الأعداد المترجمة إلى العربية من مجلة الدراسات العمانية
لا تتوفر في مكتبتي أعداد «مجلة الدراسات العُمانية»، عدى عددين مترجمين إلى العربية، يحملان رقم 15 و16، ولأنه لا يتوفر لديَّ الأعداد الأولى، المؤسِّسَة لهذه المجلة المهمة، ولا كل الأعداد المترجمة إلى العربية، فقد لجأت إلى مكتبة «مركز نزوى الثقافي»، لأتصفح ما يتوفر فيها من تلك الأعداد، وأخرج بتصوُّر معرفي، عن مجلة تعيش بيننا منذ خمسة عقود، وقد احتفلت بمرور خمسين عامًا على صدورها، اليوبيل الذهبي، وتدشين موقعها الالكتروني.
بداية: «مجلة الدراسات العُمانية»، بدأت بالصُّدور عام 1975م، عن وزارة «الإعلام والثقافة»، ثم أشرفت عليها وزارة «التراث القومي والثقافة» بعد تأسيسها عام 1976م، لتكون ضمن اهتماماتها بالعمل التراثي والثقافي، ومنذ ذلك الحين والوزارة ترفد الساحة الثقافية بأعداد من المجلة، بلغت حتى هذا العام 25 عددًا، الأعداد الأخيرة منها صدرت عن وزارة «التراث والسياحة»، بعد أن آلت تبعيتها التحريرية إليها، ويمكن القول: إن المجلة غطَّت نصف قرن من الزَّمان، ما يجعلها أقدم مجلة عُمانية، واكبت عصر النهضة الحديثة، وتخصَّصت في دراسة التراث الحضاري العُماني القديم، واتخذت من الرَّسم الصخري للحيوان شعارًا لها، قريب الشبه بالوَشَق البرِّي أو النمر المرقط، مع اللون الأحمر القرمزي الذي يكسو غلاف المجلة.
بالتأكيد هي مجلة مهمة للدارسين والباحثين، في علم التراث الثقافي والحضاري في السلطنة، وما حولها من حضارات قديمة، بما تضمه من لقى أثرية، ورسومات صخرية، ونقوش حجرية، وبالتأكيد فإنَّ كتَّابَها من الدراسين في علم الآثار، وتحليل الأحافير، ومتخصصين في قراءة النقوش، والشواهد الحجرية، وفي هذا المقال، أقدِّم إلماحة عن خمسة أعداد، بين (15 - 19) فقط، صدرت مترجمة إلى العربية.
من مقدمة العدد رقم 15 الصِّادر في عام 2008م، بتقديم جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حين كان وزيرًا للتراث والثقافة، كتب جلالته حفظه الله: (إن هذا العدد من المجلة المترجم إلى العربية، يأتي في سياق طموح وزارة التراث والثقافة، لترجمة أعداد المجلة، وكل ما كتب عن عُمان، باللغات الأجنبية إلى اللغة العربية)، وأنه (من العدد الخامس عشر وما بعده، ستكون المجلة محكَّمة علميًا، وستقبل نشر الدراسات المكتوبة باللغتين العربية والانجليزية، وتخصيص مساحة لنشر الترجمات، ومراجعة الكتب المتصلة بالمجلة).
هذه الكلمة المهمة، قدمت ملخَّصًا لتوجُّه الوزارة المشرفة على المجلة، نحو تطوير المجلة، بتغذية القارئ العربي، بأعداد مترجمة إلى العربية، ولذلك قامت الوزارة بترجمة العدد رقم 13 إلى العربية، وحملت النسخة العربية رقم 15، تلاها عدد صغير من المجلة يحمل رقم 16، وكلاهما برئاسة تحرير الدكتور محمد بن علي البلوشي، وهيئة تحرير كل من: د. هلال بن سعيد الحجري، وأدريان روسكو، ومنيرة حجيج، ود. عبدالله بن سيف الغافري، أما الهيئة الاستشارية للمجلة، فضمَّت قائمة من الأسماء الأكاديمية، ذات الخبرات في العمل الأكاديمي، والتخصصات المعنية بدراسات الجوانب التراثية، في التاريخ العماني القديم والحديث.
في العدد رقم 15: نقرأ أحد عشر دراسة وموضوعًا، مدعومة بالصور الضوئية والتعبيرية، يبدأ العدد بدراسة الكاتبين محمد رضا باقر وبيرناديت باقر، بعنوان: «قلهات في التاريخ العربي: المضمون والتسلسل الزمني للأحداث»، وفي الواقع فإن هذا البحث ينقل قارئه إلى العالم القديم السَّاحر لمدينة «قلهات»، فقد صيغت بأسلوب علمي دقيق، مدعومة بمعلومات بحثية وفيرة، مع صور ضوئية وتعبيرية، ويتأكد قارئه أنَّ «قلهات» مدينة مذهلة، مساحتها الجغرافية الصغيرة شهدت الكثير من الحوادث الخطيرة، كما شهدت تحولًا كبيرًا في التطور والنمو العمراني، وكانت واحدة من أهم المراسي التجارية، تنطلق منها المراكب باتجاه العالم الفسيح، عبر صفحة البحر.
ومن المواضيع الشيقة فنيًا، التي حفلت بها المجلة موضوع يتناول: «الشبَّابيَّة»، وهو ناي يعرف محليًا باسم «الزَّمُر»، قدم الكاتب ديفيد انسال دراسة عن انتشار هذا الناي الجغرافي والقبلي، مضمِّنًا صورًا ضوئية لبعض الموسيقيين الذين التقاهم أثناء جولته في قرية «الجيلة» القريبة من «طيوي»، وكان هذا المزمار متداوَلًا بين الرُّعاة خاصَّة، يعزفون عليه تحت ظلال الأشجار، فيما أغنامهم ترعى الكلأ، وهي تنتشر في ربوع عُمان، بين هواة العزف على هذا الآلة الموسيقية الهوائية.
كما نقرأ دراسة عن الواديين المتجاورين «طيوي» و«شاب»، للباحث بيرجيت ميرشن، ويتميزان بوفرة المياه والمساحات الزراعية فيهما، لتشكل النخيل حزامًا أخضر يحفُّ مجراهما، وتطرقت الدراسة إلى التاريخ الحضري للمكان، وأهم المعالم العمرانية فيهما، وتشكل المياه في «وادي طيوي» أكثر الموارد الطبيعية المنسابة في مجراه الطويل طوال العام، لتمتد النخيل إلى مسافة تبلغ تسعة كيلومترات، من عمق الداخل حتى ينتهي بالبحر، أما «وادي شاب» فهو أكثر ضِيقًا، ولا يزيد توغله في العمق بين الجبال أكثر من ثلاثة كيلومترات.
وتبعت الدراسة الخاصة بواحة «وادي طيوي» و«شاب»، دراسة أخرى حول حكاية شعبية من «طيوي»، تتناول الشاعر «ابن المقرَّب»، وقصة اتخاذه «وادي طيوي» مكانًا له، والبيت الشعري المشهور عنه: (طيوي يا نفسُ طِيبي – هذهِ دارُ الغَريبِ)، تدعم هذه القصة آثار مشهورة في «طيوي»، كالضَّريح الذي دُفِن فيه، في بقعة شاهقة الارتفاع يصعب الوصول إليها، وقصة ابن المقرب مثيرة جدا لشهية السَّرد الحكائي.
وفي العدد دراسات أخرى حول بعض الواحات، كواحة «الرَّوضة» في محافظة مسندم، ودراسة حول «قطعان الوعل العربي»، ودراسة حول البعد العالمي لمراكب «الدهو» أو «الداو» التقليدية، وعن «الحياة النباتية في جزر الحلانيات»، ودراسة عن «المحافظ التقليدية المصنوعة من الوبر في وادي السرِّين، ودراسة عن «مواقع من العصر الحجري القديم في منطقة الحقف في وسط عُمان»، واختتمت المجلة عددها العربي بدراسة حول «البحوث الأثرية في صحار، في الفترة ما بين 1980 – 1986م»، ولم تترجم المادة البحثية، التي كتبها الباحث البريطاني سومين بانديو بادياي، عن حارة مَنَح القديمة، بعنوان: «حارة البلاد منح: النمط القبلي وبنية الاستيطان والعمارة» نشرت في العدد الإنجليزي رقم 13، في 78 صفحة، وكانت ستكون إضافة رائعة للنسخة العربية.
ومن صفحة غلاف العدد رقم 16: نقرأ جملة: «مجلة علمية مُحكَّمة»، وهو عدد صغير الحجم قياسًا بسابقه، تبلغ عدد صفحاته 112 صفحة، يتضمن خمس دراسات، تتناول الاسهامات الثقافية والمهنية لرواد العهد الأول من تاريخ الصحافة العمانية، دراسة تاريخية تحليلية، كتبها الدكتور عبدالله بن خميس الكندي، صيغت بخبرة أكاديمية عالية.
ومن بين المواضيع المنشورة في العدد رقم 16، نقرأ دراسة حول «الرُّموز الثقافية في الرُّسوم الصَّخرية في عمان وافريقيا»، كتبها علي التيجاني الماحي، ودراسة أخرى حول «علاقة عُمان ببلوشستان في عهدي اليعاربة وال بوسعيد»، لخالد بن محمد البلوشي، وترجم الدكتور هلال الحجري نصًا أدبيًا في «سيرة المكان»، للباحث صمويل مايلز، بعنوان: «عَبْرَ الجَبَلِ الأخْضَر في عُمان».
ويختتم العدد بدراسة حول «القبور الرُّكامية الحجرية في شبه الجزيرة العربية، والحديث عن قبور فترة حفيت لناصر بن سعيد الجهوري، رافقت الدراسات المنشور صورًا ضوئية وتعبيرية، يمنحها قيمة معرفية ومصداقية في الاستدلال البحثي.
وفي العددين 17 و18 من المجلة، نقرأ دراسات معمَّقة تتناول نتائج المسح الأولي، لمواقع العصر الحجري في وسط عمان، ودراسة لمستوطنة «محلياء» التي تنتمي إلى العصر الحديدي المتأخر، ودراسة حول إدارة توزيع أسهم المياه في فلجي الحمراء والكسفة، ولفت انتباهي دراسة حول أبعاد الهوية في النص الشعري العماني المعاصر، للدكتور محمد بن سالم المعشني.
من المناسب أن أشير إلى أن العدد رقم 19 من الترجمة العربية، اختص بنشر سيرة لمؤلف مجهول، تناولت حياة الإمام محمد بن ناصر الغافري (ت: 1140هـ/ 1727م)، بتحقيق محمد بن عبدالله القدحات، ابتدأت بملخص يتناول الحرب الأهلية التي اشتعلت نارها أواخر دولة اليعاربة بين أعوام (1131- 1140هـ/ 1719- 1728م)، وسالت بسببها دماء كثيرة، وهو ما يُعرَف في التاريخ العماني بـ«الهناويَّة والغافريَّة»، دوَّنت السيرة أخبار محمد بن ناصر الغافري، وحروبه مع خصومه، خاصة مبارك بن خلف القصيُّر، الذي تزعَّم حلف الهناويَّة، وبحسب ما نشر في المجلة فإنَّ الحرب انتهت بمقتلهما.
إن مجلة الدراسات العمانية، من المجلات البحثية العمانية الرائدة، رافقت سنوات النهضة الأولى والنهضة المتجددة، وغَّطت مساحة زمنية بلغت نصف قرن، جديرة أن تترجم كل أعدادها، وتكون في مكتبة كل باحث متخصص، في التاريخ الآثاري والحضاري العُماني.
