ذاكرة ثلاثين عامًا من الأحبار إلى الفضاءات المفتوحة
كثيرا ما يُقال إنّ مهنة الصحافة هي مهنة البحث عن المتاعب، ذلك أنّ أساس عمل الصحفي هو البحثُ عن الأخبار وتقصّي الحقائق وتغطية الأحداث والمهمّات الرسمية والعامة على تنوّعها واختلاف أهميتها، وقد كان لي شرف العمل ضمن الإطار الصحفي وبين الصحفيين، فقد عايشت جهودهم وعطاءاتهم ومعاناتهم، وأيضًا متعتهم واندماجهم في هذه المهمة الشاقة. ولا شك أنّ كل عمل لا بدّ أن تكتنفه المصاعب والمتاعب، لا سيّما في السنوات الأربعين الأولى من عمر النهضة العمانية المباركة؛ سواء أكان عملًا مكتبيًا أم ميدانيًا، وفي كل مناحي بناء النهضة، في كل ربوع هذا الوطن العزيز الذي كان يفتقر لأبسط أسس الحياة الحديثة، فقد بدأ بناء النهضة من الصفر، في كل شيء تعليميًا وطبيًا وفي الجوانب الأمنية والعسكرية والإعلامية والصناعية، كما كانت تنعدم وسائل النقل والمواصلات، فلا خدمات تتوفر ولا مرافق، ولكن بجهود وعزيمة الرجال قامت أركان الدولة وعلا البناء على أسس راسخة وأعمدة صلبة لا تلين. وقد كان الإعلام في مقدّمة ركب هذا البناء فكان هو فرس الرهان ينشر جنوده في كل مكان، مبرزًا النجاحات وشاحذا همم الشباب ومبصّرًا بما يحتاجه المجتمع وما يتطلّبه المواطن، ولعل العمل الصحفي بكل أقسامه كان له النصيب الأكبر من هذا العطاء النهضوي، فقد اقتسم كل من شارك في إنجاز «جريدة عمان» اليومية مع بقية أفراد المجتمع؛ اقتسم المغرم قبل المغنم في سبيل التطوير والتحديث لأركان هذه الدولة حتى بلغت ما بلغته من مكانة وسمو. وقد تلقيت دعوة كريمة للكتابة في هذا الملحق استذكارًا واحتفاء بمرور خمسين عاما على صدور أول عدد من هذه الجريدة الغرّاء، حول تجربتي ومعايشتي العمل بقسم التصحيح اللغوي مراجعًا ومدققًا على مدى أكثر من ثلاثين عاما فكان هذا المقال.
البدايات الأولى مع هذه الجريدة
لقد كنت على صلة ومعرفة بـ«جريدة عمان» في سن مبكرة من حياتي، منذ أن كان عمري في حدود ثماني سنوات، وكان ذلك في عام 1975، إذ وجدت «جريدة عمان» بمنزلنا وكان عليها مانشيت عن الاحتفال بالعيد الوطني، لا أدري كيف وصلت إلينا في ذلك الوقت المبكر من النهضة، لعل أحدًا أهداها لوالدي «رحمه الله» وربما فيها خبر يخصّ المنطقة، ثم بعدها أخذت أنتهز كل فرصة يمكنني الحصول عليها وإن كان في فترات متباعدة، ولعلها كانت رسالة لي لأرتبط بهذه الجريدة ولأكون أحد منتسبيها. وفي نهاية العام الدراسي 86/ 87 من القرن المنصرم؛ كنت قد أنهيت المرحلة الثانوية، التي يطلق عليها الآن الشهادة العامة، وصادف أن التقيت بالزميل والصديق شيخان العوفي الذي سبقني بسنوات إلى هذه الجريدة، وقد بادرني بالسؤال عمّا إذا كنت اعتزم البحث عن فرصة عمل، وحيث إنه يعلم مستواي وتوجّهي في مجال اللغة العربية نظرًا لنشأتي الأسرية، إذ إن الوالد كان معلمًا للقرآن الكريم وإمامًا في المسجد ومرجعًا في الجانب الأدبي والثقافي في بلدتنا «العقير» وما جاورها من البلدات بولاية بهلا، فقد عرض عليّ العمل بقسم التصحيح فرحبت وأبديت موافقتي على ذلك، وبعد أيام قدمت إلى مسقط، وذلك في شهر نوفمبر المجيد من عام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين ميلادي، وقد كان مبنى الجريدة حينها بروي، وكان يرأس قسم التصحيح الشيخ سيف بن ناصر الخروصي «رحمه الله»، فاستقبلني ورحّب بي، ثم خضعت لامتحان كان قد أعدّ للخريجين المتخصّصين في اللغة العربية وقد اجتزته ولله الحمد والمنة. كانت مباشرتي للعمل بقسم التصحيح في مطلع عام ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين ميلادي، وكانت خطوات التعمين قد بدأت في سلطنة عمان عمومًا وفي الجريدة خصوصًا قبل سنوات، لكن صادف عند مجيئي للعمل أن تم استحداث نظام العقود المؤقتة ، فكان نصيبي أن أبدأ العمل بعقد مؤقت ولمدة ستة أشهر وبراتب لا يتعدّى مائة وخمسين ريالًا حينها، إلى حين توفّر درجة مالية يتم تثبيتي فيها، وقد سبقني زملاء في العمل على هذا العقد، ومرّت الأشهر الستة الأولى وجدّد العقد لستة أشهر أخرى، ومع المحاولات والمطالبات تم تعييني رسميًا في منتصف عام 1989، كما تم تعيين بقية الزملاء كلٌ في القسم الذي باشر العمل فيه. لقد كانت الحياة بسيطة سهلة في ذلك الوقت فلا غلاء في الأسعار، ولا مظاهر خدّاعة، ولا تباهي في متطلبات الحياة. حينما باشرت العمل بالجريدة كان الإخوة الوافدون جزءًا لا يتجزّأ من الموظفين ومن كثير من الدول العربية مصريين وسودانيين وأردنيين وغيرهم من الجنسيات، فكان لا يخلو قسم من الأقسام التحريرية والفنية إلا وبه وافدون رغم موجة التعمين، ولكن بعد فترة بدأ التخلي عن الوافدين مقابل ازدياد أعداد المواطنين المنتسبين لهذه الجريدة الغرّاء وفي كل التخصّصات، باستثناء قسم التصحيح الذي ظل يعتمد على الوافدين المدرسين بنظام التعاقد المؤقت وكانوا يشكلون الأغلبية في القسم واستمر الوضع على هذا الحال حتى ازداد عدد المواطنين المتخصصين على مر السنوات وحتى عهد قريب، حيث شمل التعمين القسم كله، وقد بدأت العمل بشهادة الثانوية العامة، ثم التحقت بالدراسة بجامعة بيروت العربية في تخصص اللغة العربية وذلك بالدراسة عن بعد، حيث كان مسموحا بهذا النظام حينها، ثم بعد سنوات تم إيقاف الدراسة عن بعد، وقد حصلت على شهادة ليسانس آداب لغة عربية في العام الدراسي 1995/ 1996 وتمت معادلة درجتي المالية بالدرجة الجامعية. وفي إطار عملي بـ«جريدة عمان» عملت أيضًا مراجعًا للإعلانات بالعمانية للإعلان وهي الجهة المسؤولة عن الإعلانات جميعها التي تنشر بـ«جريدة عمان»، حيث عملت معهم سنوات عديدة، كما عملت مراجعًا ومدقّقا لمجلة نزوى الثقافية سنوات عديدة أيضًا حتى خروجي للتقاعد.
المراجع اللّغوي مهمّاته ومسؤوليّاته
قسم التصحيح أحد أقسام التحرير وإن كان يعدّ ضمن الأقسام الفنية فهو مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالمحررين؛ فطبيعة عمل القسم لا شك أنها شاقة ومسؤولية دقيقة ليست بالسهلة أبدًا، فكما ينبغي أن يكون المصحح متمكنًا لغويًا نحوًا وصرفًا، فعليه أن يكون نبيهًا متيقظًا لكل شاردة وواردة أثناء مراجعته للمادة التي أمامه فهو مسؤول عنها كل المسؤولية، فمسؤولية المصحح والمراجع تتركز في مراجعة المادة التي ترد للقسم من جميع النواحي الإملائية واللغوية والصياغة. فالمحرر حين يستخرج المادة من مصادرها سواء كانت تغطية حية أو من وكالات الأنباء أو من مراسلين داخليين أو خارجيين أو كتّاب متعاونين، فإنه يحوّلها للمصحح، وهنا تبدأ مهمة المصحح والمراجع للمادة، فعليه أولًا التدقيق في العنوان والتأكد من صحته، وربط العنوان بالخبر، ثم التأكد من مضمون الخبر إملائيا ولغويا والنظر في شمولية الخبر؛ بحيث يكون مكتمل المضمون، كما أنه من المسؤوليات الملقاة على المصحح التأكد أيضا من صحة المعلومة الواردة في الخبر أو المادة الصحفية سواء كانت خبرًا حادثًا أو مقالًا صحفيًا أو تقريرًا أو استطلاعًا، وكذلك مراعاة تناسق الخبر أو المادة الصحفية وكذا صحة الألقاب والمصطلحات، ولا شك أيضا أنه من مهمّات المصحح التدقيق في شرح الصورة المرتبطة بالمادة (الكبشن). ولا يفوت المراجع مراعاة صحّة تنوين الكلمات إن وجدت وكذا وضع أدوات الترقيم في محلها، وبعد تنفيذ الصفحة على المصحح أن يدقق في تأريخ العدد والعناوين ومراجعة المادة بدقة والتأكد من عدم وجود أيّ تكرار للخبر أو في المعلومة نفسها والصور وشروحها، وخلاصة الأمر فإن المصحح أو المراجع اللغوي مهمته أن يدقق في المادة من جميع النواحي؛ بحيث تخرج المادة للقارئ في حلة قشيبة خالية من كل الشوائب والأخطاء، مراعيًا سياسة الدولة وسياسة الجريدة وخطّها ونهجها العملي.
«جريدة عمان» بين الماضي والحاضر
مرّ العمل بالجريدة عمومًا بفترات صعبة تحتاج لجهد وصبر وهذا لا يتأتى إلا إن تحلّى الموظف بالإخلاص والتفاني، فقد كان إخراج الجريدة للقارئ ليس بتلك السهولة التي يظنها القارئ الكريم، إذ كان إنجاز العدد اليومي من الجريدة يبدأ من صبيحة كل يوم ويستمر حتى وقت متأخر من الليل، بل يبلغ الأمر أنّ طباعة الجريدة لا تتم إلا صباحًا وربما بعد طلوع الشمس، لا سيما أيام المناسبات والأحداث المحلية أو الدولية. ومع ندرة المواطنين المتخصّصين كان العمل شبه يدوي وكان التواصل مع وكالات الأنباء شاقًا وكذا أجهزة التصوير والفرز كانت بدائية في وقتها، ولم تكن توجد أجهزة الحاسوب كما هو الوضع الآن مع تطور التقنية الإلكترونية بشكلها الحالي، فقد كان موظفو الجمع العربي يطبعون بنظام صف الحروف على أجهزة عتيقة لتخرج المواد على شكل بروفات طويلة، وكانت الأجهزة تعتمد في التخزين على ملفّات بشكل يدوي كل ملف على حدة، وكانت الشاشات ضيّقة جدًا ثم تطوّرت إلى حجم 12 إنشًا، وكانت هذه الأجهزة مربوطة بطابعات تعمل يدويا وتحتوي على أفلام ورقية تحمّض في غرف مظلمة تحتوي على سوائل كيميائية توضع على آلات بها حرّارات ومجفّفات، ثم تخرج على شكل ورق، فكانت المعاناة شديدة حتى تخرج البروفات لقسم التصحيح ونقوم بمراجعتها وتدقيقها، وكثيرًا ما تواجهنا مشكلة الخط في أصول المواد التي يراد نشرها بمختلف كتّابها من الداخل أو الخارج فكانت الخطوط صعبة وبعضها رديء جدا فكان فك لوغاريتمات الخطوط مهمة شاقة، وبعد تصحيح المادة تعاد لقسم الجمع لتعديل الملاحظات الكثيرة، ثم تعود للتصحيح لمطابقتها والتأكد من تصحيحها، ثم ترجع للقسم على هيئة صفحة بعد تنفيذها ووضع الخبر في محلّه لتراجع الصفحة يدويا مرة أخرى بقراءتها كاملة وتعديل ما استجدّ من ملاحظات. بينما الآن تغيّر الأمر جملة وتفصيلا، فمع تطور التقنية ووجود الأجهزة الحديثة أصبح عمل المحرر والمصحح والفني، وحتى الطباعة النهائية، كل ذلك أصبح سهلا ميسّرا، فإنجاز الجريدة الآن لا يحتاج إلى ذلك الجهد الذي كان يبذل سابقًا.
رجالٌ تركوا بصمات في التصحيح
كل عمل لا يقوم وينجح إلا بهمّة الرجال وقد حظي قسم التصحيح بكوكبة من الرجال بذلوا جهدهم وأخلصوا عملهم فعند مباشرتي عملي في 1988، كان الشيخ سيف بن ناصر الخروصي -تغمده الله برحمته- على رأس القسم وكان خير معين وموجّه ومرشد، وقد وافاه الأجل المحتوم في بدايات وباء كورونا، وأيضا كان بيننا زميل متعاون هو ناصر العامري أيضا توفاه الله، وكان بالقسم عبدالله الرصاص من جمهورية مصر العربية الشقيقة، وأيضا محمد بيومي وكانا خبيرين مخلصين. ومن الإخوة العمانيين الذين زاملونا العمل في تلك الفترة زميلان عزيزان ربطتنا بهم صداقة ومعزّة، وقد توفّيا وهما موظفان بالتصحيح هلال الخروصي ولحقه عبدالله المعمري وذلك في مطلع تسعينيات القرن المنصرم، وقد استقطب القسم الكثير من العاملين المخلصين منهم من انتقل لأقسام أخرى بالجريدة، بعضهم كان لهم الشأن في إدارة الجريدة والرقي بها، ومنهم من انتقل خارجها، وأيضًا عمل بالعقود المؤقتة الكثير من الرجال الذين تبوأوا مناصب عديدة، منهم القاضي ومنهم الطبيب ومنهم من بلغ مناصب قيادية عليا في الدولة، والكثير الكثير الذين لا يمكنني إيراد أسمائهم جميعا، حفظ الله من كان على قيد الحياة منهم، وتغمّد برحمته من سبقونا إلى الدار الآخرة.
كلمةٌ أخيرة
مما تعلّمته خلال سنوات عملي التي مرّت سريعا أن العمل ضمن مجموعة وزمالة إنما هو حياة أسرية أخرى خارج المنزل، فزملاء العمل هم رفقاء يلزم معهم الترفق والتعاون والتلطف حالهم كأفراد الأسرة فالتغاضي مع رفيقك في العمل مطلب ملح يعود نفعه على جهة عملك كلها والإخلاص والتفاني يحبّب الموظف بين زملائه لا سيما في الإطار الصحفي فمع السهر طوال الليل وتغيّر فترات الدوام واختلاف الإجازة الأسبوعية عن الإجازة الرسمية في الدولة؛ كل هذا يدعو إلى التعاون والتكاتف والتحلّي بالصبر. فكم من المواقف التي مرّت بنا أثناء عملنا من السهر حتى تطلع الشمس، ومن قطع الإجازات الاعتيادية، ومن مباشرة العمل مع وجود إجازة طبية، وكذلك كم رجعت من مقرّ الجريدة لأعود في وقت آخر نظرًا لظرف أحد الزملاء .. كل هذا لا شيء مع الرضا النفسي والطمأنينة الداخلية مقرونة بحب الزملاء وتقديرهم، ولعلّ شعاري كان خلال سنوات عملي:
فعامل بمعروف وسامح من اعتدى
وفارق ولكن بالتي هي أحسن
كذلك من أهم ما رسخ بالذاكرة خلال عملي بقسم التصحيح ذلكم التآلف والترابط بين المسؤول والموظف وليس كلّ مسؤول يحالفه التوفيق ليأتلف مع سائر العاملين ومن هم تحت مسؤوليته؛ فأذكر فيما أذكر الشيخ حمود السيابي -أبقاه الله- حين كان على رأس التحرير ظلّ على مدى رئاسته كثيرا ما يتجاوز عن الأخطاء التي تفوت سهوًا، وحين يكون الخطأ جسيمًا كان يأتي ويقف عند الباب مسلّمًا ويقول جملته الشهيرة (مزيدًا من الدقة يا إخوان) ولا يزيد على ذلك، فكان وقع الجملة أشد من العقاب، ولكن الطريقة أسلس وألطف، بينما بعض المسؤولين تجدهم يتهافتون على توجيه لفت النظر والإنذارات على أبسط الأخطاء. فكلما كان المسؤول سلسًا مع طاقم العمل انعكس ذلك إيجابا على العمل نفسه، والعمل الصحفي أحوج كثيرًا إلى هذه الخصّيصة وهذه السمة (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).
هذا وأسأل الله دوام التوفيق والتيسير للقائمين على هذه الجريدة العزيزة علينا، ولجميع العاملين والمنضوين تحت لوائها، آملين أن تبقى صوتًا إعلاميًا وطنيًا يعلو ويسمو يومًا بعد يوم وعامًا بعد آخر.
سالم بن سعيد بن ناصر الشهومي - عمل في قسم التصحيح بـ«جريدة عمان» لمدة 30 عاما.
