق، ونفرقه عن الكاذب، متوهمين أن الرحلة الطويلة من تحويل المشاعر والأحاسيس إلى كلمات منسوجة بدأب وحذق، رحلة هينة دون عوائق أو منعطفات.
وحين نتحدث عن صدق الروائي في كتابة الواقع، نفترض أن هذا الواقع غفل، حيادي، ملقي هناك والكاتب (الحق؟) هو ذلك الذي له عينان إبصارهما حاد، لاقط، قادر علي ضبط الواقع في أقصي صفائه، وصياغته، وإدهاشنا به. كأن هذا الواقع الصلب المادي يظل هو هو برغم تحوله إلى إشارات، وعلامات، ورموز، كأنه أيضا- ينطوي علي دلالة واحدة، علي معني أوحد، دون أن ننتبه إلى أن ما نتصور أنه الحقيقة -بال التعريف- هو مجرد تأويل لواقع وتركيز على جانب من جوانبه، وصورة من صوره.
(3)
ومحمد بدوي لا يعني بالكذب نقيض "الواقع" إذ الكذب جزء من "الواقع" بل قد يكون شكلاً من أشكال مقاومته ومجاوزته، لأن الواقع ضيق والكتابة توسعه، إذ تخلق شيئاً يشبهه ويجافيه في آن.
لذا وقف محمد بدوي في «بلاغة الكذب» (صدرت منه طبعة جديدة منقحة ضمن مجموعة أعماله النقدية المرجعية الأولى عن دار المعارف 2026)، عند الروح الديونيزوسية في نصوص سحيم عبد بني الحسحاس الشاعر الذي ذهب الى الحدود الوحشية القصوى في النشوة والفرح بالجسد الأنثوي كما وقف في "ألف ليلة وليلة" عند قص شهرزاد لحكاية الحمّال والثلاث بنات حيث يأخذنا النص من فضاء الفرح والتسلية والنشوة بالجنس والشراب والمنادمة الى فضاء وحشي ضدي هو فضاء حكاية تكتب الحيرة والتيه، وتبحث شخصياتها عن "أب رمزي" ومطلق السلطة.
أما سحيم عبد بني الحسحاس فنلتقي اسمه عرضاً في الشعر القديم لشحوب صورته وقلة شعره مع عظم ما ارتبط به مقتله بسبب الحب والشعر. وقد كان سحيم أسود في مجتمع يسوّد البيض ويسلّع السود، وقد تترجم سوء حظه بلعنة الشعر حين حاول إدخال العالم الى بيت اللغة، واتصل بقرينه الذي راح يوسوس في صدره ويزين له المعاصي وينفث في روعه ويُنطقه بما يريد.
وما يريده لا يعدو أن يكون شراً كأن يشرب أو يطرب أو يصبو، فالشعر نكدٌ بابه الشر، والشاعر هو سلب وقرين العاصي، وما بالك حين تلحق اللعنة عبداً، أضيفت الى لعنة شعره لعنة سواده والعبودية، ليصبح أمثولة العبد الآبق الذي إذا جاع هجا رجال القبيلة وإذا شبع تغزل بنسائها.
ولكن السؤال كما طرحه محمد بدوي: متى لحقت اللعنة بسحيم؟ وهل كان ذلك يوم غادر أفريقيا الى آسيا؟ أم يوم فقد حريته وعُرِّيَ من حاميته؟ أم يوم نطق بأول بيت، وسكن لغة غريبة وخان لغته الحبشية خيانة "تبدو لفرط سحرها مبررة" ولفرط كذبها ذروة في البلاغة؟ أم يوم تنزق وتفحش، حقاً وصدقاً، أو وهماً وخيالاً؟
لقد أدارت "الثقافة" حول سحيم خطاباً ينطوي على عداء صريح له، وما ذلك إلاّ لأنها كانت تتلذذ به وترغبه، خصوصاً وأن نص سحيم لم يتكون كالنص المنسوب إلى مؤلف واحد، بل ظل يتكون عبر أزمنة طويلة.
لذلك، وكما يقول بدوي، فإن القارئ الضمني الذي يتوجه إليه نص الثّقافة غير القارئ الذي يحتويه النص الشعري.. (وللحديث بقية).
