نساء غزة في العيد.. محاولات صغيرة لترميم الحياة وسط الركام
لم تكن الحجة نوال أبو سعدة، (60 عامًا)، تتخيل أن قطعة قماش قد تتحول يومًا إلى وسيلة نجاة، ولا أن قطعة القماش التي اعتاد الناس استخدامها للدفء فقط، يمكن أن تصبح معطفًا لطفل داخل خيمة نزوح على أطراف مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة ، لكن الحرب غيّرت كل شيء.
في غزة، لم تعد الأشياء تؤدي وظائفها المعتادة. البيوت تحولت إلى ركام، المدارس إلى مراكز إيواء، والخيام إلى مدن كاملة يسكنها الناجون من القصف والجوع والخوف. أما النساء، فقد وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة حياة جديدة، قاسية ومجردة من أبسط مقومات العيش.
داخل خيمة صغيرة في منطقة المواصي، تجلس الحجة نوال النازحة من مشروع بيت لاهيا شمال القطاع، محاطة بأكوام من الملابس القديمة، وقطع القماش البالية، وخيوط متشابكة، وماكينة خياطة وحيدة تعمل بطريقة بدائية بواسطة دواسات دراجة هوائية متصلة بحزام الماكينة.
في المكان، لا يوجد ضجيج آلات حديثة، ولا كهرباء مستقرة، ولا مواد خام كافية. فقط أصوات المقصات، واحتكاك الإبر بالقماش، وأنفاس نساء يحاولن ترميم الحياة بما تبقى من أمل.
تقول بصوت يختلط فيه الإرهاق بالإصرار: "عندما نزح الناس تركوا كل شيء خلفهم ، كثير من الأطفال خرجوا بملابس الصيف فقط كنت أرى الأمهات ليلاً يحاولن تغطية أطفالهن بأي قطعة قماش متوفرة. وقتها شعرت أننا لا نحتاج فقط للطعام، نحن بحاجة لشيء يحفظ كرامة الناس ويُدخل الفرح على أبنائهم”.
من هنا بدأت الحكاية
اشترت الحجة نوال ما استطاعت من ملابس قديمة، وجمعت حولها فريقًا من الخياطين والحرفيين الذين فقدوا أعمالهم خلال الحرب. اليوم، يعمل معها خمس نساء، بعضهن بأجر رمزي، وأخريات متطوعات بالكامل.
داخل الخيمة، يتحرك الجميع كخلية نحل. امرأة تقص القماش يدويًا، وأخرى تخيط أطراف معطف صغير، وثالثة تعيد إصلاح سترة ممزقة لطفل نازح.
لا أحد هنا يتحدث عن الربح تقول نوال: "هذا المشروع إنساني قبل أي شيء. نحن نحاول فقط أن نساعد الناس على النجاة وأن نمنح العاملين معنا فرصة لإعالة أسرهم”.
لكن المهمة ليست سهلة
أسعار القماش ارتفعت بشكل هائل بسبب الحرب وشحّ البضائع، فيما تعاني الورشة من نقص مستمر في الكهرباء والوقود، ما يضطر الفريق للاعتماد على ألواح الطاقة الشمسية والعمل اليدوي لساعات طويلة.
ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تزداد مشاهد الألم داخل الخيام قسوة. فالعيد الذي كان يومًا مساحة للفرح والزيارات العائلية وملابس الأطفال الجديدة، يصل هذا العام إلى غزة مثقلًا بالحرب والجوع والفقدان.
لا حجاج غادروا من القطاع كما اعتاد الناس كل عام، ولا عائلات تجتمع لتوديعهم بالدعوات والزغاريد، بعدما أغلقت الحرب الطرق والمعابر، وسلبت الناس حتى قدرتهم على الحلم.
وفي الأسواق القليلة التي ما تزال تعمل، تغيب معظم مظاهر العيد. الأضاحي شبه معدومة، وأسعار اللحوم تفوق قدرة العائلات المنهكة أصلًا من النزوح والجوع، فيما تحولت أمنيات الأطفال بشراء ملابس جديدة أو قطعة حلوى بسيطة إلى رفاهية بعيدة المنال.
داخل خيام النزوح، تحاول الأمهات اختراع فرح صغير من العدم. تغسل إحداهن قطعة ملابس قديمة لطفلها استعدادًا للعيد، بينما تنتظر أخرى أن تتمكن الحجة نوال وفريقها من تحويل بطانية مهترئة إلى معطف أو فستان يمنح طفلًا شعورًا عابرًا بالبهجة.
تقول الحجة نوال: "في كل عام كنا نخيط ملابس العيد بفرح ، اليوم نخيط فقط كي لا يبقى الأطفال يرتجفون داخل الخيام”.
أما الأطفال، الذين كانوا ينتظرون العيد كأجمل أيام السنة، فيقضون أيامهم اليوم بين الخيام وصفوف المياه ونقاط توزيع المساعدات، بينما تحاول الأمهات إخفاء حزنهن حتى لا يشعر الصغار بحجم الفقد الذي يحيط بهم.
ورغم كل هذا الخراب، يتوافد النازحون يوميًا إلى الخيمة، حاملين معهم ما تبقى من ملابس أو أغطية، راجين تحويلها إلى شيء قابل للاستخدام.
خلال وجودنا في المشغل، وصلت امرأة أرملة من شمال غزة تحمل بطانية قديمة مهترئة. كانت تصحب أطفالها الثلاثة الذين يحلمون بارتداء ملابس العيد. وقفت بصمت طويل قبل أن تقول: "لا أريد شيئًا لنفسي فقط اصنعوا لهم ملابس لتفرحهم”.
مثل هذه المشاهد أصبحت جزءًا يوميًا من حياة نوال وفريقها. وتقول: "أحيانًا لا نتقاضى أي مبلغ. هناك حالات لا تستطيع دفع شيء إطلاقًا كيف يمكن أن نطلب المال من أم لا تجد الطعام لأطفالها؟”.
ومن بين العاملات داخل الخيمة، تجلس مريم عايش، 53 عامًا، النازحة من بيت لاهيا شمال قطاع غزة. تعمل يوميًا من التاسعة صباحًا حتى الثالثة عصرًا، رغم قسوة العمل اليدوي.
تقول مريم وهي تحاول تثبيت قطعة قماش صغيرة: "جئت إلى هنا لأتعلم الخياطة وأساعد أسرتي. نحن 14 فردًا نعيش في خيمة واحدة. عندما نزحنا خرجنا فقط بالملابس التي كنا نرتديها وحين عدنا إلى منزلنا وجدناه كومة حجارة”.
مريم ليست وحدها
في زاوية أخرى من المخيم، تحاول أم محمد، وهي سيدة خمسينية كانت تعمل سابقًا في إعداد الحلويات المنزلية، أن تبدأ من جديد داخل خيمة صغيرة حولتها إلى مطبخ بدائي.
تقول: "كنت أملك مطبخًا معروفًا في غزة ، اليوم أطبخ على الحطب. الحرب أخذت كل شيء، لكنني لا أريد أن أمد يدي لأحد”.
أما سمر، وهي معلمة فقدت مدرستها ومنزلها، فقد بدأت بإعطاء دروس للأطفال داخل خيام النزوح مقابل مبالغ رمزية أو حتى دون مقابل.
تقول: "الأطفال هنا لا يفقدون التعليم فقط، هم يفقدون شعورهم بالحياة الطبيعية. أحاول أن أعيد لهم شيئًا من الطفولة ، في كل مرة للنزوح كنت أبدأ من الصفر ، لكن هذه المرة كان الفقد أكبر من أي وقت مضى”.
ورغم ذلك، لم تستسلم تضيف: "المساعدات لا تكفي للعيش. العمل بالنسبة لنا ليس رفاهية بل وسيلة للبقاء في هذه الظروف الصعبه”.
الحكايات تتشابه في غزة،
نساء فقدن بيوتهن وأزواجهن وأعمالهن، لكنهن يرفضن الاستسلام الكامل للخراب. وفي كل خيمة، توجد محاولة صغيرة لإعادة بناء الحياة، ولو بخيط وإبرة.
بحسب بيانات الأمم المتحدة، قُتلت أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة في غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023 وحتى نهاية عام 2025، بينهن أكثر من 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة، بمعدل 47 امرأة وفتاة تُقتل يوميًا. كما تجاوز إجمالي الشهداء في القطاع 72 ألف شهيد، إلى جانب عشرات آلاف الجرحى والمفقودين تحت الأنقاض.
وتؤكد تقارير أممية أن النساء في غزة أصبحن يتحملن العبء الأكبر للحرب، بعد فقدان الأزواج والمعيلين، وتحول آلاف الأسر إلى أسر تعيلها النساء وسط انهيار اقتصادي وإنساني غير مسبوق.
ورغم هذا الخراب الهائل، ما تزال نساء غزة يفتحن أبواب الخيام كل صباح، ويحاولن بدء يوم جديد.
لا يملكن رفاهية اليأس.
ففي مكان تُقصف فيه البيوت، وتُحاصر فيه الحياة، تصبح محاولة امرأة لخياطة معطف لطفل نازح... فعل مقاومة.
