Untitled-14444444
Untitled-14444444
المنوعات

مرفأ قراءة... مـوسـوعـة النَّسَّـاج عـن القصـة القصـيرة

07 مارس 2020
07 مارس 2020

إيهاب الملاح -

(1)

منذ 100 عام تقريبًا، ظهر فن القصة القصيرة (بشكله الفني المتعارف عليه) في أدبنا الحديث، مع محاولات كتاب المدرسة الحديثة في كتابة القصة؛ خصوصًا في مصر «أحمد خيري سعيد، والأخوان عيسى وشحاتة عبيد، ومحمود تيمور، ومحمود طاهر لاشين، ويحيى حقي.. إلخ»، هؤلاء هم آباء القصة القصيرة في أدبنا العربي الحديث والمعاصر، مارسوا كتابتها بوعي واستيعاب لشكلها الفني الجديد الوافد عليهم من الغرب، ولولا هذه المحاولات والإسهامات المؤسِّسة، ما كان لفن القصة القصيرة أن ينطلق ويزدهر بعد ذلك، وتظهر عشرات الكتاب، بل مئات، حول هذا الفن الساحر ويظهر أجيالا وأجيالا من كتاب القصة ليس في مصر وحدها بل في أرجاء العالم العربي كله، خاصة في الخمسين سنة الأخيرة، تركوا تراثا رائعا من القصص والأعمال المهمة.

عبر القرن الفائت، ومع غزارة الإنتاج القصصي، وتشعبه، كان لا بد أن يظهر نقاد ومؤرخو أدب يكرسون جهودهم لدراسة هذا الفن الوافد، والتأريخ له وتحديد مساراته، وتصنيف كتابه وإنتاجه، ليسهل على الباحثين ومحبي هذا الفن، قراءةً وكتابةً، تتبعه والإلمام بمسيرته وتطوراته واتجاهاته الفنية.

من هنا ظهرت أسماء كبيرة توفرت على دراسة النتاج القصصي، تأريخًا ونقدًا، لكن لا أظنّ أن أي محاولة للتعرف على فن القصة القصيرة في العالم العربي، وفي مصر تحديدا، والإلمام بجوانب ومعالم الرحلة التي قطعتها القصة القصيرة، منذ نشأتها وظهورها في الربع الأول من القرن العشرين، وحتى العشرية الأخيرة منه، لا أظن أنها تكتمل إلا بالوقوف على أعمال الناقد الراحل ومؤرخ الأدب الكبير الدكتور سيد حامد النساج (1936 - 1996).

(2)

وفي تقديري، فإن كتابات المرحوم النساج حول «فن القصة القصيرة»، من أهم وأقيم ما يمكن للكاتب الناشئ أو المقبل على التعرف على هذا الفن في بداياته، أن يقرأه، لينتقل بعدها إلى درجات ومستويات أوسع وأكبر في رحاب القصة القصيرة، ذلك أنّ النساج قدم عبر أعماله المهمة متفاوتة الحجم (ما بين كتيب صغير إلى دراسة ضخمة) ما أسميه «المؤلفات التمهيدية» أو «الكتب المفاتيح» التي يكون أهم وأجل ما تقدمه أنها تأخذ بيد المتعرفين الجدد على الفن، وتلعب دور المرشد للساعين لاكتساب المعارف الأولى، اللازمة، الضرورية، للانطلاق منها، وتأسيسًا عليها إلى آفاق أبعد.

تُحقق كتب النساج هذا الغرض بامتياز، خصوصًا أنه كان يكتب بلغة منضبطة، سهلة بسيطة، تعمد فيها عدم الإغراق في التفصيلات والجزئيات، فتجنب التقعر والتعقيد، وحاول الانفلات من أسر الأكاديمية فنجح في ذلك نجاحًا كبيرًا، ذلك أنه قصد الإسهام في التثقيف العام، مثلما يتضح في كتاباته المتنوعة عن القصة القصيرة التي تناول فيها بدأب وموسوعية كلَّ ما يتعلق بها بدءًا من التعريفات الأولية أو المفاهيم التأسيسية، ثم التوقف عند فترات النشأة والظهور وما تلاها من مراحل تاريخية، تبلورت فيها مدارس وتيارات فنية محددة في كتابة القصة، ثم الوقوف عند أعلام الفن والتعريف بهم وبأعمالهم.. إلخ.

(3)

ترك النساج أربعة كتب مهمة في القصة القصيرة، تشكل في مجموعها «موسوعة» أنيقة، مترابطة، تغطي مراحل الفن منذ ظهوره في الأدب العربي الحديث وحتى العام 1994، قبل وفاته بسنوات قليلة، استهلها بأطروحته التي نال عنها درجة الدكتوراه ونشرها في كتابه «تطور فن القصة القصيرة في مصر (1910-1931)»؛ وهي المرحلة التي أسماها مرحلة «التأصيل»، وتوقف فيها بالدرس والتحليل عند الأشكال القصصية القديمة والتراثية التي مهدت الطريق أمام استقبال هذا الفن الوافد وتلقيه.

الكتاب الثاني «اتجاهات القصة القصيرة»؛ وهو بمثابة الجزء الثاني من كتابه السابق، استكمل فيها دراسة النتاج القصصي والتأريخ لأعلامه وتصنيف تياراته خلال الفترة (1933-1961) التي شهدت ازدهارًا لافتًا وتنوعًا مدهشًا في أعمال كتاب القصة المصرية، وسيجد قارئ الكتاب متعة كبيرة وهو يتعرف تفصيلًا على جهود رواد القصة القصيرة وأعلامها الكبار وإنجازهم المهم، مثل يحيى حقي ومحمود تيمور، ثم كتاب الرومانسية الكبار محمود البدوي، ومحمد عبد الحليم عبد الله، ويوسف السباعي، وثروت أباظة، ثم بزوغ الواقعية التي قسمها إلى «واقعية انطباعية» و»واقعية تحليلية»، بالإضافة إلى تيار «الواقعية الاشتراكية»، ثم توقف وقفات مطولة أمام إنتاج الكاتب الكبير يوسف إدريس؛ أبرز وأهم كاتب قصة قصيرة «عربي» في هذه الفترة.

وأخيرًا ألحق النساج بالكتاب أول عمل ببليوجرافي من نوعه (نشره مستقلًا في ما بعد)، قدم من خلاله دليلا إرشاديا للقصة القصيرة، بذل فيها مجهودا كبيرا، وتتتبع القصص المنشورة في الصحف والمجلات والدوريات المختلفة خلال نصف قرن.

واستكمل النساج تأريخه الأدبي/‏ النقدي لفن القصة في كتابه الثالث «أصوات في القصة القصيرة»، صدرت طبعته الأولى عن دار المعارف عام 1994، وصدره بمقدمة طويلة عن دراسة القصة خلال الفترة (1961-1991)، وأعقبه بتمهيد أطول عن الخلفية التاريخية والاجتماعية للقصة القصيرة في الستينيات.

(4)

وأخيرًا، يأتي كتيبه الصغير، التثقيفي الرائع، التعليمي بامتياز، «القصة القصيرة»، الذي صدر في سلسلة (كتابك) التي كانت تصدرها دار المعارف في أواخر السبعينيات، (حمل الكتيب الرقم 18 ضمن كتب السلسلة). هذا الكتيب فيما أظن أفضل مدخل مباشر وواضح للتعرف على فن القصة القصيرة للمبتدئين والمقبلين على التعرف على هذا الفن، قراءة وكتابة وتذوقا، فرغم صغر حجمه وقلة عدد صفحاته (لم يجاوز الثمانين صفحة من أصغر قطع ممكن!) إلا أنه يقدم معالجة بانورامية رائعة للقصة القصيرة؛ منذ نشأتها وظهورها حتى آخر مرحلة قطعتها لحظة صدور الكتاب، رحلة شائقة وممتعة لا ينقصها العمق ولا تفارقها البساطة والوضوح، فنيا وتاريخيا وتصنيفيا، كأن سيد النساج استقطر في هذا الكتيب وبعد خبرة طويلة وعامرة قضاها في معايشة القصة القصيرة ومصاحبة نصوصها وقراءة روائعها، استقطر خلاصة ما سطره في دراساته الكبيرة السابقة، وجمعها بين دفتي هذا الكتيب.

تقريبا يكاد النساج لا يترك محورا جوهريا أو فكرة رئيسية ينبغي الإلمام بها عن القصة القصيرة إلا وستجدها في كتيبه الصغير، من أول ظهور الفن في الآداب العالمية مع إشارات موجزة ومكثفة لأعلامه الكبار وأعمالهم المهمة، مرورا بانتقاله إلى الأدب العربي الحديث، ويتوقف تاريخيا عند أهم محطاته وأبرز أعلامه في مصر والعالم العربي، وتطرق فيها للمرة الأولى في كتيب بهذا الحجم إلى النتاج القصصي في دول الشمال الأفريقي؛ المغرب الأقصى والجزائر وتونس، وهي بيئة أدبية كادت تكون مجهولة تماما بالنسبة للقارئ المصري والعربي في ذلك الوقت.

ولم يغفل النساج التوقف عند الخصائص البنائية للقصة القصيرة، في شكلها التقليدي، الكلاسيكي، مقارنا بينها وبين الرواية، ولعل كل أبناء جيلي يتذكرون تلك المقارنة الشهيرة، وكنا ندرسها في المرحلة الثانوية في كتاب «الأدب العربي الحديث»، وتقريبًا نحفظها عن ظهر قلب.

(5)

ولا يمكن بالطبع تجاهل أو إغفال المحاولات الأخرى، منها الأصيل ومنها المقلد، لأساتذة ونقاد ومؤرخي أدب، عالجوا «فن القصة القصيرة» على تفاوت في الرؤية، والمنهج، وطرائق تحليل النصوص، وهي أكثر من أن تعد، وليس الهدف هنا هو حصر هذه المحاولات وتعدادها، فهذا مما يخرج عن حيز هذا المقال وحدوده، لكن تكفي الإشارة وتُغني اللمحة،

ويبقى الهدف الرئيس والغاية الكبرى في تحريض القراء الجدد وناشئة الكتاب على قراءة هذه الأعمال النظرية جنبًا إلى جنب قراءة النصوص القصصية، لتتكامل عملية التعرف على هذا الفن الجميل، وتؤتي ثمارها الناضجة..