No Image
بريد القراء

العمر مجرد رقم

23 يوليو 2026
23 يوليو 2026

كثيراً ما نرى أنفسنا نسرحُ بمخيلتنا بصمت،نتساءل بغموض، وفضول لماذا تم وضع عمر معين للإنجاز؟ ومن الذي وضع هذه القوانين الصارمة لأعمارنا متخلين عن أحلامنا؟ وكم مرةً نكون على مشارف إنجاز شيء ما، ولكننا نتراجع بحجة أن قطار العمر قد فات، وكيف نتعامل مع الأشخاص الذين ينظرون إلينا وكأنه لا مجال للإنجاز إلا عند عمر محدد؟

هذه معركة خفية نخوضها بشكل مستمر؛ ليس فقط مع الزمن، بل قد تكون مع نظرات مجتمعية تتهكم علينا، وكأنه لم يعد هناك مكان للإنجاز بمجرد تجاوزنا رقماً معيناً.

تراودنا هذه التساؤلات وكأن قطار العمر قد انتهى بمجرد وصولنا لعمر معين، ولكن الحقيقة أن العمر مجرد رقم؛ فالإنجاز يبدأ معنا من مرحلة الصفر، فوجودنا في هذه الحياة هو بداية الإنجاز، وبالتالي انتشار مثل هذه الفكرة تعد أوهام صنعتها عقولنا، وخوفنا من التأخر وعدم اللحاق بالآخرين أو الخوف من الفشل، بيد أن الأمر الجلي هو أنه لا يوجد أحد وضع هذه القوانين، فالعالم مليء بالأشخاص الذين بدأوا بإنجازاتهم وهم في الأربعين، والخمسين من العمر، وخير مثال على ذلك؛ ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، رغم اشتغاله بالسياسة، والقضاء طوال حياته إلا أنه كرس حياته في كتابة وتطوير " مقدمة ابن خلدون " و تاريخه الشهير ليؤسس علماً جديداً للبشرية يُدرس إلى يومنا هذا، وهذا إن دل فهو يدل على أن الإنسان طماح لا يرضى بالقليل؛ ولا يتوقف عند نقطة معينة ويقول انتهيت بل يسعى، ويطمح ليكون الأفضل مهما كانت العوائق؛ فقطار الإنجازات لا يتطلب عمراً معيناً، بل يتطلب شخصاً ذا إرادةٍ وثقة ليبحر في الحياة، وهو يسعى بإصراره لينجز مايطمح إليه.

وفي الواقع، هذا الوهم الذي اخُتزلَ في عقولنا هو أحد الأسباب التي جعلت التراجع ملاذنا الأول في كل مرة نفكر خوض تجربة جديدة، ولكننا لم ندرك بأننا ملاك هذه المحطة، ونحن الذين نتحكم بنقطة التحرك والتوقف، لهذا السبب يتعين علينا ألا نتخذ من الأرقام مسوغاً للتوقف، بل لتغدُ أرقاماً تثبت إنجازات مستمرة، فالعمر ليس له تاريخ صلاحية، والدليل على ذلك كبار السن الذين يبلغون السبعين من العمر ينجزون الأعمال، فبعضهم من يدير مزارعه بنفسه، والآخر يتميز بالحكمة والقدرة على إخماد النزاعات، وآخرون لديهم رؤية تجارية ثاقبة حتى في هذا العمر المتقدم. جميع هذه الأشياء البسيطة تعتبر إنجازات لها أثر كبير عليهم، وهذا يدل على أن قطار العمر يتوقف عند العقل المستسلم لا الجسد الذي ينبض بالشغف والإنجاز.

وعلى الفرد أن يتحلى بعدة صفات لكي لا يقع في مصيدة العجز والخوف من الإنجاز بذريعة أن خريف العمر قد ولّى، ومن هذه الصفات صفة ذات أحرف بسيطة، لكنها ثمينة في المعنى والوصول ألا وهو الطموح؛ والذي يعد المفتاح الأساسي الذي يفتح أبواب المحطة، فالطموح هو الجسر الذي يبرزُ من خلاله الهدف؛ لكي نعلم أين نتجه، وهو العمود الذي تُبنى من معبره الثقة لتجاوز عثرات، وعقبات تسمى قطار العمر.