لبنان في ظلال "هدنة" الـ45 يوماً.. وموعدان على أجندة التفاوض
تزامنا مع انتهاء هدنة الـ21 يوماً، التي سبق أن أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبدأت في 23 أبريل الفائت، إستكمالاً لهدنة 17 منه، دخل لبنان، بدءاً من يوم (الأحد)، في تمديد جديد لهذه الهدنة، ولمدّة محدّدة بـ45 يوماً. أما على الأرض، حيث اتّسع الميدان وضاقت السياسة، فلا يزال الجنوب في عين عاصفة الإنذارات والغارات الإسرائيلية المتواصلة على بلداته وقراه، في مشهد يبقي احتمالات عودة الحرب الشاملة قائمة في أيّ لحظة، في حين إختصر وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير كلّ الكلام، وقالها بالفم الملآن: نريد الإستيطان في لبنان!
وما بين المشهدين، دخل لبنان مرحلة جديدة من اختبار النار والسياسة معاً، ذلك أن الهدنة التي يُفترض أن تخفّف وتيرة المواجهات بقيت، حتى ساعاتها الأولى، أسيرة الشكوك والإنذارات والغارات، فيما واصل "حزب الله" عملياته العسكرية. أمّا التمديد الجديد لـ"الهدنة"، بنسختها الثالثة، فلم يأتِ من العدم، بل اقتضاه فعل المفاوضات الثنائيّة التي جمعت لبنان وإسرائيل، بمشاركة مدنية وعسكرية وبرعاية أمريكيّة، يومَي الخميس والجمعة الفائتين.. مفاوضات ثنائيّة مباشرة، هي الأولى من نوعها فعلياً بعد جولتين تمهيديّتين، أتت في ظلّ ضغوط دولية متزايدة لمنع توسّع المواجهة جنوباً، ووسط تساؤلات داخلية حول حدود هذه المفاوضات وجدواها، وما إذا كانت تقتصر على ترتيبات أمنية وميدانية، أم أنها تشكل مدخلاً لمسار سياسي أوسع. ذلك أنه، وبعد 4 جلسات متتالية من المحادثات بين الجانبين، والتي انطلقت بتناقضات واضحة في الأولويّات والأهداف بينهما، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية منشوراً، مدّد نظرياً وقف النار الذي انتهى اليوم لـ45 يوماً إضافياً، ومهّدَ لإطلاق مساريْن: أمني عبر اجتماع في البنتاجون في 29 من الجاري، وسياسيٍ عبر اجتماع جديد يُعقد في وزارة الخارجية الأمريكية في 2 و3 يونيو المقبل.
الديبلوماسيّة مجدّداً
وفي انتظار الساعات المقبلة، وما قد تحمله لجلاء غموض المحاولات الجارية لتثبيت وقف النار، لا يزال الإلتباس الواسع يشوب النتائج المعلنة للجولة الثالثة من المفاوضات، وسط انطباعات حيال استمرار الوضع الميداني على حاله الراهنة بين الإنذارات والغارات الإسرائيلية والمحلّقات التي يطلقها "حزب الله". ففيما ثمّة من يعتبر أن جولة المفاوضات الأخيرة أفضت الى تحقيق تقدّم دبلوماسي ملموس لصالح لبنان، بما يعزّز فرص تسوية سلميّة شاملة، فإن بعض القراءات العسكرية الأوليّة تشير الى أن ما أُعلن لا يبدو سوى استمرار لواقع العدوان الإسرائيلي، ما لم تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق نار فعلي. ذلك أن البيان الختامي الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية تضمّن، وفق البعض الأخير، أقلّ من المتوقع، وفيه من الغموض ما يعزّز المخاوف من نوايا إسرائيل ومآربها، خصوصاً إذا ما شكّلت الهدنة السارية حالياً فرصة لاستمرار سياستها في هدم المنازل وإقامة مناطق عازلة.
وما بين مضامين القراءات العسكرية لبيان وقف إطلاق النار إشارة الى أن ما يصبو إليه لبنان هو وقف نار شامل ونهائي، يليه إنسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي يحتلّها جنوباً، فيما إسرائيل تريد اتفاقاً شاملاً على ترتيبات تنهي مسألة سلاح "حزب الله"، تكون شريكاً فيها أو شاهداً عليها. وما بينهما واشنطن التي، ووفق قول مصادر دبلوماسيّة، تسعى الى ترسيخ صيغة تفاوضية أكثر فعالية من كلّ ما سبق، ومفادها الدفع باتجاه إلزام لبنان وإسرائيل بإطار سياسي وأمني متوازٍ.
وطبقاً لمصادر "حزب الله"، فإن الحزب لن يبني على مندرجات واشنطن، التي هي ليست سوى "محاولة لخفض التوتر"، إنّما على وقائع الميدان ويوميّاته وكيفية تعاطي إسرائيل مع مقتضيات الهدنة، مع احتفاظه بحقّه الكامل في "مقاومة الإحتلال وتحرير الأرض"، وفق المصادر نفسها، والتي أشارت الى أن الحزب ترك لقيادة جناحه العسكري إجراء المقتضى على وقف إطلاق النار أولاً، و"إلا تفقد المفاوضات شرعيّتها". وبمعنى أدقّ، فإن الحزب سيلتزم حكماً بوقف نار نهائي، إذا التزمت به إسرائيل، وسط ثبات موقفه الرافض للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، بصفتها لا تعنيه، لا في شكلها ولا في نتائجها.
وهكذا، فإنّ طاولة واشنطن "رسمت" غد لبنان، وهو ما أشار اليه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بأنّ أيّ اتفاق "يجب أن يحظى بمظلّة ضمانات، سعودية- إيرانية- أمريكية". وهنا بيت القصيد، حيث أن الرؤساء الثلاثة، جوزف عون ونبيه برّي ونوّاف سلام، مجمعون على وحدة الموقف الثابت تجاه وقف شامل وكامل لإطلاق النار، بعيداً من أيّ هدنة مؤقتة، مع التعويل الرسمي على الموقف الأمريكي المتفهّم للظروف اللبنانية، ليكون عامل ضغط على إسرائيل.
وعلى هذه الثابتة وآليتها ومدّتها، فإن البيان المقتضب الذي صدر عن وزارة الخارجية الأمريكية، في ختام الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية التي عُقدت في واشنطن، شكّل بحسب مصادر سياسية متابعة إثباتاً لعدم حصول إختراق كبير، ولكنّه في الوقت عينه سجّل تقدّماً في نقطتين على الأقلّ: "تمديد" وقف إطلاق النار 45 يوماً لـ"السماح بمزيد من التقدّم"، لا "تثبيته" كما كان يطالب لبنان، وتحديد موعد الجولة التفاوضيّة الرابعة بشقّها السياسي، في 2 و3 يونيو المقبل، على أن يسبقها إطلاق مسار أمني في البنتاغون، في 29 من الجاري، بين وفود عسكرية من لبنان وإسرائيل، وذلك من أجل "تعزيز الزخم السياسي الذي تحقّق خلال الأيام الماضية"، وفق البيان الصادر عن الوفد اللبناني المشارك في المفاوضات، والذي ترأّسه السفير السابق لدى واشنطن سيمون كرم.
أمّا على المقلب الآخر من الصورة، وتحديداً لجهة التناقضات بين الموقفين اللبناني والإسرائيلي، فكلامٌ لمصادر عسكرية عن أن التفاوض، حتى تاريخه، يسير "مترنّحاً" ومحاولاً إجتياز "حقل الألغام"، فيما الثابت، حتى الآن، أنّ أي اتفاق لا يمكن أن يصمد إذا لم يُترجم عملياً على الأرض، مع ما يعنيه الأمر، من أن مهلة الـ45 يوماً لن تكون مجرد مهلة تقنية، بل اختباراً فعلياً لجديّة المسار التفاوضي، بشقّيه السياسي والعسكري.
.. ومساران متكاملان
وعليه، تبدو النتائج المنتظرة من المفاوضات الجارية "تحت النار وفوقها" غير مضمونة إلا بعد إطلاق مساريْن باتا واضحين: الأوّل أمني- عسكري، ينطلق من خطط تريدها أميركا وإسرائيل أن تكون مشتركة مع الجيش اللبناني لسحب سلاح "حزب الله" وتفكيك بنيته العسكرية، في سياق ترتيبات وقف إطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلي وإطلاق الأسرى وعودة النازحين الى قراهم وبلداتهم وإعادة الإعمار. وفيما سيمثل لبنان فيه وفد عسكري من قيادة الجيش، فإن للمؤسّسة العسكرية مقاربتها الخاصة وورقة عملها، التي ستتضمّن ما سبق وأنجزته في الجنوب، إلى جانب جدول زمني لأداء المهام الموكلة إليها. أمّا المسار الثاني، فمسار سياسي يتركّز على بسط سلطة الدولة، ونزع سلاح "حزب الله"، ووقف نهائي للأعمال العدائية، أو اتفاق إنهاء الحرب، أو اتفاق أمني مع ترتيبات معزّزة على الحدود.
وما بين المسارين، كلامٌ عن أن الجولة التفاوضية المقبلة ستبحث آلية مراقبة جعل الجنوب خالياً من السلاح، ومن هي الجهة التي ستكون ضامنة لذلك: قوّة ثلاثية مشتركة أمريكية- لبنانية- إسرائيلية، أم سيتمّ إدخال قوات دولية على خطّ أمن الجنوب؟
وما بين المساريْن أيضاً، وفيما مفاوضات واشنطن لم تنتقل بعد من مرحلة إدارة التصعيد الى مرحلة إنتاج تسوية واضحة، يبقى السؤال معلّقاً بانتظار ما ستشكفه الجولات المقبلة في أواخر الشهر الجاري ومطلع الشهر المقبل، ومفاده: هل يتحوّل ملفّ سلاح "حزب الله" الى الشرط الذي يحدّد إنْ كانت الدبلوماسيّة ستتقدّم، أم ستبقى أسيرة الساعة المضبوطة على توقيت الميدان؟
