No Image
ثقافة

"الجابري" وترسيم حدود التراث

20 يونيو 2026
20 يونيو 2026

إيهاب الملاح 

(1)

ونستكمل حديثنا عن المفكر والمنظر والشارح الكبير محمد عابد الجابري (1936-2010) في مشروعه الطموح لإعادة ترسيم حدود التراث العربي أولا، (ونقد العقل العربي) ثانيا، وتكوين أو رسم خريطة كلية وشاملة لمسارات هذا الفكر منذ بداياته التأسيسية الأولى، وحتى اللحظة التي أنشأ فيها الجابري مشروعه الكبير.

كان عابد الجابري يعي تمامًا أن أعماله الفكرية كلها تندرج بصورة أو بأخرى في إطار الإشكالية العامة المهيمنة على الفكر العربي منذ القرن التاسع عشر، إشكالية التجديد: تجديد هذا الفكر. هذا أمر واضح وعام، بمعنى أن جميع المشتغلين في مجال الثقافة والفكر في العالم العربي منذ القرن الماضي منخرطون، بصورة أو بأخرى، في معالجة هذه الإشكالية، وبحثها.

غير أن ما يميز مسار عابد الجابري عن مسار كثيرين -كما أوضح هو بذاته ذلك- هو أنه بينما يمكن التمييز بوضوح بين ثلاثة مواقف، أو تيارات، يُوصف أحدها بأنه "سلفي" والآخر بأنه "تغريبي" والثالث بأنه "توفيقي" (راجع كتابه المهم «الخطاب العربي المعاصر») فإنه قد سلك مسارا يخترق هذه التيارات الثلاثة ليتجاوزها جميعا،

التجاوز الذي يعني النفي والاحتفاظ في الوقت نفسه، تجاوزها إلى موقف آخر يعتمد ما يسميه هو بـ"استراتيجية التجديد من الداخل"، وهي استراتيجية تتحرك على ثلاثة محاور متكاملة:

محور النقد وإعادة البناء والترتيب لتراثنا الفكري بمختلف منازعه وتياراته.

ومحور التأصيل الثقافي للمفاهيم والمناهج التحديثية، وقيم الحداثة المعاصرة.

ومحور نقد العقل الأوروبي، وتصوراته الموجهة بالمركزية الأوروبية.

كان الجابري يعي طبيعة تاريخنا الفكري وخصوصية تركيبه وتشكُّله، كما ظل يُدرس طوال العهود الماضية، وأنه تاريخ "فرق" وأشخاص، وليس تاريخ فكر بالمعنى التوليدي للأفكار واشتباكها. تاريخ يعكس الصراعات السياسية الظرفية التي تمزق الزمن الثقافي، وتجعله خاضعا للزمن السياسي، وتابعا له تبعية مباشرة.

(2)

لكن من المهم العودة إلى الوراء قليلا، إلى اللحظة التي أنجز فيها جابر عصفور أطروحته حول «الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب»، ثم طورها وارتقى بها لاحقا في كتابه المنسي الكبير «مفهوم الشعر ـ دراسة في التراث النقدي عند العربي»، ثم استكمل طرحه النظري في كتابه «قراءة التراث النقدي» (1991).

بنى جابر عصفور كشوفاته وحدوسه المعرفية والتحليلية أثناء درسه للتراث البلاغي والنقدي عند العرب على فكرة جوهرية في دراسة العلوم الإنسانية وهي وحدتها الكامنة والكلية والمتداخلة والبينية، وهي رغم تنوعها وتباينها وخصوصية كل حقل معرفي منها فإنها في النهاية تندرج في إطار وحدة "موضوعية" متصلة لا سبيل إلى إنكارها أو التغاضي عنها أو إهمالها!

وبالتالي ترسخت فكرة قراءة النقد القديم والبلاغة العربية في ضوء علوم التراث ككل؛ فلا يمكن أبدًا إغفال تأثيرات علم الكلام والتفسير والعقيدة وأصول الدين على مباحث اللغة الأدبية والحقيقة والتصوير والمجاز والخيال بأنواعه (التشبيه والاستعارة والكناية)، ومن يقرأ كتابي الشيخ عبد القاهر الجرجاني الشهيرين «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» لا يمكن أن يستوعبهما أو يتعمق دقائقهما من دون الرجوع إلى السياق العقدي والكلامي والصراع بين المعتزلة والأشعرية لرد الأفكار والتصورات اللغوية والبلاغية والنقدية إلى أصولها الفكرية والثقافية.

ضمن هذا الإطار العام، وفي دائرة هذه الفكرة الجوهرية، تندرج دراسات وكتابات طه حسين، وأحمد أمين، ومحمد مندور، ولطفي عبد البديع، ومصطفى ناصف، وشكري عياد، وجابر عصفور، وعبد الحكيم راضي، مثالًا، في مجال النقد والبلاغة العربيين،

وهي دراسات تُعتبر رائدة في مجال اكتشاف العلاقات العضوية بين هذين المجالين وبين غيرهما من مجالات التراث العربي.. ولعل دراسة جابر عصفور «الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب» هي التي فتحت الباب واسعا لباحثين كثيرين لارتياد مجال الدراسات التراثية مسلحين بهذه الرؤية الكلية الشمولية المنفتحة.

إذن، ثمة خيط فكري (وهم منهجي) واحد؛ هو قراءة التراث البلاغي والنقدي في ضوء علوم ومجالات التراث العربي ككل، فالتعدد والتنوع لا ينفي الوحدة في إطارها النظري العام، وعلوم التراث ككل تمثل منظومة فكرية واحدة تتجلى في أنساق وأنماط جزئية متغايرة في كل مجال معرفي خاص.

(3)

كان الجابري بعمله الفذ والكبير في «نقد العقل العربي» نموذجًا ناصعًا على تجليات هذه الفكرة وتوسيعها وتوظيفها في ترسيم حدود التراث العربي كله، وبالتالي فعند نظره إلى "التراث" ينظر إليه في وحدته الجوهرية، وإن تنوع وتعدد في علومه ومجالاته وحقوله المعرفية؛ فلا يستغني الناظر في التراث النقدي، مثلا، عن النظر في التراث اللغوي والنحوي والفلسفي والكلامي والأصولي.. إلخ. يقول الجابري:

"إن ما نهدف إليه أساساً هو التعرف على (العقل العربي) من خلال القيام برحلة في (أروقة) الثقافة التي أنتجته، وساهم هو في إنتاجها وتشكيلها، فالتعرف على الشيء من داخله أفضل بكثير من الوقوف عند وصفه من خارجه، خصوصاً عندما يصدر الباحث عن نظرة نقدية. هذا ولا بد من التأكيد هنا من جديد على أن ما يهمنا أساساً ليس العقل كبنية ميتافيزيقية بل العقل كأداة للإنتاج النظري، كـ(منظومة من القواعد).. قواعد النشاط الذهني. فكيف يمكن فهم هذه "الأداة- المنظومة" إذا لم نتتبعها في عملها ومن خلال طريقتها في العمل والإنتاج؟"

وكان الجابري يشبه عمله ونفسه بـ"عارض الأفكار"، الذي يُشبه "عارض الأزياء"؛ يقول: فهناك من يمر من الناس فيرى زيا معينا فيعجبه، وهناك من لا يعجبه فيرميه بالحجارة. وأنا لا يهمني لا هذا ولا ذاك. من سيهمني هو من سيدخل إلى المتجر معي، ويتعرف على موادي وما عندي من صوف، وما عندي من صبغة، ويعيش معي المشكلة، هذا النوع إذا اختلف معي سأردّ عليه، أما الذي لا يدخل معي، فلن أرد عليه، لأني سأكون ظالما، من حقه أن يقول ما يقول.

أما كيف يتم هذا التعرف الدقيق والفحص الشامل والنقد الجذري، فكان عبر توظيف جملة من المفاهيم التي تندرج في إطار "النقد المعرفي" الحديث، ومنها على سبيل المثال فكرة الثنائيات (الموروث والوافد، المشرق والمغرب، المركز والهامش، الظاهر والمضمر... إلخ) وفكرة "النموذج التحليلي المعرفي"، ثم المفهوم المركزي لدى الجابري "القطيعة المعرفية".

(4)

وقد استحوذ هذا المشروع المعرفي النقدي على نصيب الأسد من الاهتمام والمناقشة والأخذ والرد؛ وطوال ما يقرب من العقود الأربعة التالية لظهور الجزء الأول «تكوين العقل العربي» في 1984 لم يفت واحدًا من كبار النقاد والمفكرين في عموم العالم العربي وطوله وعرضه الإشارة إليه أو التنويه به أو عرضه عرضا تحليليًا.. إلخ.

يقول المرحوم علي مبروك عن ذلك "كان لا بد من انتظار صدور كتاب الجابري المعنون «تكوين العقل العربي»، ثم «بنية العقل العربي»، ليتحول مؤلفه ابتداء من عام 1984 إلى "نجم ثقافي" لتتم مبايعته أستاذًا للتفكير، لا بالنسبة إلى الجيل الصاعد من المثقفين العرب فحسب، بل بالنسبة أيضًا إلى شريحة واسعة من الجيل المخضرم منهم والذين تقطع شواهد عدة بأن جورج طرابيشي صاحب المشروع الأهم في نقد الجابري كان واحدًا منهم".

كان التأكيد على صفة "النقد" و"النقدي" سمة مميزة لعمل الجابري في ذلك الوقت، كما في عمل غيره من أصحاب المشاريع الفكرية "الناقدة" الأخرى، فالفكر العربي المعاصر "مطالب بنقد المجتمع، ونقد الاقتصاد، ونقد العقل، العقل "المجرد"، والعقل السياسي. إنه بدون ممارسة هذه الأنواع من النقد بروح علمية سيبقى كل حديث عن النهضة والتقدم والوحدة في العالم العربي حديث أماني وأحلام".

وهكذا دشن الجابري كتابه «نحن والتراث» (1981)، والذي كشف فيه عن بذور المنهج المعرفي التحليلي أو (الإبستيمولوجي) في سعيه للكشف عن أبعاد وجوانب إشكالية (التراث والمعاصرة).