اختبار القبول للوظيفة
بدايات صيف عام 1982م كنت قد أنهيت الأول الثانوي بالمعهد الإسلامي الثانوي بالوطية، بثت الإذاعة خبرا بتوفر وظائف شاغرة بوزارة الإعلام (الإذاعة والتلفزيون)، وأن الوظائف المطلوبة هي (مذيعون ومحررو أخبار وفنيون).. تلقفت الخبر وأسرعت إلى والدي لإقناعه بالتقدم للوظيفة. أذكر أن شرطه الوحيد كان (إذا ما تضيّع عليك دراستك أنا موافق) فأقنعته بعدما سألت وعرفت أن الدراسة في الصباح كالمعتاد والوظيفة ستكون في المساء، وطبيعي أن يوافق؛ لأنه يرى أن ذلك (أحسن عن الدوارة) خاصة أنني في سن المراهقة حوالي 18 سنة.. إجراءات التقدم بسيطة، ولكن إجراءات القبول تخضع لمقابلة واختبار.. إذا فأنا على أعتاب تحقيق حلم كبير، وكم بداخل هذا الحلم من تفاصيل: سأصبح موظفا إعلاميا، وستحوي محفظتي بالإضافة إلى رخصة القيادة بطاقة موظف ونقودا أكثر، وسأخفف عن والدي طلباتي التي أصبحت تكثر وتكبر، وسأشتري سيارة جديدة و(مكيفة).. كنت معجبا كثيرا بالمذيع النجم (أ.إبراهيم اليحمدي) الذي رأيته أول مرة في ملعب بيت الفلج كحارس مرمى لنادي بدية، وكنت سعيدا أنه بادلني التحية من بعيد، وهو الذي قرأ اسمي في نتائج الإعدادية العامة (هذه سأفرد لها مساحة خاصة). وبعد بضع سنوات تعرفت عليه وصرنا نلعب معا الكرة الطائرة عصرا في ساحة بين المعهد ومدرسة جابر بن زيد واستاد الشرطة، ومن حسن حظي أن الإعلان عن الوظائف كان في ذلك الوقت.. في الملعب قلت له مازحا في الظاهر وربما جادا في داخلي: سأتوظف معكم وسوف أنافسك، وضربت معه موعدا بأن أمر عليه في البيت في مدينة الإعلام لأستفيد منه قبل أن أتوجه للاختبار. كانت الجلسة معه مفيدة جدا جدا بالنسبة لي، كمن سُربت له أسئلة وإجابات الامتحان. قررت التقدم لوظيفة محرر أخبار رغم أن الأمنية الغالية هي أن أصبح مذيعا! والسبب أنني شعرت أنهم لن يقتنعوا بهذا الولد الصغير مذيعا، وقد أخسر من أول جولة، ولكن سأختار شيئا قريبا لعله يشكل لي جسرا إلى الميكروفون. ولم أختر وظيفة فني لجهلي بها وشعوري أنها ربما تكون أقرب إلى الميكانيكا والعمل داخل ورشة فنية، بينما أنا في هذه الفترة تتشكل في داخلي توجهات لا أعرف إن كنت أعتنقها حقا أم أتوهمها، فأقرأ كفاحي لهتلر وأرى فيه بطلا ووطنيا من حقه أن يقترف أي شيء في سبيل وطنه، وأقرأ فلسفة الثورة وأشعر أنني ناصري حتى النخاع، وأقرأ المجموعة الكاملة لجبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي فأعيش مثالية ورومانسية عالية وربما أقرع أجراسا وأحمل شموعا طويلة، وأقرأ البؤساء وأحدب نوتردام وقصة مدينتين لأعيش عالما لا يشبه ما يحيط بي أبدا ولكنني أعشقه. وأسمع غناء أصيلا فأنتشي طربا، ثم أسمع دان دان وأميل على إيقاعه، وتهزني الدبكة اللبنانية على صوت فيروز ونصري شمس الدين فأدبك معهم حتى أكاد أخرق الأرض، فيأتي الحصري ليهدأ من روعي فتزكو نفسي عن كل ملذات الدنيا حتى تخنقني العبرات. اكتشفت بعد عقود من العمر أنني ما زلت (مجموعة إنسان)..
وعودا لاختبار القبول، خرجت من بيت إبراهيم وتوجهت لدار الإذاعة.
هنا وجدت حوالي عشرين شابا ينتظرون الدور لتتم مقابلة واختبار كل شخص على حدة. المفاجأة أنني وجدت ضمن المجموعة اثنين من نفس فصلي في المعهد هما حمود الوهيبي (رحمه الله) وسلطان العيسري، حيث قبلنا نحن الثلاثة كمحررين، وتنوعت اختصاصاتنا لاحقا. ووجدت صديقا من طفولة مطيرح هو أحمد الأزكي الذي أصبح مخرجًا وكاتبًا برامجيًا ودراميًا بارزًا.. اللجنة مكونة من أربعة أو خمسة أشخاص، أتذكر منهم الأساتذة (عبد الرحيم عيسى مدير عام الإذاعة - محمد مرعي خبير مصري - علي أبو كويك مهندس أردني).
الدرس الذي أخذته عن اليحمدي قبل قليل حفظته جيدا. قال لي: سيقيّمون شخصيتك مثل الكاريزما والثقة بالنفس. لذلك دخلت عليهم مبتسما أتصنع الثقة والشجاعة. يجلسون على شكل حلقة دائرية تقريبا. كرسي واحد شاغر دعيت للجلوس فيه. تناوبوا بطرح الأسئلة علي:
- كيف حالك؟
- بخير، الحمد لله
- من اسمك؟
- محمد علي المرجبي (لم تفرض بعد صيغة فلان بن فلان الفلاني)
- في الطلب تريد تشتغل محرر أخبار؟
- إن شاء الله، إذا توفقت..
= تعرف إيش يعني محرر أخبار؟
- أعرف شوية والباقي بعرفه إذا اشتغلت.
= إيش يسوي محرر الأخبار؟
- (صوتي الداخلي يقول: قال إبراهيم): يأخذ الأخبار من مصادرها، ويعيد صياغتها بما يتلاءم مع السياسة الإعلامية للدولة.
= وإيش هي مصادر الأخبار؟
- (قال إبراهيم): هي وكالات الأنباء والمراسلون والإذاعات الأخرى.
- طيب يا محمد، إذا طائرة تابعة لطيران الخليج (لم يظهر بعد الطيران العماني) طارت من مطار السيب، وبعد إقلاعها بفترة سقطت في أي مكان، وين سياسة الدولة من هذا الحدث؟
- (هذه لم يقلها إبراهيم.. أحتاج إلى وحي): افترضوا أن ضمن الركاب وفد حكومي في مهمة رسمية، مؤكد أن هذه تثير تساؤلات وتضع احتمال التعمد، وليس خللا فنيا أو ما شابه.
بدا عليهم الاقتناع، وازددت ثقة في نفسي، ولكن تمنيت أن ينتهي الاختبار هنا.
- زين.. انت سمعت عن هذا الخبر وضروري تورده في النشرة، لكن كل مصادر الأخبار اللي ذكرتها ما أوردت الخبر، كيف تتصرف؟
- (ورطة أخرى! ولكن سرعان ما ارتسمت في ذهني لوحة طيران الخليج في سطح بناية شهيرة في روي بها مكاتب الشركة. ربما كانت أكبر لوحة في عمان): أتوجه إلى مكتب طيران الخليج وأحاول أقابل المسؤول، وأخرج بالمعلومة من مصدرها الحقيقي.
لاحظت شيئا من إعجابهم ورضاهم، وإشارة ضمنية بأنني مقبول للعمل في الإذاعة.. استبشرت خيرا.. وخلال شهر أصبحت موظفا رسميا بوظيفة محرر أخبار في دائرة الأخبار والشؤون السياسية، وحملت الرقم الوظيفي 2035، وتاريخ التعيين 1/ 6/ 1982/م.
وفي العام التالي تمت إجازة صوتي كمذيع، بعد اختبار آخر ودورة قصيرة مع الخبير الإذاعي أ.أحمد أبو السعود. نجحت الخطة، وعبرتُ الجسر، لأقضي بعد ذلك أربعة عقود من عمري، في موقع ما زلت أعشقه، وما زال يدهشني.
