ترجمة

الغرض من التعاون الإنمائي هو أن يكون غير ضروري

16 يوليو 2026
فيتاليس ميجا
16 يوليو 2026

في ظل بيئة جيوسياسية غير مستقرة على نحو متزايد، تعيد مختلف حكومات الاقتصادات المتقدمة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) النظر في أولويات الإنفاق. فبينما توجه مزيدا من الأموال نحو الدفاع، والقدرة التنافسية الصناعية، وأمن الطاقة، تسعى هذه الحكومات إلى خفض الإنفاق على سبيل التعويض ــ وفي كثير من الحالات، تقع فأس الخفض على تمويل التنمية. في الواقع، يجري أعضاء لجنة المساعدة الإنمائية (DAC) التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حاليا مراجعات لاستراتيجيات التعاون الإنمائي وأولويات التمويل الخارجي. 

هذه ليست أخبارا سيئة تماما: فقد كان التعاون الإنمائي بحاجة منذ فترة طويلة إلى إعادة تقييم. لكن المراجعات حتى الآن تركز على الجانب الخطأ. فهي تسعى إلى تكييف التعاون الإنمائي مع احتياجات وأهداف المانحين الجيوسياسية، والأمنية، والتجارية المتغيرة. ما نحتاج إليه حقا هو دراسة قدرة النظام على دعم التحول البنيوي اللازم لتقليل اعتماد البلدان النامية على المساعدات الخارجية. بعبارة أخرى، بدلا من الاكتفاء بالسؤال عن كيفية تمويل التعاون الإنمائي، ينبغي لحكومات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تتساءل حول ما ينبغي لهذا التعاون أن يحقق من إنجاز. 

حقق التعاون الإنمائي تقدما ملموسا، لا سيما في مجالات الصحة، والتعليم، والاستجابة الإنسانية وقدرات القطاع العام. لكن وعده الأصلي لم يكن دعم المشاريع الفردية أو تحقيق مكاسب اجتماعية تدريجية؛ بل كان مساعدة البلدان على التغلب على الفقر، وبناء اقتصادات منتجة، والحد تدريجيا من اعتمادها على الموارد الخارجية. ولكن بعد عشرات السنين من الجهد، لا تزال بلدان نامية عديدة تتصارع مع الفقر المستمر، والقدرات الصناعية المحدودة، وأعباء الديون المتزايدة، والاعتماد على الصادرات من السلع الأساسية والتمويل الخارجي. 

منذ مطلع هذا القرن، تمحورت الجهود الرامية إلى تحسين فعالية المساعدات ــ التي تجسدت في إجماع مونتيري بشأن تمويل التنمية عام 2002، وإعلان باريس بشأن فعالية المساعدات عام 2005، وخطة عمل أكرا لعام 2008، وشراكة بوسانا من أجل التعاون الإنمائي الفَعّال عام 2011 ــ حول الكيفية التي ينبغي للبلدان النامية أن تتغير بها. وهكذا شدد شركاء التنمية على مبادئ مثل الملكية الوطنية، والشفافية، والمساءلة المتبادلة. وفي حين كان المتوقع من البلدان النامية أن تعمل على تعزيز النظم الوطنية، وتحسين المؤسسات، وإظهار نتائج ملموسة، فلم يوجه القدر الكافي من الاهتمام للحوافز التي تشكل سلوك المانحين. 

من الواضح أن هذا النهج فشل في ترجمة التقدم في مجال التنمية الاجتماعية إلى تحول اقتصادي. لكن تكييف التعاون الإنمائي ليتناسب مع واقع المانحين الجيوسياسي الجديد ــ وهو النهج الذي تتبعه مراجعات أعضاء لجنة المساعدة الإنمائية ــ لن يحقق نتائج أفضل. فهو يفشل أيضا في معالجة الحوافز التي تشكل سلوك المانحين، ناهيك عن السؤال الجوهري حول ما إذا كان التعاون يساعد في التغلب على التبعية. 

تُعد الهجرة مثالا توضيحيا على إعادة الصياغة المطلوبة. في السنوات الأخيرة، أصبحت الهجرة عنصرا محوريا في التعاون بين كثير من الحكومات الأوروبية والدول الإفريقية، مع ربط تمويل التنمية، والمشاركة الدبلوماسية، وأطر الشراكة بإدارة الحدود، واتفاقيات العودة وإعادة القبول، ومبادرات مكافحة التهريب، واحتواء الهجرة. 

تعمل مثل هذه الترتيبات لصالح الحكومات المانحة، التي أصبحت الهجرة من منظورها قضية سياسية داخلية كبرى. الواقع أن الحكومات المانحة تقيس نجاح مثل هذه الترتيبات بشكل شبه كامل من خلال انخفاض ضغوط الهجرة التي تواجهها، مع إيلاء قليل من الاهتمام، إن وجد، للتأثير على الاقتصادات النامية. يجب أن يُـعتَرَف بهذا التوجه على حقيقته: استخدام سياسة التنمية كأداة أمنية. 

من الممكن أن تعمل القدرة على التنقل كمحرك قوي للتنمية. فالعمال الذين يغادرون يرسلون عادة تحويلات مالية إلى أوطانهم ــ أكبر مصدر للتمويل الخارجي للبلدان النامية ــ ويعودون مزودين بخبرات، أو علاقات، أو موارد اكتسبوها حديثا. في عموم الأمر، تشكل التدفقات عبر الحدود من السلع، والأموال، والتكنولوجيا، والبشر، فضلا عن المشاركة في الشبكات الدولية، أهمية بالغة لتعزيز الإنتاجية، وتنمية رأس المال البشري، وريادة الأعمال. 

يجب أن يكون تسخير هذه الإمكانات هدفا مركزيا لترتيبات الهجرة والتعاون الإنمائي في عموم الأمر. وبدلا من الاكتفاء بتمويل احتواء الهجرة، يتعين على المانحين الأوروبيين وغيرهم العمل مع شركائهم من البلدان النامية على وضع أطر تشمل مسارات الهجرة القانونية، وشراكات المهارات، والاستثمار الإنتاجي عبر الحدود، ودعم التحول البنيوي. 

لا أحد يستطيع أن ينكر أن احتياجات المانحين الجيوسياسية، ومخاوفهم المتعلقة بالأمن الاقتصادي، ومصالحهم التجارية يجب أن تكون عاملا في التعاون الإنمائي. كانت هذه هي الحال دائما، وسوف تظل كذلك دوما، ولسبب وجيه: فتلبية أولويات البلدان المانحة تجعل النظام أكثر استدامة من الناحية السياسية. لكن السماح باستمرار التبعية إلى أجل غير مسمى ليس هدفا نهائيا. بل تتمثل الغاية النهائية في تهيئة الظروف الملائمة للتحول في الاقتصادات النامية. 

تتيح مراجعات لجنة المساعدة الإنمائية الفرصة لمواجهة هذا التحدي، والأمر متروك للاقتصادات النامية في إفريقيا وأماكن أخرى لتوضيح ذلك. بدلا من السماح بمعاملتها كمجرد كيانات خاضعة للتكييف من جانب المانحين، يتعين على هذه البلدان أن تُـذَكِّر شركاءها في التنمية بأن فعالية الدعم لا يمكن تقييمها وفقا لأولويات المانحين وحدها. بل ينبغي قياسها بمدى مساهمتها في مساعدة البلدان على بناء قدراتها الإنتاجية، وتنويع اقتصاداتها، وتحسين قدراتها التكنولوجية، وخلق فرص عمل جيدة، وتشكيل مسارات تنميتها الخاصة. 

يجب على الاقتصادات النامية أن تحدد بوضوح الشروط التي يتسنى لهذا الدعم في ظلها دفع عجلة التحول البنيوي. ما لم تفعل ــ وما لم يستجب المانحون ــ فإن نظام التعاون الإنمائي الذي سينبثق عن المراجعات الجارية للجنة المساعدة الإنمائية سيكون أكثر ملاءمة لاحتياجات الاقتصادات المتقدمة في القرن الحادي والعشرين، لكنه لن يكون أفضل تجهيزا للوفاء بوعده الأصلي: تمكين الاقتصادات النامية من تحقيق الاكتفاء الذاتي. 

 فيتاليس ميجا المدير التنفيذي لمنظمة «رياليتي أوف إيد أفريكا». 

 خدمة بروجيكت سنديكيت