No Image
بريد القراء

رمضان يا نور الهلال

27 فبراير 2026
27 فبراير 2026

في عالمنا العربي والإسلامي حب لا حدود له لشهر رمضان الفضيل، فلهذا الشهر طابع خاص ومنزلة متفردة في قلوب الجميع، ولهذا تتفرق العادات الرمضانية لكنها تلتقي في الغايات حتى وإن اختلفت الأوطان وتباعدت، فلرمضان سحر أخّاذ لا ينتهي.

وعلى امتداد المسافات بين أقطار العالم، إلا أن لرمضان مذاقًا مختلفًا، ففي أيامه ولياليه الإيمانية طقوس وطرق معينة دأب الناس على التمسك بها سواء عند استقبال شهر رمضان أو عندما يودعونه على أمل لقياه. ومع أن التطور التكنولوجي والفضائي زحف على أنماط الحياة اليومية لدى شعوب الأرض، فإننا لا زلنا نرى بأن لرمضان بصمات واضحة في حياة الناس.

ومع كل التطور الذي حدث في العالم، نعود لنؤكد بأن المجتمعات المسلمة لا تزال صامدة أمام وجه التغير، فهناك عادات رمضانية وتقاليد قديمة لا تزال يمارسها الناس بشوق أكبر من الماضي؛ لأن جذورها التاريخية ممتدة عبر الزمن وإطفاء أنوارها ليس واردًا أبدًا.

هناك أيضًا عشرات، إن لم تكن المئات، من الكلمات الخالدة والتفاصيل الدقيقة التي تثري قلوب المؤمنين بحبهم لله تعالى ورغبتهم في نيل رضاه والتقرب إليه في هذا الشهر المبارك. ففرحة الناس بقدوم رمضان تسبقها أيام، فهناك استعداد نفسي ومظاهر احتفائية يُعد لها الناس العدة مثل الزينة الرمضانية وغيرها.

إن في ذاكرة الشعوب المسلمة الكثير من الموروثات القديمة والعادات الأصيلة التي تتوارثها الأجيال "جيل بعد آخر"، ولقيمتها التاريخية يحرص المسلمون في كل مكان على بقائها حاضرة خلال الشهر الفضيل. ومن هذه المظاهر الجميلة هناك "أناشيد دينية يختص بها رمضان"، إضافة إلى أن العائلات تتمسك بعاداتها الرمضانية سواء من الزيارات أو بمساعدة المحتاجين، كلها علامات فارقة يختص بها رمضان دون غيره، فهي تحاكي القلوب وتنير العقول وتبث البسمة والسرور إلى قلوب الصائمين.

من مصر إلى لبنان إلى أقطار أخرى وصولًا إلى ضفاف خليجنا العربي الكبير، وامتدادًا إلى كل أرجاء عالمنا الإسلامي، وحتى الذين يعيشون في المهجر، هناك ارتباط عقائدي وروحي يقربنا من بعضنا البعض، خاصة في شهر التوبة والرحمة والغفران. وكثيرًا ما تنظم الموائد الرمضانية التي تجمع أطياف الناس باختلاف جنسياتهم واتجاهاتهم، يجمعهم رمضان تحت مظلة المحبة والأخوة والصداقة.

كما أن هناك الكثير من العادات والتقاليد السنوية التي يحييها المسلمون في كل مكان خلال شهر رمضان المبارك ويحرصون على بقائها. فالإسلام دين السماحة والود والتآخي والترابط بين شعوب الأرض، فلا يفرق ما بين أبيض وأسود وعربي وأعجمي إلا بالتقوى، لذا كان رمضان واحدًا من الشهور الأكثر ظهورًا وحضورًا بين شعوب العالم.

في رمضان، يعم الخير، وتمتد موائد الرحمن إلى كل مكان، فيجلس الجميع على مائدة واحدة يجمعهم دين واحد، ودعاء متصل إلى الله تعالى بأن يتقبل منهم صالحات الأعمال، وأن يعينهم على صيام ما تبقى من أيام الشهر الفضيل وقيام لياليه، ويثبهم عن كل عمل صالح يقدمونه مرضاة له سبحانه، كما يرفع الصائمون أكف الضراعة إلى السماء سائلين المولى أن يكفر عنهم السيئات ويمحو من صحائفهم الذنوب والخطايا ويعينهم على فعل الخيرات.

ولكم تعجبني كلمات أنشودة ماهر الزين، عندما أسمعها، فكل كلمة فيها قاموس متفرد من الحروف، تجرها الكلمات كماء رقراق يسقي جميع القلوب، نحس بشوق دائم إلى رمضان وحزن عميق لأنه مفارقنا بعد أيام: «يا نور الهلال، أقبل تعال، فالشوق طال والقلب سما، نحو السما، مترنمًا لا لا تنقضي، أنت للروح دواء.. رمضان رمضان، رمضان يا حبيب، ليتك دومًا قريب.. فيك الحب زاد، عم العباد، يا خير زاد.. رمضان يا شهر القرآن، فيك أذوق حلاوة الإيمان، لا لا تنقضي أنت للروح دواء».

في شهر التوبة يعتق الله تعالى الكثير من رقاب العباد، فقد ذكر السلف الصالح وصف رمضان بـ"شهر العتق"؛ لأن الله تعالى يعتق فيه رقاب عباده من النار في كل ليلة من لياليه المضيئة، كما ورد في الحديث الشريف: "لله عُتقاء من النار وذلك كل ليلة". هذا العتق يمثل أعلى درجات المغفرة والنجاة من عذاب النار، حيث يصطفى الله عباده الصائمين والقائمين المغفور لهم، ويكافئهم بهذا العطاء العظيم.

ولفت علماء الدين إلى نقطة مهمة للغاية، وهي أن الحكمة الإلهية والسنة الربانية قضت بأن الجزاء من جنس العمل، فمن أراد أن يُعتق غدًا من النار فليقدم قرابينه من الأعمال الصالحة، فبوابات الخير كثيرة، والله مطلع على عباده في كل وقت وحين.