لبنان.. ماذا بعد الرسائل الإسرائيليّة "المسيّرة" جوّاً وبحراً؟
فيما لا تزال المنطقة معلّقة على ما ستؤول إليه تطوّرات الصراع بين واشنطن وطهران، وخصوصاً أن التناقضات في التسريبات والمواقف هي، بحسب القراءات المتعدّدة، جزء من اللعبة التفاوضيّة، لكنّها في الوقت عينه تنطوي على جهوزيّة واضحة للحرب، إنضمّ لبنان، إعتباراً من ليل 20 من الجاري، إلى محور التصعيد في المنطقة، وذلك من خلال الغارات الإسرائيلية النوعيّة التي استهدفت "حزب الله" في البقاع، حيث قضى ثمانية من عناصره خلال اجتماع كان يضمّهم، إضافة الى أربعة مدنيّين، وحركة "حماس" في مخيّم عين الحلوة (صيدا)، حيث أدّت الى مقتل شخصين منها، على نحو أعاد حرب الـ66 يوماً الى الواجهة مجدّداً.
وفي خضمّ التطورات الإقليمية المقلقة، والتي إمّا تنتِج عاصفة حرب أو يسقط "مطر" التفاوض على أرض المعركة الجاهزة، وخصوصاً أن في واشنطن مهلة رئاسيّة تُقاس بالأيام، صعّدت إسرائيل عدوانها على لبنان، فاستهدفت سفنها الحربيّة شقّة في مخيّم عين الحلوة لـ"اللاجئين" الفلسطينيين مجدّداً، بالتزامن مع طرح المرحلة الثانية من حصر السلاح بيد الدولة شمال الليطاني، والتي تمتدّ حتى نهر الأوّلي، والتي يقع المخيم في نطاقها، فيما تولّى طيرانها الحربي استهداف البقاع بـ6 غارات، طاولت رياق وتمنين التحتا وبدنايل باعتداءٍ تساقطت فيه الصواريخ على قرى وبلدات بعلبك. وذلك، في رسالة بمضمون واضح، ومفادها أن تلّ أبيب، ووفق قول مصدر سياسي بارز، تريد أن تقول للمسؤولين اللبنانيين: نحن هنا، فاستعدّوا للأسوأ، إذا لم تسيروا وفق ما نخطّط له. والتخطيط هنا عنوانه عدم التدخّل في حال حصول عدوان على إيران، وإلا فإن الكلمة الأولى والأخيرة ستكون للغة الحديد والنار، وإسرائيل ستواصل تنفيذ عمليات عسكرية وأمنية عندما تشاء، وكيفما تشاء، وحيثما تشاء. وعليه، ووفق المصدر نفسه، تبدو الغارات أكثر من فعل عسكريّ مباشر. إنّها رسالة محمّلة بإشارات، تتجاوز البقاع إلى بيروت، وتتعدّى الداخل إلى الإقليم.
ووسط الرسائل المتبادلة، التي تتأرجح بين التهديد والتهدئة، على وتيرة ارتفاع وانخفاض تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب على إيران، فإن ثمّة كلاماً عن أن التوازن الدقيق بين التصعيد والتفاوض ينعكس مباشرة على المسار السياسي في لبنان، لدفعه أكثر الى الإسراع في سحب سلاح "حزب الله"، وخصوصاً في ظلّ مهلة موزّعة بين أرقام وقرار، ومساحة من نار "يلعب" فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باتجاه الإستعجال لقيام حرب، تبدأ بتاريخ محدّد ولا يُعرف متى تقع نهاياتها. أما بحسب ما يتردّد في الكواليس الدبلوماسيّة، فإن إسرائيل لديها نحو 1200 هدف في لبنان، ستكون جاهزة لضربها، في حال قام "حزب الله" بأيّ عملية إسناد لإيران، أو انخرط في الحرب الى جانبها. وذلك، وسط مخاوف من احتمال لجوء إسرائيل إلى تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، تستهدف مناطق في البقاع تحديداً، بوصفه بالنسبة لها "الخزّان الإستراتيجي" للصواريخ الدقيقة والبعيدة المدى لـ"حزب الله".
بداية جولة
وفيما مسار العدوان الإسرائيلي على لبنان ليس بالأمر الجديد، إلا أن جولته الأخيرة، وبحسب قول اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي لـ"عُمان"، حملت في طيّاتها إشارة واضحة الى أن "إسرائيل تريد أن تكون آمنة الجانب من الجهة اللبنانية، في حال توجيه ضربات الى إيران، على أن لا يتمّ إشغال دفاعاتها الجويّة بالتصدّي لصواريخ صادرة عن لبنان في الوقت الذي قد يكون عليها أن تتصدّى للصواريخ القادمة من إيران"، أي بمعنى "أن تكون جبهة لبنان تحت السيطرة التامّة قبل توجيه أيّة ضربة لإيران"، مع إشارته الى أن ضربة اليوم كانت محدودة بمنطقتَي إقليم التفاح والبقاع، أي في "الأماكن التي تحتمل إسرائيل أن تكون صواريخ حزب الله ما زالت موجودة فيها"، وذلك بالرغم من أن "ليس لدى أميركا وإسرائيل تأكيدات أو نفي بوجود صواريخ يمكن أن تُطلق باتجاه إسرائيل، في حال المواجهة مع إيران". وعليه، أعرب شحيتلي عن اعتقاده بأن ضربة اليوم هي بداية ضربات، ربّما يتعرّض لها لبنان، قبل قيام واشنطن وتلّ أبيب باستهداف طهران.
3 رسائل
وفي وقت تتشابك فيه حسابات الداخل بتبدّلات الإقليم، أشار الباحث في الشؤون الأمنيّة والإستراتيجيّة، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، الى أن الضربة الإسرائيليّة الأخيرة حملت في مضامينها 3 رسائل، وذلك بدءاً من كونها جاءت "إستثنائيّة"، بحيث شهدت إشراكاً لسلاح البحر خلال إستهداف مخيم عين الحلوة بالغارات الجويّة التي استهدفت قرى وبلدات في البقاع الأوسط والشمالي، مع ما يعنيه الأمر وفق قوله لـ"عُمان"، من أن إسرائيل أرادت التأكيد على قوّة أساطيلها الحربيّة البحريّة، القادرة على استهداف أيّ مكان في إطار الحرب المفتوحة، كما أرادت أن تخصّ "حزب الله" بالقول إن "انشغال طيرانها بحروب أخرى، وعلى مسافات بعيدة، على طهران مثلاً، لا يعني أن السماء فارغة، وأن باستطاعة الحزب العبث أو العمل بما يرتأيه".
أما الرسالة الثانية، بحسب رأي ملاعب، فـ"نوعيّة" من حيث أن استهداف المناطق المكتظة بسكانها هي بمثابة استهداف لأيّ اجتماعات تُعقد فيها، فيما الرسالة الثالثة موجّهة تحديداً الى الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، الذي قال: "لن نبقى على الحياد"، وبالتالي فإن إسرائيل أرادت إبلاغه أن "ما قبل العملية العسكرية على طهران، يجب أن تنتبه، فأيّ محاولة سوف تُقمع، ولا محظور أمام الطيران الإسرائيلي".
ومن بوّابة الرسائل المحمّلة بإشارات، تتجاوز البقاع إلى بيروت، وتتعدّى الداخل إلى الإقليم، يبدو لبنان كأنه يعيش حالة من "الستاتيكو القلق"، إذْ تتقاطع فيه نسبياً تطوّرات الإقليم والعالم، خصوصاً في ما يتعلّق بإيران من جهة والصراع مع إسرائيل من جهة ثانية، ما يؤشر، وفق قول مصادر مراقبة، الى أنه سيبقى، وحتى إشعار آخر، منصّة للإشتباك الإقليمي، ومساحة ضغط مفتوحة على أكثر من اتجاه، وإنْ وسط وجود سِباق عربي ودولي مع الوقت، لتثبيت ركائزه قبل وقوع الإنفجار الإقليمي الكبير. أما إسرائيل، ووفق تقديرات المصادر نفسها، فتبدو ممسكةً بقرار مزدوج: ضرب أهداف مرتبطة بالبنية العسكريّة، وترك أثر سياسي مباشر، يحرِج الدولة ويعمّق النقاش الداخلي حول حصريّة السلاح ومراحل تطبيقه.
