No Image
العرب والعالم

هل بإمكان باكستان التوسط في الحرب الإيرانية؟

04 أبريل 2026
تحليل
04 أبريل 2026

واشنطن "د. ب. أ": بعد مرور عدة أسابيع على اندلاع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة اخرى ، رفض كلا الجانبين خطط سلام اقترحها الجانب الآخر. وكانت الخطة الأمريكية، التي عرضها المبعوث الخاص ستيف ويتكوف ونائب الرئيس جيه دي فانس في 25 مارس الماضي ، تطالب إيران بإغلاق برنامجها النووي، وإنهاء إنتاج الصواريخ الباليستية، وفتح مضيق هرمز، في مقابل مناقشة الخفض المحتمل للعقوبات. وقد سلم مسؤولون باكستانيون هذه الخطة إلى نظرائهم الإيرانيين.

وقال المحلل السياسي قمر الهدى، وهو أستاذ كرسي مايكل إي. بول للشؤون الدولية في قسم العلوم السياسية بالأكاديمية البحرية الأمريكية، ومستشار سابق رفيع المستوى لوزارة الخارجية الأمريكية،إن إيران لم توبخ الخطة الأمريكية فحسب ، بل قدمت أيضا خطة مضادة، طالبت بإنهاء الأعمال العدوانية ، ودفع تعويضات عن الأضرار الناجمة عن الحرب، وإنهاء الضربات على الجماعات التي تعد وكلاء لها في جميع أنحاء المنطقة، واعتراف بالسيادة الإيرانية على مضيق هرمز. وأضاف الهدى، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية، أنه منذ مارس 2025، خاضت إيران عمليتين دبلوماسيتين مهمتين مع الولايات المتحدة، انتهت كل واحدة منهما بشكل مفاجئ بسبب العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية. وبناء على ذلك، فإنه مما لا شك فيه أن طهران ليست لديها ثقة كبيرة في المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة، وبالمثل مع دول الخليج التي تستضيف بنية تحتية عسكرية أمريكية. وفي هذه الأزمة ظهرت باكستان ، جارة إيران كوسيط محتمل قادر على ايجاد أرضية مشتركة وإنهاء الصراع . وبالنسبة لباكستان، فإن القيام بمهمة الوسيط في هذا البيئة المعقدة يمثل تحديا كبيرا على المدى القصير، حيث يتعين على إسلام أباد أن تتعامل مع ثقة إيران الضئيلة في مصداقية واستمرار أي وقف مقترح لإطلاق النار .

باكستان تتعرض لضغط من الداخل وتتعرض باكستان لضغوط أمنية داخلية وحدودية خطيرة جراء العمليات الإرهابية التي تنفذها حركة طالبان باكستان، والتوترات الحدودية مع أفغانستان، واستمرار العنف الانفصالي في إقليم بلوشستان. ومنذ عام 2021 زادت حدة هذه الديناميكيات، مما أسفر عن أزمة متعددة الأبعاد تجمع بين الهشاشة الداخلية والتوترات الجيوسياسية الإقليمية.

معضلة الوساطة في الحرب الإيرانية

وتابع الهدى أنه لا يتم قبول وسيط من جانب طرفين متنازعين بسبب حياده، ولكن بسبب قدرته على التغلب على العقبات التي تواجه جهود عملية الوساطة للتوصل إلى حل مقبول. ولن تحتاج باكستان إلى التنسيق بين الأطراف المتصارعة فحسب ، ولكن أيضا تعزيز إجراءات بناء الثقة في كل خطوة من خطوات العملية، والحفاظ على الثقة مع إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وفي أي مجال حل نزاع ، تهدف الوساطة إلى التأثير على سلوك الأطراف المتنازعة ودفعها نحو خفض التصعيد والتوصل إلى تسوية تفاوضية. ويسعى الوسيط إلى بناء إطار عمل جديد مقبول بين أطراف النزاع القائم لمنع تفاقم الأزمة وتحولها إلى عنف.

دور باكستان كوسيط في الحرب الإيرانية

سوف يحتاج دور الوساطة المحتمل من جانب باكستان أولا إلى معالجة ثقة إيران الضئيلة في استمرارية ترتيبات وقف إطلاق النار، واعتقادها بأن خصومها سوف يلتزمون بأي اتفاق يتم التوقيع عليه.

ولا يعد هذا الشك مجرد عقبة دبلوماسية، بل إنه عائق هيكلي متجذر في وجهة نظر إيران بأن الولايات المتحدة، والقوى الغربية عموما، والقوى العربية عاقدة العزم على تقويض سيادة إيران. وأججت الحرب العراقية الإيرانية، والعقوبات الدولية، والعزلة الدبلوماسية، والتركيز الخارجي على البرنامج النووي ،هذه المشاعر.

ويعكس الشك الذي ينتاب طهران تقييما منطقيا للمفاوضات السابقة التي انهارت تحت ضغط عسكري خارجي، مما يقوي الاعتقاد بأن أعداءها سوف يستخدمون المفاوضات وعمليات وقف إطلاق النار كأدوات وليس دعمها والالتزام بها. وبناء على ذلك ، يتعين على باكستان العمل في بيئة تحظى فيها ضماناتها بمصداقية محدودة لدى صناع القرار الإيرانيين.

وعلاوة على ذلك، تتفاعل الريبة لدى إيران مع معضلات أمنية إقليمية أوسع نطاقا: إذ لا تنظر طهران إلى عمليات وقف إطلاق النار على أنها آليات لتحقيق الاستقرار، بل كفترات توقف محتملة ربما يستغلها الخصوم. ومن المفارقة أن الولايات المتحدة وإسرائيل تنظران إلى التوقف المحتمل على نحو مماثل (أي أن إيران ستعيد تخزين الصواريخ الباليستية وتنتج طائرات مسيرة بكميات كبيرة استعدادا للموجة التالية من الهجمات). وبالنسبة لجهود الوساطة من جانب باكستان، فإن هذا يعني أن أي مبادرة دبلوماسية يجب ألا تعالج الوقف الفوري للأعمال العدائية فحسب ، ولكن أيضا المخاوف الأمنية الأساسية التي تعد الدافع وراء معارضة إيران.

قطر وتركيا ومصر والصين كوسطاء

وسوف يتمثل تحد رئيسي آخر يواجه باكستان في التوسط في النزاع الإيراني ، في تحديد ما إذا كانت ستصبح الوسيط الرئيسي الوحيد أو سوف تضم تركيا ومصر والصين إلى هذه الوساطة وتسند أدوارا محددة لهم في العملية. وسوف تعتمد باكستان على حليفتها القوية قطر في التخطيط الاستراتيجي وتنفيذ جهود الوساطة. وفي السنوات الـ 25 الماضية، برزت قطر كوسيط دولي في لبنان (2008)، والسودان (2011)، وليبيا (2022)، وأفغانستان (2019)، وغزة (2025).

غير أن قطر لا يمكن أن تكون في هذه المرة وسيطا فاعلا ، لأن إيران تعتبر الدوحة ، التي تستضيف مقر القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في قاعدة العديد الجوية، شريكة في الحرب. وعلاوة على ذلك، استهدفت إيران مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، وهي أكبر مركز للغاز الطبيعي المسال في العالم، ومجمع مسيعيد للبتروكيماويات.

ومن جهة، فإذا شكلت باكستان تحالفا من الوسطاء، فسيكون لديه نفوذ أكبر وقدرة وساطة أوسع للتوصل إلى اتفاق بفضل ثقله السياسي والدبلوماسي والاقتصادي المشترك ويمكن أن يضغط تحالف الوسطاء وباكستان على إيران للحصول على مكافآت في شكل حوافز سياسية أو اقتصادية، إضافة إلى الحصول على ضمانات أمنية بألا تشن الولايات المتحدة وإسرائيل مزيدا من الهجمات.

ومن جهة أخرى ، فإن تشكيل تحالف من الوسطاء، يمكن أن يشكل تحديات كبيرة في التنسيق للتوصل إلى اتفاق لأن كل دولة مشاركة تجلب أولوياتها الاستراتيجية والتزاماتها المعيارية وأهدافها النهائية إلى طاولة المفاوضات.

ويمكن أن تتمخض هذه الطموحات المتعارضة عن منافسة داخل التحالف، واتصالات غير متناغمة ، وأطر متنافسة للتسوية، ومن شأن كل ذلك أن يعقد ترابط وتماسك جهد الوساطة.

وعندما تصبح هذه الاختلافات واضحة ، فربما يسعى أعضاء التحالف إلى مبادرات أحادية الجانب ، ويعطون أفضلية لمصالحهم الجيوسياسية، أو يدعمون بشكل انتقائي أطرافا معينة في النزاع، وبالتالي تقويض مصداقية التحالف.

ويتسبب عدم التوافق الناتج في حدوث فجوات للساعين إلى أفساد جهود الوساطة ، حيث يقوم الوسطاء الأفراد - عن قصد أو عن غير قصد - بعرقلة المفاوضات، أو تمييع وأضعاف المبادئ المتفق عليها، أو تحفيز أطراف النزاع على الانحياز بطرق غير متوقعة.

وسوف تحتاج باكستان إلى صياغة إطار عمل لوساطة يكون قادرا على التغلب على انعدام الثقة الراسخ من خلال آليات انخراط متتابعة وذات مصداقية، يمكنها إعادة ضبط المفاهيم العدائية ودفع الأطراف نحو حوار قائم على الحلول.

واختتم الهدى تقريره بالقول إن الشئ الأهم من ذلك كله ، هو أن باكستان سوف تحتاج إلى إقناع جميع الأطراف بأن وقف إطلاق النار ووجود شرق أوسط مستقر وسلمي يخدمان مصالحها الاستراتيجية على المدى الطويل .