ثقافة

أنساغ : لكلِّ هامشٍ هامشٌ

16 نوفمبر 2021
16 نوفمبر 2021

(1)

--أ--

«أكاد هنا أسمع صوت الصمت» (قاسم حدَّاد، من رسالة شخصية من قرية في شتاء الريف الألماني).

--ب--

يقول العلماء المتخصصون أن أول حاسة تَتَفَعَّلُ لدى الإنسان وهو لما يزال بَعْدُ في رحِم أمِّه هي حاسة السمع (ترى ماذا كنَّا نسمع ونحن أجِنَّة في أعماق أمهاتنا غير صوت الصمت)؟ ويقول أولئك العلماء المتخصصون أيضاً أن آخر حاسة يفقدها المرء وهو يضع أولى خطواته في العالم الآخر («الذي لن يعود منه أحد»، على حد تعبير شكسبير) هي حاسة السمع أيضاً لأنها الحاسة الوحيدة التي تكون عندئذ مفصولة -- يا للغرابة حقاً -- عن وظائف الدماغ وتفاعلاته النهائيَّة المباشرة، وذلك ضمن إرسالاته وذبذباته الكيميائية، والفيزيائية، والعصبية الوداعيَّة (ترى أية أطياف أخيرة ستحملها آذاننا ونحن نمضي إلى هناك)؟

أما في الطبيعة التي خرجنا منها، أو نعيش فيها، فليس هناك شيء اسمه صمتٌ تقنيٌّ ومُطْبِقٌ كالإعدام بالخنق.

في السينما، عموماً، كنت (وإلى حد كبير لا أزال) ممن يرجحون كفَّة الصورة على كفَّة الحوار؛ إذ أن الأخير من لغة المسرح، وثرثرات المقاهي، وهذر الحانات؛ إلا أن الحوار شيء، بينما الصوت شيء آخر («تأكد من أنك استعملت بالكامل كل ما يبوح به سكون الأشياء والصمت»، و»الصور والأصوات مثل أناس تعارفوا في رحلة لا يستطيعون الانفصال بعدها»، «صمتٌ مُطْلَقٌ وصمتٌ تأتَّيا عبر ناعمٍ جداً من الصُّور»، و»فيلمُ «س» صخبٌ وهدير كما في المسرح»، و»صوتُ باب ينفتح وينغلق، وقع أقدام، إلخ، إكراماً للإيقاع»، و»ما للعين يجب ألا يُناسِخ ما للأذن»، و»إذا ما العين استحوِذت بالكامل فلا تُعْطِ شيئاً أو تقريباً لا شيء للأُذن. ليس في وسع المرء أن يكون كلّه عيناً وكلّه أُذناً في آن واحد»، و»عندما يستطيع صوت أن يحلَّ محل صورة اقطع الصورة أو حَيِّدها. تتجه الأذن إلى الداخلي أكثر، وتتجه العين إلى الخارجي»، و»ينبغي ألا يهبَّ صوت لمساعدة صورة، ولا صورة لمساعدة صوت، أبداً»، و»إذا ما كان صوت هو المصاحبة الإلزاميَّة لصورة، فَرَجِّح إمَّا الصوت وإمَّا الصورة»، و»العين «عموماً» سطحية، والأذن عميقة وخلَّاقة. إن صفير قاطرة يطبع فينا صورة محطة قطارات كاملة»، و...، و...، و... « روبير بريسون» «ملاحظات في السينماتوغرافيا».

ومن هنا تأتي أهمية الدراسات المبكرة والهامة التي أجرتها «مدرسة الصوت» في التنظير السينمائي البريطاني خاصة، والتي صارت الدراسات النظريَّة والنقديَّة السينمائيَّة تَحْفَلُ لها اليوم بعد طول تجاهل مؤسف، وفي هذا هذي تحية كبيرة مني إلى أستاذي الجليل بيتر وولن (الذي غادرنا إلى السماء قبل مدة ليست طويلة).

وإلى هذا فقد لا ينتبه بعضنا إلى أن المشاهد الصامتة في السينما النَّاطقة ليست «صامتة تماماً» في الحقيقة؛ فهذا الصمت له صوت، لكنه صوت خافت، سِرِّي تقريباً، ويمكن أن تختلف درجته لا من فيلم إلى آخر فحسب، بل حتى من مشهد إلى آخر في ذات الفيلم («السينما الناطقة ابتكرت الصمت»، كما يقول بريسون في اقتباس آخر من مفارقاته البالغة البليغة).

في السينما يطلقون على «صوت الصمت» مصطلح «نغمة الغرفة» (room tone).

--ج--

«الأحد، 3 نوفمبر، 1991:

«البارحة

وأصابعك تبوح بروحي للحروف

أرخيتُ شفتك السُّفلى بسبَّابتي وهمستُ:

سسسسسسسسسسسسسسس!

لا رغبة لروحي في الحديث.

والليلة

وأنت غائبة

كيف أعثر على شفتيَّ

في كل هذا الكلام؟ («ليلميَّات»).

--د--

العالم غرفتي، وأنا أصغي إليكِ في الصمت.

(2)

--أ--

هذا «الهامش» مهدى إلى «الهامشي» مسعود أمر الله على «هامش» حديث تبادلناه حول هذه المسألة «الهامشية»:

لكل هامشٍ هامِشٌ لا يقصيه لأنه واثق من نفسه، بل واثق أنه الأهم، في الهامش الذي همشَّه الهامش: في العمل الثوري، في الأدب، في السينما. في الأخيرة، مثلاً، في سياق السينما الهنديَّة سيقولون لك: ساتجِت ري، ولن يكلِّمك النقاد السينمائيون الأوروبيون عن ميرنال سِن الذي يقول عن نفسه في جملة قصيرة فيها كل تناقضات وإشراقات العالم: “I am a private Marxist!”. وفي الحقيقة أنا أحب أفلام ساتجِت ري إلى أبعد الحدود، ولا ألوم النقاد السينمائيين الغربيين على الإطلاق، لكن هذا لا يعفيني من غرامي بأفلام ميرنال سن الذي أظن أنه «الأهم» -- هذا مع ضرورة الاحتراز دوماً من أفعل التفضيل -- في هامش الهامش (في البال ذلك التهكم الساخر الذي تبادله مع بِلي وايلدَر: تيار «السينما الموازية» في الهند في مقابل سينما هوليوود). وفي ما يخص الهامش الذي يصير متناً فيهمِّش الهامش في السينما السنغاليَّة البديلة ليس الأمر بعيداً جداً عن حالة عثمان صمبين وجبريل ديوب مامبيتي.

ليس من القمين بالمرء المراهنة أن تكون قائمة اليوم على الهامش، بل على اكتشاف هامش الهامش.

و»حَسُنَ أولئك رفيقا» («النساء»).

--ب--

ليس من الممكن أبداً الحديث عن هامشِ هامش الثَّقافة والإبداع في بلادنا؛ وذلك لأن «الهامش» السياسي والثقافي (في السِّتينيات، والسَّبعينيات والثمانينيَّات) لم ينضم إلى المؤسسة فقط؛ ولكنه أصبح أسوأ منها، وصار يحارِبُ هامش الهامش.