No Image
بريد القراء

الحوادث المرورية تزهق الأرواح

23 يناير 2026
23 يناير 2026

أحيانًا نُصاب بحالة حزن عميق ولكن دون أن نعرف مصدر انبعاثها ، نظل نفكر كثيرا لمعرفة المجهول ، فكيف إذا كنا نعرف من أين تنبعث اوجاعنا المؤلمة؟

كم من شعورٍ محزن يطلق شرارة الألم في نفوسنا عندما نتأمل أشياء قد فقدناها دون أن نجد لها أي مبرر سوى أنها جزء من فلسفة الموت والحياة على الأرض.

هذا الشعور يُحدث نوعًا من الاختلال في موازين التفكير في أعماق ذواتنا المجروحة.

المصائب كما يُقال لا تأتي فرادى، بل تتجمع أحيانًا لتزيد من معاناتنا التي لا تنتهي: ﴿خُلِقَ الإنسان في كبد﴾. في بعض الأحيان، ومنذ الصباح الباكر، تصلنا أنباء مفجعة تهز أركان القلوب التي كانت آمنة مطمئنة قبل قليل. هذه الأنباء الحزينة تعصف بقوانا وتُضعف قدرتنا على استيعاب الواقع أو حتى تخيل سيناريو الوضع الراهن.

أحيانًا يكون الخيال جزءًا من الواقع، وربما يكون دافعًا نحو المسير في طريق لا نود الخوض فيه، لكننا نستجمع بعضًا من قوانا لنسرد تفاصيل ومشاهد كنا لا نتمنى أن نخوض فيها، لكن الواقع يفرض سطوته على كل جوارحنا.

ولذا ها أنا أستجمع بعضًا من المشاهد المرعبة، وأنظر إلى سجل الأنباء المحزنة التي مرت سابقًا، فأجدني أشرع في كتابة مقال مُعبّأ بالكثير من الوجع تارة، والوجد تارة أخرى؛ فهناك إحساس حزين وشعور بغربة الفقد لعدد «ليس يسيرًا» من الأرواح التي غادرت الحياة على امتداد الزمن، وكانت نهايتهم من خلال تعرضها «لحوادث مرورية قاتلة».

لنعترف، هذا الفقد لم يكن سهلًا أو مجرد حدث عابر، بل هو فقدان جزء من الذات، أو لنقل صراحة: عبارة عن ذلك «الجرح الذي لا يبرأ، والظل الذي يختفي عندما تغادر الشمس وجه النهار». كم من أشخاص خسرناهم عبر السنين، ولا نزال نشرب من فقدهم عذابات لا تجعلنا نبدو في حالة هدوء أو سكون دائم. «صور الأصدقاء والأحبة» لا تزال تذكرنا بهم رغم أنهم أصبحوا بعيدين جدًا عن عالمنا، لكن الوجع يزداد مع كل مناسبة تعيد لنا الذاكرة شيئًا من تفاصيل قديمة، أو ترسم لنا وجوهًا أصبحت أماكنها فراغًا لا يمكن لأحد أن يسكن فيها.

حياتنا لم تعد كما كانت عندما كانوا إلى جوارنا، ولن نصف حالة أهلهم وذويهم وأطفالهم وعائلاتهم الذين يعانون حتى الساعة من ألم الفراق رغم توالي السنين؛ فالاستشفاء من الجراح لا يبرأ بسرعة كما نظن، بل يظل الجرح مفتوحًا لفترة لا يعلمها إلا الله.

نحن بشر نتألم مثل بقية الكائنات الأخرى، وربما الصبر هو الطريق الصعب لتجاوز المحن. وبما أننا كنا ذات يوم رفقاء لهم وأصدقاء لم يترجلوا عن ظهر الدنيا، فإن الألم يلامسنا كغيرنا من أقربائهم، وإن ذكراهم تحاصرنا في أقوالنا أو أماكن نذهب إليها الآن وهم غائبون عنها. هذا الوجع لا يبلى ولا يموت ولا ينام.

إن فاجعة موت الشباب في الحوادث المرورية تجعلنا نفكر قليلًا في بعض التفاصيل مثل: «الزمن، والمكان، والحدث الجلل». هذا الرصد الذي نحكي عنه لاحقًا ما هو إلا تصوير دقيق للحظات المأساوية، فمن بعدها أُسدلَت على الواقع ستائر سوداء حجبت عن عيوننا ضوء النهار الآتي لاحقًا.

الأقدار المكتوبة هي الأشياء التي تراها العين، وما الوجع إلا لحظة إنسانية صعبة علينا الاستعداد لها بكل ما أوتينا من قوة إيمانية، والرضا بكل ما حدث دون سابق موعد.

وإن كنا على ثقة تامة بأننا عاجزون عن إيقاف الأقدار، لكن بأيدينا تجنب شرورها قدر الاستطاعة؛ فالله تعالى منح البشر أدوات عقلية وإدراكًا لما سوف تأتي به الأشياء من مخاطر ومسببات ونهايات، وأمرنا تعالى أن نترفق بأرواحنا، وأيضًا بمن يعيش إلى جوارنا وارتبط مصيره بنا. فيكفينا تحذيرًا ما قاله الله تعالى في القرآن الكريم:

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [سورة البقرة: 195].

هذا النهي له دلالات عظيمة، وما يحدث يوميًا من فواجع بسبب التهور وعدم المسؤولية على الطرقات يجعلنا نصرخ بصوت عالٍ في وجوه أبنائنا وبناتنا، وكل من نعرفه ومن لا نعرفه، بأن الأرواح التي استودعها الله في أجسادنا هي أمانة يجب الحفاظ عليها.

عندما تحدث كارثة مرورية، يعلّق بعضنا الأشياء على شماعة القدر، وكأن الإنسان ليس مسؤولًا عما حدث. أما علم هذا الإنسان بأن «الجزاء من جنس العمل»؟ البعض يعلل خطأه أيضًا بأن الوقت يداهمه، وأنه مرتبط بمواعيد. أما يعلم بأن أمل اللقاء بالآخرين قد يعيش، ولكن المؤمَّل للقاء سيموت؟ أما تدبرنا قول سيبويه:

يؤمّل دنيا لتبقى له

فوافى المنية قبل الأمل

وفي موضع آخر:

يروي أصول الفسيل

فعاش الفسيل ومات الرجل .

الإحصائيات المحلية والعالمية تؤكد بأن وفيات حوادث الطرق تُبيد سنويًا ملايين الناس، وأغلب الأسباب تكون بدوافع شخصية؛ إما التهور، أو عدم الانتباه، أو السرعات الجنونية، وغيرها. والمحصلة النهائية شتات للأسر وحرمان وفقد للأرواح. فلنترفق بقلوب من نعيش إلى جوارهم، فهم ليسوا بمقدرة على تحمل أعباء أخرى في الحياة تجعلهم يقاسون ألم الفقد ووجع الذكريات.