ملاحقة الصورة الشعرية عند الشاعر علي حزمي ثوعار المهري في نصه «احكلي جبل مكين»
بين التقييد والإطلاق والتجريدي والحسي -
ترجمة و تحليل د. سالم محاد -
فيخيت المعشني - جامعة ظفار -
قصيدة «علي حزمي عموش ثوعار المهري»، التي عنونها بـ «أحكلي جبل مكين» رغم قلة أبياتها، إلا أنها مكتنزة للصورة الشعرية الموفقة، مموسقة إلى حد البوح والطرب، يشجيك ويأسرك فيها اللحن المتدفق، القادم من أعماق المنشد المتألق «يوسف ثوعار» صاحب الصوت الآسر، الذي ما أن تسمعه حتى يأخذك الهياج للوثوب فتصفق في خفة الطفل المنتشي من إيقاع اللحن الجميل.
تأسست فكرة النص على إسقاط وجع ممتد من الماضي القريب، ماتزال جراحه حاضرة، وإن كان منفتحا على حال نقيض يشي بفسحة من رخاء مادي واستقرار اجتماعي ومدينية تمازجت فيها مايقارب خمسة عقود في نهضتنا المباركة مكون بيئات ثلاث (حضرية/ ريفية/ بدوية) مودعة العصور الظلامية، متناغمة مع عصر التنوير العلمي، والرخاء المادي.
أسقط الشاعر بوحه على مكون اجتماعي أوسع حضورا، مضمرا - دون إشارة - طرفا متثاقلا في اجتراح الإيثار لا يتحصل إلا من خلال استبصار عميق، نظرا لتحصنه وراء عاطفة الشاعر وخارج عن سياق تركيب النص «المبنى» يستنبطه القارئ المتبصر ويحسبه لم يبادر كثيرا - وإن كان معنيا لحظة الأزمات. أما الممدوح الموجب مابرح - كعهده - قيد هبوات السخاء والنجدة، وكأنه -أي الشاعر - في هذه المحطة الهانئية من تاريخنا المعاصر أراد أن يرد له قدرا من المعروف ليوثقه توثيقا معنويا خالدا، ولا يتأتى المعنوي الخالد إلا من خلال الشعر، ذلكم أن الشعر قادم من عالم غيبي فيه من روح الخالق -عز وجل- مالا يتبدد، أو ينتهي. إنه عالم الإلهام وسبحان من أوحى لعباده، إن كان وحي رسالة ونبوة، أو إلهام موهبة شعرية!
تتدفق عاطفة الشاعر لتملأ أذن المتلقي صوتا متموجا بين صخب المعاناة، وخفق الوجدان، صوتا يغترف من صميم معاناة مريرة، أفرزتها تجربة إنسانية عاصرت منعطفات وعرة، ومراحل كامدة، ذاقت ويلاتها أجيال متعاقبه إبان الاحتراب القبلي البغيض، ولعل مآسيها أحيانا كانت أكثر مما يحتمله هذا الإنسان البسيط. ثم في عصر الرخاء المادي والعلمي، العصر الذي يمكن تسميته بعصر «التنوير والرخاء» تخرج هذه الزفرة الشاعرة لتسجل في صحيفة الأدب العماني المعاصر كلمة لها دلالاتها وأبعادها الاجتماعية والقبلية في مديح قبائل الحكلي في محافظة ظفار، جازما ان مايكيله الشاعر من مديح سخي للممدوح له مبررات ومسلمات مادية في عالم الواقع والحقيقة، خارج عدسات المبالغة وتهويمات الخيال الشعري.
وقد أشرت في مستهل القراءة أن النص وليد تجربة عسيرة، والولوج إلى فكرته الجوهرية لا يتأتى بالوقوف على سطح المعنى، إنما على القارئ المتبصر أن يسبر أغوار النص، ليظفر بالمراد العصي والغوص إلى الداخل بغية الجلوس عن كثب إلى بنيته الداخلية و القبض على لحظته المضيئة، وبؤرته المحورية.
ليس بالبعيد على المبدع المهري أن يسخو على غيره من قبائل المحافظة بالمديح والثناء، كونه يتربع اجتماعيا، وقبليا على إرث فيه من المجد والزهو، والزناد المعلا الكثير، إذ قبيلة المهري من كبريات القبائل العربية في جزيرة العرب، تغفو على جغرافيا شاسعة، وتفاخر نظيراتها حمية ونخوة، ومناقب عربية أصيلة، ناهيك عن دواعي الرجولة و الفروسية، من هنا لم تزر يوما دواخل الشاعر مركبات النقص، ما دامت مضاربه ترفل برموز الحكمة والنخوة ، فهل تتغافل عيناه عن المقابل المستحق للثناء والسبق؟ زاوج الشاعر «علي حزمي ثوعار» في صورته الشعرية بين صورة مطلقة مجردة وبين أخرى حسية مقيدة، والصورتان تسيران جنبا إلى جنب، موظفا معالم الطبيعة مشخصا أحيانا، وأحيانا مجسما، ليستحيل خلالها «الجبل الشامخ» إلى إنسان شامخ، هو الملاذ الآمن ساعة الأنواء والشدائد، ويصبح المعنوي المجرد «الكرم» المعطى الإيجابي الذي لا يستطيع أحد رد جمائله، ثم لا تتحصل هذه المناقب الإنسانية النادرة إلا من خلال معنوي حاضن لكل أبعاد الصورة الاستعارية وهو «الفكر». إذ الفكر السديد هو سبيل النجاح، عندها يتجلى تأثيث المشهد في الصورة الاستعارية على بساط أخضر من المادي القوي، الذي بمقدوره ان يحقق طموح المعنوي من خلال دالتين شخصهما الشاعر لتغدوَا بصريتين هما «البطولة / الفدى». الصفتان المتجسمتان في الممدوح وهما أقرب شأنا للفعل المادي الحسي لتوفر أدواتهما المادية «السيوف / الرماح»، مفضيا إلى صورة جمالية كلية اكتملت فيها حلقات المثلث الشعري «الاستهلال/ والمضمون/ والخاتمة». ومن حسن التوفيق أن تأتي المقدمة متسقة مع الخاتمة في رحلة الخيال، فالأخيرة بناها الشاعر على دوال بصرية صرفة ذات طبيعة احتفالية تريك لوحة الأهازيج الشعبية في محافظة ظفار من خلال فتية ذوي قامات بهية يمتشقون السيوف في ساحة الأفراح، وحلقات «الهبوت والزامل» تغشى نواحي المكان فيشرئب الوجود بسعادة لا توصف، ويمتطى صولجان الفخر لثام الزهو على إيقاع اللحن الجميل.
