No Image
ترجمة

كيف جنّب رئيس كولومبيا بلاده مواجهة مع ترامب؟

22 يناير 2026
جون لي أندرسون - ترجمة: بدر بن خميس الظفري
22 يناير 2026

قبل أسابيع، وبعد أن أرسل دونالد ترامب القوات الأمريكية إلى فنزويلا لاختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، وصف الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو الخطوة بأنها «عدوان على سيادة فنزويلا وأمريكا اللاتينية». وجاء ذلك ضمن سلسلة متصاعدة من التلاسن بين بلدين كانا، تاريخيا، حليفين. وردّ ترامب بوصف بيترو بأنه «رجل مريض»، واتهمه بالتورط في تهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة، وقال إنه «عليه أن يحذر»، مضيفا أمام الصحفيين أن تنفيذ عملية عسكرية ضد بيترو «تبدو فكرة جيدة».

وبيترو، مثل ترامب، مدمن على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من محاولات مساعديه كبح اندفاعه، أصبح أبرز ناقد يساري لترامب في المنطقة. ففي سبتمبر الماضي، وبعد أن بدأت الولايات المتحدة استهداف قوارب يُشتبه في تهريبها المخدرات قبالة السواحل الفنزويلية، وصف بيترو ترامب بـ«الهمجي»، واعتبر الحملة «جريمة قتل». كما لمّح إلى أن الحملة تهدف إلى صرف الانتباه عن «ملفات إبستين»، محذرا من أن «عصابة تريد تدمير ديمقراطيتنا». وردّ ترامب بوصف بيترو بأنه «بلطجي»، واتهمه بقيادة «تجارة مخدرات غير مشروعة»، وفرض عليه وعلى أفراد من عائلته عقوبات.

بدت العملية الأمريكية في فنزويلا وكأنها دفعت العلاقة مع كولومبيا إلى منعطف بالغ الخطورة. فدعا بيترو إلى تنظيم تظاهرات في أنحاء كولومبيا يوم السابع من يناير «دفاعا عن السيادة الوطنية». وفي مقطع مصوّر نشره عبر وسائل التواصل، استعاد الرئيس الكولومبي مثلا قديما يتنبأ بأن النسر (الولايات المتحدة) سيهاجم يوما ما اليغور (شعب كولومبيا). وقال: «احذر يا ترامب ويا روبيو. إذا تجرأ النسر الذهبي على الهجوم، فسيجد اليغور وقد استيقظت قوته، وسيتغير التاريخ إلى الأبد».

في تلك الليلة، احتشدت جماهير تهتف في ساحة بوليفار في بوغوتا، رافعة الأعلام الكولومبية ولافتات كُتب عليها: «أيها الأمريكيون القذرون، احترموا كولومبيا»، و«بيترو ليس تاجر مخدرات». وصل بيترو، المعروف بعدم التزامه بالمواعيد، متأخرا ساعة ونصف. رجل متوسط القامة، بنظارات أكاديمية وشعر طويل نسبيا، وقف على منصة محاطة بأضواء عيد الميلاد المتبقية من الاحتفالات الأخيرة، تحيط به مجموعة من المساعدين والحراس. تعالت الهتافات حين أمسك بالميكروفون. أعلن أنه كان قد أعد خطابا جديدا، لكن حدثا طارئا في اللحظة الأخيرة جعله يغيّر رأيه.

كانت هواتف الناس قد بدأت بالفعل تتلقى خبرا عاجلا يفيد بأن بيترو وترامب تحدثا هاتفيا. وبعد نصف ساعة من حديث مطوّل بأسلوب شعبي، تطرق بيترو أخيرا إلى فحوى المكالمة. قال للحشد إنهما أدركا أن «عدم الحديث يعني أننا سنهلك، وسنقتل بعضنا بعضا». وأوضح أن خطر الهجوم تراجع، لكن النتيجة النهائية ستتوقف على لقاء مباشر بين الزعيمين.

وبعد سنوات من انتقاد ترامب بشدة، فاجأ بيترو الحاضرين بقوله إنه والرئيس الأمريكي اتفقا على بعض الأمور، منها اعتبار الاتجار بالمخدرات شرا مشتركا. واستعرض بيترو أرقاما عن جهود كولومبيا في مكافحة تهريب المخدرات. وتفاوتت ردود فعل الجمهور بين الاستهجان والتصفيق، في حيرة من أمرهم إزاء هذا التقارب. وانتشرت لاحقا صور ساخرة توحي بأن بيترو خضع لترامب، أو بأن الاثنين أصبحا صديقين فجأة. وزاد المشهد غرابة عندما نشر مكتب بيترو صورة مركبة تُظهر نسرًا أصلعًا يحتضن يغورًا.

بعد يومين، وافق بيترو على لقائي في مكتبه. وصلتُ في الموعد المحدد، ثم انتظرت ساعات عدة بينما كان يعقد اجتماعا طارئا مع قائد قواته الأمنية. وأوضح أحد مساعديه لاحقا أن سبب التأخير رسالة تلقاها بيترو من ترامب يدعوه فيها إلى زيارة واشنطن في الثالث من فبراير، ما دفعه إلى استدعاء حكومته للتشاور. ومع ذلك، قرر أن يلتقي بي أولا. تحدث معي لمدة تسعين دقيقة، بينما كان وزراؤه ينتظرون في الممر.

جلس بيترو في مقعد جلدي مفضل لديه، مرتديا حذاء رياضيا وسروالا عاديا وسترة بيضاء، بينما كانت مساعدة له تمشط شعره. بدا المكتب كأنه شقة طالب دراسات عليا مأهولة تحوي بطانية مطوية على الأريكة، وأوراقا وكتبا مكدسة بشكل فوضوي على الطاولة والمكتب، وخريطة ورقية مهترئة لكولومبيا معلقة على حامل. ومن بين الأغراض المتناثرة مجموعة كبيرة من القبعات: قبعات بيسبول، وقبعات قش واسعة الحواف، وغطاء رأس تقليدي للسكان الأصليين مزين بريش ببغاء أخضر وأحمر.

كان بيترو، على عادته، غير متعجل. آخر مرة قابلته فيها كانت عام 2023، قرب نهاية عامه الأول في الرئاسة. آنذاك، كما هو الحال دائما، بدا غارقا في أفكاره، متحدثا لأكثر من ساعتين في موضوعات شتى. تحدث مطولا عن كتابٍ كان يكتبه عن الرأسمالية وتغير المناخ بين التزاماته الرئاسية، واشتكى من أن القصر بارد وغير مريح. وعندما عزفت الفرقة العسكرية الرئاسية مقطوعتها اليومية في الساحة المجاورة، أغلق النوافذ بتأفف قائلا: إن الموسيقى «تجننه».

اليوم، وقد بلغ الخامسة والستين، يُعد بيترو ناجيا من حقبة دموية اغتالت فيها الدولة الكولومبية قادة يساريين وذبحت أنصارهم في محاولة لسحق حركات التمرد الماركسية. ويُقدَّر عدد القتلى خلال خمسة وثلاثين عاما بأكثر من أربعمائة ألف. في ثمانينيات القرن الماضي، كان بيترو عضوا في حركة «إم-19»، وهي جماعة تمرد حضرية لفتت أنظار العالم عندما احتجزت السفير الأمريكي وأكثر من اثني عشر دبلوماسيا أجنبيا رهائن لمدة شهرين، كما استولت على قصر العدل في مواجهة دموية.

دخل غوستافو بيترو المعترك السياسي في تسعينيات القرن الماضي، بعد أن وافقت الحكومة الكولومبية على عفو عام، وتولى لاحقا عضوية الكونغرس، ثم منصب عمدة بوغوتا. وفي عام 2022، أصبح أول رئيس يساري في تاريخ البلاد. استهل ولايته بخطاب لافت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، دعا فيه إلى وقف الاستخدام العالمي للوقود الهيدروكربوني، وإلى تبنّي سياسة جديدة لإلغاء تجريم المخدرات، بهدف إنهاء الحرب الدموية العبثية عليها. كما أعلن إطلاق مبادرة «السلام الشامل» لمعالجة التمردات المسلحة المتعددة في بلاده عبر التفاوض مع جميع الفصائل المقاتلة.

غير أن القليل من هذه الأهداف تحقق. فقد بقيت مبادرات بيترو الرئاسية في معظمها ذات طابع رمزي. ومع ازدياد أعداد المقاتلين المسلحين في الأرياف، أنهى المفاوضات واتجه إلى المواجهة العسكرية، واصفا المتمردين بأنهم مجرد تجار مخدرات متنكرين. كما لم يحرز تقدما يُذكر في ملف إلغاء تجريم المخدرات. فبعد أن كان قد قال يوما إن «الكوكايين لا يضر أكثر من الويسكي»، بات حديثه اليوم يتركز على محاصيل الكوكا التي دمرتها حكومته. أما في ملف التغير المناخي، فقد أوقف منح تراخيص جديدة للتنقيب عن النفط، إلا أن كولومبيا ما زالت تصدّر النفط والفحم، واضطرت، بسبب الانتقال المفاجئ، إلى استيراد الغاز الطبيعي لتلبية احتياجاتها.

كسب عناد بيترو الواثق بنفسه خصوما كثر، غير أن أنصاره في ساحة بوليفار كانوا ينادونه بحماسة تكاد تكون دينية. وبوصوله إلى الحكم واستمراره فيه، قلب معادلة القمع التي مارستها الدولة طويلا ضد التيارات اليسارية. وفي بادرة موجهة إلى الطبقة العاملة، وسّع نظام المعاشات ليشمل كبار السن، ورفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 24 في المائة. ويقول متشككون في أوساط رجال الأعمال إن هذه الزيادات ستؤدي ببساطة إلى تضخم الأسعار. ومع ذلك، فإن مثل هذه السياسات تلقى صدى واسعا في بلد يعاني من فقر منتشر. وتشير استطلاعات حديثة إلى أن نحو ربع الكولومبيين باتوا يعرّفون أنفسهم على أنهم يساريون، وهو ما يصفه بيترو بأنه «تعبير عن رغبة في التغيير داخل بلد غير عادل».

بعد الهجوم الأمريكي على كاراكاس، كتب بيترو على منصة «إكس» أن العالم شهد لحظة فاصلة لا تشبه ما سبقها: «أول عاصمة في أمريكا الجنوبية تُقصف، كما حدث في قصف غيرنيكا على يد هتلر، لا يمكن نسيانها. الأصدقاء لا يقصفون». في إشارة إلى قصف غيرنيكا، الهجوم الجوي الذي استهدف مدينة إسبانية عام 1937 وأصبح رمزا عالميا لاستباحة المدن. وعندما سألتُه عن اضطرابات المنطقة، بدأ بالقول إنه كان معجبا بهوغو تشافيز، الذي أطلق «الثورة البوليفارية» في فنزويلا قبل ربع قرن، لكنه لم يكن يشعر بالشيء نفسه تجاه خليفته نيكولاس مادورو. وعلى الرغم من رفضه اتهامات ترامب لمادورو بالاتجار بالمخدرات -«أولا، لا توجد حقول كوكا هناك. هذه في كولومبيا»- فإنه لم يبدِ إعجابا يذكر به. وقال: «انتهت حركة تشافيز إلى أيدي مادورو، وتحولت إلى مجموعة فصائل، من بينها الجيش، تسعى للسيطرة على النفط. نموذج مادورو في مرحلته الأخيرة أطلق مسار تدهور لم يصل بعد إلى القاع».

وكان ترامب قد أوضح أنه سيُبقي نائبة مادورو، ديلسي رودريغيز، في موقعها. ووصفها بيترو بأنها صديقة له، وقال إنه سيساعدها قدر استطاعته. وأقرّ بأن مهمتها لن تكون سهلة، في ظل ضرورة موازنة مطالب الأجنحة الأكثر تشددا في الأجهزة الأمنية مع السعي لإرضاء الولايات المتحدة. لكنه عبّر عن أمله في أن تجد حكومتها مخرجا: «طالما وُجدت ثقة وأُعلنت انتخابات، سيدرك ترامب أنه إما أن يمضي نحو مزيد من العنف، بما يحمله من مشكلات متفاقمة في فنزويلا والعالم وداخل بلاده، أو أن ينخرط في قواعد اللعبة القائمة».

قبل الاتصال الأخير، اقتصر تواصل بيترو مع ترامب في الغالب على التلاسن عبر الإنترنت. قال لي: «منذ اليوم الأول لإدارة ترامب، لم يكن هناك أي تواصل معنا. وعندما لا يتواصل رئيسان، تملأ الحكومات هذا الفراغ بقوة أخرى». وفي بداية ولاية ترامب الثانية، رحّلت الولايات المتحدة مواطنين كولومبيين مكبلين على متن طائرات عسكرية، فحظر بيترو هبوط تلك الطائرات في كولومبيا. وفي سجال طويل على «تويتر» استمر معظم يوم كامل، شنّ ترامب هجوما لفظيا على بيترو وهدد بفرض رسوم جمركية قاسية على الصادرات الكولومبية، فيما شبّه بيترو نفسه ببطل متمرد محكوم عليه بالفناء من رواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

وفي نهاية المطاف، وبعد تدخل عدد من الرؤساء الكولومبيين السابقين لتهدئة الأجواء، وافق بيترو، وهدأت العلاقة. غير أن هذه الواقعة بدت نذيرا بأسلوب ترامب في التعامل مع قادة دول أخرى، من كندا إلى بنما. قال بيترو: «ظننت أن جميع الرؤساء سيتصرفون بالطريقة نفسها». لكنهم، في الغالب، اختاروا استرضاء الولايات المتحدة.

جاء الاتصال الأخير بناءً على نصيحة من السيناتور راند بول، عن ولاية كنتاكي. ولم يكن التوقيت مواتيا؛ ففي الليلة السابقة، كان بيترو قد كتب على «إكس» نافيا اتهامات تورطه في تجارة المخدرات، قائلا: «اللقب الذي يمنحني إياه ترامب كتاجر مخدرات يعكس شيخوخة عقله». ومع ذلك، قال لي إن ترامب كان ودودا أثناء المكالمة. «لم يكن يريد الخوض في نقاشات جوهرية»، قال بيترو. «كان يريد فقط فتح قناة تواصل». وعندما شدد بيترو على أن الاتهامات بحقه كاذبة، أبدى ترامب تعاطفا قائلا: «أنت محاط بالأكاذيب، تماما مثلي».

غير أن التقارب له حدود. ففي اللقاء المرتقب في واشنطن، من المرجح أن يصر ترامب على تعاون كولومبي في ملفي الهجرة والموارد الطبيعية، وهما مجالان تختلف فيهما رؤى الرجلين جذريا. ويرى بيترو أن السياسيين اليمينيين حول العالم يستخدمون الهجرة ببراغماتية مفرطة كسلاح سياسي. وقال: «الخوف من الأجانب يشبه ما كان سائدا في ألمانيا تجاه اليهود. ما ينتجه هو مشاريع سياسية يمينية متطرفة، تنشأ من الخوف والأكاذيب».

ومن المرجح أيضا أن يطالب ترامب بيترو وديلسي رودريغيز بمواجهة «جيش التحرير الوطني»، أكبر جماعة مسلحة في كولومبيا، والتي تسيطر على أجزاء واسعة من الحدود بين البلدين، إضافة إلى مناطق كبيرة داخل فنزويلا، بما فيها المناطق الغنية بالمعادن. ويُعتقد أن الجماعة تعمل بموافقة مادورو، ولها حلفاء داخل الأجهزة الأمنية الفنزويلية. ويرى بيترو أن تدخل ترامب لن ينجح ما لم تُوضع هذه الجماعة تحت السيطرة.

وقال لي بيترو إنه يريد أن يعرض على ترامب صفقة: «سأقترح التحالف الذي يريده، لكن على أساس الطاقة النظيفة». واستعاد رسالة كان قد بعث بها إلى ترامب في وقت سابق، اقترح فيها «ميثاق الأمريكتين» لمعالجة الأزمات البيئية. ولم يكن متأكدا من أن ترامب قرأ الرسالة، لكنه لا يزال يأمل في إقناعه. وقال: «سندفع أزمة المناخ إلى الوراء. سيكون ذلك خدمة للإنسانية». وإذا فشل ذلك، أضاف، فسيشدد على تقاطعهما في محاربة عصابات المخدرات: «لا يوجد محاربٌ أفضل مني في كولومبيا ضد الاتجار بالمخدرات. 35 في المائة من أعضاء مجلس الشيوخ دخلوا السجن بسببي. أنا من فضحت المافيات التي حكمت كولومبيا».

لم يغب عن بيترو أن ترامب انسحب من كل المبادرات الدولية المتعلقة بالمناخ وحماية البيئة. وقال: «رؤية ترامب تقوم على الاستيلاء على النفط والفحم». ورأى أن ذلك نتيجة حتمية لمنطق الاستهلاك الرأسمالي. وأضاف: «فكرة الملكية الخاصة جعلتهم يعتقدون أن النفط وكل ما تحت الأرض ملك لصاحب الأرض. هذا غير موجود في أمريكا اللاتينية. وعندما يقول ترامب: «أخذنا النفط» أو «سرقوا نفطنا»، فهذه عبارات مشبعة بتلك الثقافة».

ورأى أن تفكيك الولايات المتحدة للنظام الدولي ينبع من خوف متزايد من تراجع نفوذها العالمي. وقال لي: «عندما تبدأ الولايات المتحدة في الخوف من فقدان السيطرة العالمية لصالح الصين، تتضاعف رغبتها في السيطرة على الفحم والنفط بشكل هائل». وفي فنزويلا، حيث تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط، بات التنافس بين القوتين العظميين مباشرا بشكل لافت. وحذّر بيترو من أن سوء إدارة هذا الصراع قد يؤدي إلى «اندلاع حرب عالمية».

كان بيترو يرى أن المخاطر وجودية. قال: «أزمة المناخ تفضي إلى الهمجية، لأنها تفضي إلى الهجرة. هناك ثلاثة مليارات إنسان سيتجهون شمالا إذا لم يحدث شيء بين الآن وعام 2070. نحن نتجه نحو حرب عالمية ثالثة مقترنة بانهيار مناخي. وهذا ما يُسمّى انهيار الإنسانية». وأضاف أن «الولايات المتحدة اليوم مجتمع يقف على حافة الانقسام. السياسيون الأذكياء يوحّدون الناس. أما الذين يقودون مجتمعاتهم إلى الانهيار فسيُطويهم النسيان. على ترامب أن يفهم ذلك».

ومع ذلك، قد لا يملك بيترو هامش مناورة واسعا، لا في الولايات المتحدة ولا داخل بلاده. فمع تبقّي ثمانية أشهر فقط من ولايته، تبدو كولومبيا منجذبة إلى اليمين بقدر انجذابها إلى اليسار. كما أن جيشها، وهو من أكبر الجيوش في نصف الكرة الغربي، يرتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة. وعندما سألته عمّا ينوي فعله بعد مغادرته منصبه، قال إن الأمر يتوقف على ما إذا كانت العقوبات المفروضة عليه ستستمر، إذ تمنعه من السفر إلى الولايات المتحدة. وأوضح، بنبرة يغلب عليها الأسى، أنه كان يزورها كثيرا في السابق، لحضور الندوات وإلقاء المحاضرات.

في أيام شبابه حين كان بيترو منخرطا في العمل المسلح، نفّذت حركة «إم-19» عملية رمزية تمثلت في سرقة سيف كان يعود إلى محرر أمريكا الجنوبية في القرن التاسع عشر، سيمون بوليفار. وفي مكتبه، عاد شيء من تلك الجرأة القديمة إلى ملامحه حين تحدثنا عن ظهوره الأخير في ساحة بوليفار. فقد قال تلك الليلة، بنبرة مريرة، إنه كان قد أعدّ خطابا أكثر حدّة، فسألته عمّا كان ينوي قوله. هل كان سيخرج ملوّحا بساطور ويدعو إلى الكفاح المسلح؟ «إلى حدّ ما، نعم»، قال ضاحكا. وماذا لو ألقى ذلك الخطاب؟ هل كان ترامب سيتحرك ضده؟ ابتسم بيترو وأشار إلى أنه كان مستعدا. وقال: «لقد بقينا على قيد الحياة طوال حياتنا بالتنقّل والعيش في الخفاء. شخص مثلي يجب أن يعرف كيف يغيّر ملامحه ويتخفّى».