لماذا يرفض ترامب في "الاستقلال" الاستراتيجي الأوروبي؟
واشنطن"د. ب. أ": على الرغم من انتقادها للتحالف، لا تزال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ترغب في أن تشتري أوروبا التكنولوجيا الدفاعية الأمريكية وأن تستضيف قواعد أمريكية من أجل حرب إيران، وذلك وفقا لمحلل السياسي توماس كافانا، الباحث غير المقيم في مؤسسة "أولويات الدفاع" البحثية، والزائر الأكاديمي في جامعة ليهاي.
وقال كافانا في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية إن إدارة ترامب، جددت في الأسابيع الأخيرة هجماتها على أوروبا وهددت بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) لأن أعضاء الحلف رفضوا دعم الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما مع إيران. وبالإضافة إلى ذلك، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) في الأول من مايو الجاري سحب 5 آلاف جندي من القواعد الأمريكية في ألمانيا خلال العام المقبل.
وعلى الرغم من تصريحاتها النارية ضد حلف الناتو، قإن الحقيقة هي أن إدارة ترامب لا تزال ترغب بشدة في إبقاء أوروبا معتمدة على واشنطن، لكي تستمر مشاركة أمريكا في المنطقة بشكل دائم بلا فائدة.
وأشار كافانا إلى أن الرئيس دونالد ترامب سخر من حلف الناتو ووصفه بأنه "نمر من ورق" لا يمكن الوثوق به، وأعلن أن الانسحاب من الحلف أصبح "غير قابل للنقاش"، وقال إنه ينبغي على القادة الأوروبيين "أن يتعلموا كيف يدافعون عن أنفسهم"، حتى أنه جدد مزاعمه بشأن جزيرة جرينلاند. واعتبر كافانا أن غضب ترامب غير منطقي، فقد تجنب حلفاء الناتو المشاركة في تدخلات الدول الأعضاء الأخرى عندما لا تستوفي هذه التدخلات معيار الدفاع الجماعي.
"الهجوم المسلح" على الحلف
وعندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل أعمالا عدائية ضد إيران في أواخر فبراير، خرجت الحرب عن نطاق المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، والتي لا يمكن تفعيلها إلا في حالة "الهجوم المسلح" على الحلف. وعلى أي حال، لا يمكن تفعيل هذه المادة بشكل تلقائي للدفاع الجماعي، نظرا لأنها تطالب الحلف فقط بـ"مساعدة الطرف أو الأطراف المستهدفة بأن يتخذ على الفور، بشكل فردي وبالتنسيق مع الأطراف الأخرى، الإجراء الذي يراه ضروريا، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، لاستعادة الأمن في منطقة شمال الأطلسي والحفاظ عليه".
وقد هدد الرئيس ترامب في السابق بالانسحاب من حلف الناتو، إلا أن القيام بذلك رسميا يعد خطوة شبه مستحيلة نظرا لتصديق مجلس الشيوخ الأمريكي على معاهدة الحلف لعام 1949، والتشريع الذي أقره الكونجرس عام 2023 لمنع أي رئيس من "تعليق العضوية في الحلف أو إنهائها أو الاعتراض عليها أو الانسحاب منها" دون تفويض.
وقال كافانا إنه على الرغم من ذلك، تستطيع إدارة ترامب أن تسلك مسارات أخرى، كعرقلة عملية صنع القرار في الناتو، أو زيادة سحب القوات من أوروبا، أو تقويض الثقة عبر الأطلسي بشكل أكبر. وقد تجاوز الناتو أزمات أخرى من قبل، حيث لم يؤيد التدخلين الأمريكيين الكارثيين في فيتنام والعراق.
وقد أسفرت شكاوى إدارة ترامب السابقة بشأن حلف الناتو عن بعض النتائج، بما في ذلك تعهد كل عضو في الحلف (باستثناء إسبانيا) بإنفاق 5% من ناتجه المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2035، وإدراك أوروبا المتزايد لضرورة الحد من اعتمادها المجاني على الدعم الدفاعي الأمريكي. ويرى كافانا أن ما ينقص واشنطن هو وجود رغبة جادة في التخلي عن نفوذها على القارة، وهو العامل الرئيسي الذي يشجع حلفاءنا على مواصلة هذا الاعتماد المجاني. وتعترف إدارة ترامب، التي تدعي أنها تعتبر أوروبا "حيوية من الناحية الاستراتيجية والثقافية" للولايات المتحدة، بالدور المحوري لحلف الناتو في تشكيل النفوذ الأمريكي في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، بعد أن تخلت إدارة ترامب عن مبدأ عدم التدخل، فإنها تنظر الآن إلى أوروبا (كما فعلت الإدارات السابقة) كمنصة انطلاق لاستعراض القوة في جميع أنحاء أوراسيا.
70 ألف جندي في أوروبا
واعتبر كافانا أن هذا يفسر إلى حد كبير سبب استمرار الولايات المتحدة في نشر أكثر من 70 ألف جندي في أوروبا، واحتفاظها بالقيادة العليا لحلف الناتو، ومشاركتها الكاملة في أنشطته اليومية. وقد تطيل الحرب في إيران هذا النمط، حيث تعتمد جهود واشنطن الحربية على قواعدها في أوروبا. وتذكر خطط تصنيف الدول الأوروبية وإعادة توزيع القوات الأمريكية بناء على مستوى دعم تلك الدول، بتكتيكات فرق تسد التي استخدمها ترامب ورؤساء أمريكيون آخرون في المنطقة منذ بداية الحرب الباردة. ورغم أن خطابه عدائي في كثير من الأحيان، فإن لدى الرئيس ترامب نمط لتخفيف حدة كلماته بسرعة عند الضرورة، كما اتضح في نهاية الجدل حول جرينلاند في العام الماضي.
ويرى كافانا أن الخلافات الحالية قد تحفز صحوة استراتيجية في أوروبا، حيث أن واشنطن لم تستشر حلفاءها قبل الحرب الإيرانية، وحاولت إجبارهم على القيام بعمليات بالغة الخطورة في الخليج وأخرت صادرات الأسلحة إلى أوروبا مع استمرار الصراع. وإلى جانب الاختلالات الصارخة في النظام السياسي الأمريكي، قد تدفع هذه التحركات القادة الأوروبيين إلى التشكيك في مصداقية واشنطن، خاصة في ظل الخسائر التي خلفتها الحرب على الاقتصاد الأوروبي وعدم شعبيتها بين عامة المواطنين. ومع ذلك، ورغم إمكاناتها الاقتصادية والعسكرية، لا تزال الدول الأوروبية تعتمد اعتمادا كبيرا على الأسلحة الأمريكية والتكنولوجيات الدفاعية، فضلا عن اعتمادها على مجالات استراتيجية أخرى، بما في ذلك الطاقة والتمويل.
تهديدات جوفاء بطموحات الهيمنة
وقد شجع الرئيس ترامب هذا الاعتماد بإصراره على شراء أوروبا منصات دفاعية أمريكية. وبعيدا عن سياسات واشنطن المهيمنة، ينبع هذا الوضع من الخلافات السياسية والاستراتيجية المتأصلة في أوروبا والتنافس بين مصنعي معدات الدفاع والقيود المالية. ويؤدي الاعتماد بدوره إلى تفاقم الضعف. ورغم تحفظاتهم، تعامل القادة الأوروبيون مع الحرب الإيرانية بطريقة غير منظمة. فعلى سبيل المثال، تواصل ألمانيا والمملكة المتحدة ودول أخرى دعم العمليات الأمريكية بصورة ما، بما في ذلك الدعم اللوجيستي والتحليق فوق المجال الجوي، رغم انتقاد حكوماتهم العلني للحرب.
وبشكل أعم، لا يزال القادة الأوروبيون، الذين استجابوا بإيجابية كلما لعبت إدارة ترامب بورقة الاسترضاء مع روسيا، ملتزمين بمنع حدوث صدع.
وبالتالي، ربما لا يزال البعض منهم يميل إلى تجاوز فترة ولاية ترامب دون إجراء أي تغييرات هيكلية. لكن الفوائد التي تحققها واشنطن من هذا الترتيب وهمية وغير مفيدة. وإذا استمر هذا الترتيب فإن عبء الدفاع الأوروبي، فقد يحول دون إعادة توجيه واشنطن مواردها نحو أولوياتها الداخلية ونصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
واختتم كافانا تحليله بالقول إنه بدلا من إطلاق تهديدات جوفاء مع التشبث بطموحات الهيمنة، ينبغي على الولايات المتحدة أن تتعامل بشكل بناء مع أوروبا، وأن تشجع استقلال أوروبا الاستراتيجي، والأهم من ذلك، أن تتخذ إجراءات ملموسة للانسحاب من المنطقة.
