لبنان.. "حبْس أنفاس" على أرضيّة "المناطق التجريبيّة" جنوباً
تدمير ممنهج للمنازل، قصف وتفجير لمشاريع المياه، إستيلاء على الركام، إحراق لأشجار الزيتون المعمّرة وأراضٍ زراعية واسعة، من صور الى بنت جبيل والنبطيّة ومرجعيون، وصولاً إلى إطلاق النار قرب نقاط تمركز الجيش اللبناني في العديد من نقاط عملياته جنوباً، والمتفق عليها مع مجموعة التنسيق العسكريّ الخاصّة بلبنان. وفي موازاة ذلك، تحليق للمسيّرات الإسرائيلية فوق الجنوب وبيروت وضاحيتها الجنوبيّة، في تكريس يومي لفكرة أنّ إسرائيل لا تتعامل مع وقف الأعمال العدائيّة بوصفه التزاماً متبادلاً، بل باعتباره مساحة "حركة مفتوحة" تتيح لها الضرب، متى شاءت وتحت أيّ ذريعة أمنيّة.. وتكرّ سبحة الإعتداءات الإسرائيلية التي لم يتّسعْ لها بيان قيادة الجيش اللبناني، وهو الذي فصّل القرى المستهدفة وتوزيع العدوان، بدءاً من كونه "خرقاً للقانون الدولي وللتفاهمات القائمة"، مروراً بكونه "معيقاً لاستكمال انتشار الجيش"، ووصولاً الى كونه "مانعاً لعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم".
وكان الجيش اللبناني خرج عن صمته، واتهم إسرائيل بعرقلة جهود تنفيذ "الإتفاق الإطار"، الموقّع في 26 يونيو الفائت بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية. وذلك، في بيان مقتضب، حمل أكثر من رسالة سياسية، ووصفه البعض بأنه "جرس إنذار" يسبق جولة "روما-2" التفاوضيّة، المقرّرة في 4 أغسطس المقبل، والتي ستشكّل "منعطفاً حاسماً"، في حال تُرجمت الضمانات الأميركية بالضغط على إسرائيل لوقف الإعتداءات وانسحابها من مناطق محتلّة، بحسب قول مصادر رسمية لـ"عُمان".
أمّا على المقلب المكمّل لهذه الصورة، فكلامٌ لرئيس مجلس النوّاب نبيه برّي عن أن تجربة بلدة زوطر الغربية، أولى "المناطق التجريبيّة، "لا تبشّر بالخير"، في ظلّ المزيد من التوغّل الإسرائيلي والتدمير، والمزيد من الإيغال بدماء اللبنانيين، لا وقف الإعتداءات والإنسحاب، وهما الخطوتان اللتان تُعتبران بحسب الرئيس برّي، فوق كلّ الأولويّات. وهنا، تجدر الإشارة الى أن عودة أهالي "زوطر الغربية" الى بلدتهم، على دفعات وتحت مرافقة الجيش اللبنانيّ، شكّلت الصورة الأكثر دلالة على مأزق "المناطق التجريبيّة" (دخول محدود، تفتيش دقيق ومنع الأهالي من التقدّم إلى عمق البلدة)، إذْ لم تعكس عودة طبيعيّة إلى الحياة، بل زيارة مقيّدة إلى مساحة منكوبة لا تزال خاضعة لحسابات أمنيّة معقّدة.
وهكذا، لا يزال المشهد الجنوبي يتقلّب بين "الزوطريْن" مثالاً، زوطر الغربية وزوطر الشرقية، إذْ تبيّن بالفحص الميداني أن الأولى أصيبت بداء الثانية، من حيث التدمير الممنهج لكلّ مقوّمات الحياة، مع إضافة أن "زوطر الغربية" عادت كـ"منطقة تجريبيّة" الى مظلّة الحماية تحت حراسة الجيش اللبناني، منذ 21 من الجاري، بموجب "الإتفاق الإطار"، في حين لا تزال "زوطر الشرقية" تحت سيطرة الإحتلال الإسرائيلي. وذلك، مثلها مثل عشرات القرى والبلدات الواقعة تحت الإحتلال، والتي حوّلها جيشه إلى مواقع لاستهداف القرى المحرّرة.
وهكذا أيضاً، وعلى مرمى حجر تتجاور "الزوطران". لكنّ المسافة بينهما باتت تُقاس بالمسافة مع العاصمة الإيطالية روما، والتي ستشهد جولة جديدة من المحادثات اللبنانية- الإسرائيلية، برعاية أميركية. وربطاً، أكدت مصادر معنية لـ"عُمان" أن "روما-2" سينتقل إلى الصفحة الثانية من "المناطق التجريبيّة"، على أن يتمسّك لبنان بتوسيع نطاقها، إضافة إلى بحث آلية الرقابة على التنفيذ، والتي بحسب المصادر نفسها، قد تتولّى مهمّتها دول عربية. وفي المقابل، فإن ثمّة من يرى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو سيحاول الدخول على خطّ عرقلة أيّ تقدّم في هذا السياق، خلال قمّته المرتقبة مع الرئيس الأمركي دونالد ترامب، غدًا (الثلاثاء)، وذلك غداة إطلاقه جملة من التهديدات، تبدأ من إيران، ولا تنتهي لا بلبنان وجيشه ولا بـ"حزب الله".
تداخل مسارات
وبين الموعدين، وما قبلهما وما بعدهما، تتداخل المسارات والإنعكاسات والنتائج. فالمحادثات المنتظرة في روما، وفق المعلومات، لن تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل ستمتدّ إلى البحث في آليات التنفيذ والرقابة، بما يجعل نتائج لقاء ترامب- نتنياهو مؤثرة في المناخ السياسي الذي ستنعقد فيه الجولة اللبنانية- الإسرائيلية. وعليه، ونتيجة استمرار الإعتداءات الإسرائيلية اليومية وعرقلة تطبيق المرحلة الأولى من "المناطق التجريبيّة"، إرتفع منسوب الكلام عن مرحلة "حبْس أنفاس" تسود وضع الجنوب، وخصوصاً أن إسرائيل واصلت انتهاك "اتفاق الإطار" وترتيبات "المنطقة التجريبيّة" الأولى، بالغارات والتفجيرات الضخمة وتجريف المنازل والتوغّل في قلب "زوطر الغربية". أمّا قوّاتها، فلا تزال مصمّمة على إسقاط منشأة علي الطاهر والدخول إليها، وسط تقديرات بأنها إذا نجحت بذلك فلن تتوقف عند تلك النقطة، بل ستعود لتوسيع عمليّتها باتجاه مواقع أساسية وإستراتيجية لـ"حزب الله" في إقليم التفاح وجبل الريحان.
"روما- 2".. والجولة الأخيرة
ومن هنا، سيكون التحدّي هو انتظار الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية في روما، والتي يُفترض أن تكون هي الجولة الأخيرة، على أن يتحوّل العمل بعدها الى الجانب التقني والعسكري.
وفي السياق، تردّدت معلوماتٌ مفادها أن لبنان سيحاول تثبيت أولويّتين: وقف الإعتداءات اليوميّة، وانسحاب إسرائيل من القرى والمواقع المحتلّة. أمّا إسرائيل، فستسعى على الأرجح إلى قلب ترتيب الأولويّات، بحيث يصبح الإنسحاب نتيجة لاحقة لإجراءات لبنانية أمنية وعسكرية وسياسية، لا خطوة واجبة بحدّ ذاتها.
وما بين مضامين الأولويّات، توقعت مصادر متابعة أن تتركّز العقدة التفاوضية حول شروط "التحقّق". ذلك أن إسرائيل مصرّة على حقّ إعادة الدخول الميداني إلى القرى المنسَحب منها، وفق أيّ توقيت تريده، بذريعة التفتيش، ودخول المنازل بحثاً عن سلاح لـ"حزب الله"، فيما الجيش اللبناني يرفض هذا الطرح كلياً، متمسّكاً بحصر التفتيش ضمن ضوابط وضمانات "صيغة الإطار"، على أن تنفّذه القوى اللبنانية الشرعية حصراً، ومن دون أيّ استباحة للسيادة.
وفي انتظار ما سيكون عليه مشهد "روما-2"، فإن ثمّة تقديرات عسكرية تشير الى أن إسرائيل لا تريد تطبيق "إتفاق الإطار"، لأنها لا تريد الإنسحاب من جنوب لبنان. فالإعتداءات المتواصلة، معطوفةً على عمليات التفجير، والإلتفاف على تطبيق "المناطق التجريبيّة"، من خلال التوغل في عدد من البلدات وتثبيت نقاط ومواقع، تشير إلى أن تلّ أبيب تؤسّس لاحتلال طويل الأمد، لن يكون من السهل أن تتخلّى عنه، إلا في حال تمكّنت من فرض شروطها وتلبية مصالحها على المدى البعيد. وبهذا المعنى، فإن إسرائيل تريد الوصول إلى روما وهي تحتفظ بقدرتها على فرض الوقائع، وتقديم كلّ انسحاب محتمل بوصفه تنازلاً مشروطاً، لا تنفيذاً لالتزام واضح. وهذا السلوك، وفق القراءات المتعدّدة، ليس تفصيلاً ميدانياً منفصلاً عن التفاوض، بل هو جزء من أدواته.. فهل تكون "روما-2" مجرّد جولة تقنيّة جديدة، أم اختباراً لقدرة لبنان على منع تحوّل "المناطق التجريبيّة" إلى غطاء لإدارة الإحتلال بدل إنهائه؟
