No Image
العرب والعالم

لبنان.. "جمْر" الغارات تحت "رماد" المفاوضات مع إسرائيل

31 يناير 2026
31 يناير 2026

بيروت "عُمان"- وفاء عواد -

على وقع تتبّع التطوّرات الإقليميّة المتصلة بالحشد العسكري والدبلوماسي الأمريكي ضدّ إيران، لا يزال لبنان يعيش مفارقة بين حدَّي اللاسلم واللاحرب، ولا سيّما من بوّابته الجنوبيّة التي شهدت خلال اليومين الأخيرين تطوّرات دراماتيكيّة بفعل الغارات الإسرائيلية، والتي تعدّت الـ30 غارة ليلاً، ما حوّل مناطق واسعة من مناطق شمالي الليطاني الى مساحات ملتهبة، مع ما يعنيه الأمر، وفق قول مصادر مراقبة لـ"عُمان"، من كون لبنان، وجنوبه تحديداً، سيبقى حتى إشعار آخر "مرصوداً" على لعنة الجوار مع إسرائيل التي ضربت "عرض النار" إتفاق 27 نوفمبر 2024، ولا تزال، بأحزمتها الناريّة شبه اليوميّة.

ولم تكن موجة الإستهدافات الإسرائيلية التي نُفّذت في الساعات الأخيرة مجرّد "روتين" حربي إسرائيلي تقليدي يتكرّر يومياً، بل تجاوزت ذلك في توقيتها، وفق تأكيد مصادر سياسية لـ"عُمان"، إذ جاءت بعد إقرار مجلس الوزراء آلية إعادة الإعمار، وقبل أن تعلن قيادة الجيش تقريرها الرابع المتعلّق باستكمال تطبيق حصريّة السلاح جنوب الليطاني، وتنطلق إلى تطبيق المرحلة الثانية من الخطّة شمال النهر (من نهر الليطاني جنوباً حتى نهر الأوّلي شمالاً). ووفق المصادر نفسها، إكتسبت موجة الإستهدافات طابع الرسائل الضمنيّة، ومفادها أن التهديدات السابقة بعملية واسعة في لبنان أريد لها أن تتفاعل من الآن، وأن تُوجّه إلى السلطات اللبنانية والدول المشاركة في "الميكانيزم" (لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية).

وما بين مضامين الرسائل، جاءت الخطوة الأمريكية التي رسمت إطار عمل "الميكانيزم" مجدداً، وحسمت التكهنات السابقة حول مصير اللجنة. ذلك أن الولايات المتحدة، وبحسب ما يتردّد، تعمل على خطّيْن: بسط الدولة سيادتها على مزيد من الأراضي اللبنانية، على قاعدة الفصل بين نزع سلاح "حزب الله" وبين الخطّ التفاوضي مع إسرائيل، وتطوير عمل "الميكانيزم" من أجل التوازي بين بسط سيادة الدولة من جهة، وبين الوصول إلى اتفاقية أمنية مع إسرائيل.

ووسط ارتفاع منسوب الكلام عن أن انطلاق المرحلة الثانية من عملية سحب السلاح شمال الليطاني أصبح على الأبواب، فإنّ عدّاد القوّات الدولية العاملة في الجنوب "اليونيفيل" سجّل، في بيان صدر مؤخراً، آلاف الإنتهاكات للقرار الدولي 1701، تُضاف إليها مئات الإغتيالات التي أودت بخيرة شباب الجنوب، وفوقها تدمير منازل عشرات العائلات المدنيّة وتشريدها، ليسجّل عدّاد التدمير أرقاماً مضاعفة عمّا شهدته حرب الستين يوماً في العام 2024.. فهل أن تقديم شكوى أو شكويين كلّ عام الى الأمم المتحدة كفيل بوقف هذا النزف للوطن وأبنائه وسيادته؟

التحدّي الأخطر

وفي انتظار أن يلقى السؤال الآنف الذكر صداه لدى من يعنيهم الأمر، فإن المشهد الميداني الملتهب تزامن مع تأكيد السفارة الأمريكية في بيروت على أن إطار التنسيق العسكري، كما تمّ تأسيسه في اتفاق وقف الأعمال العدائية المعلن في 27 نوفمبر 2024، لا يزال قائماً.

وبعد "غيبة" عن ساحة اللقاءات، وعبر بيان السفارة، عادت "الميكانيزم" لتضرب مواعيد لها على مسافة الأشهر الـ4 المقبلة، بدءاً من اجتماعها المقبل في 25 من الجاري (فبراير) في منطقة الناقورة الحدوديّة، والذي سيليه إجتماعات في 25 مارس و22 أبريل و20 مايو من العام الجاري. لكنّ اللافت في الأمر هو اعتبار اللقاءات بمثابة المنتدى الأساسي للتنسيق العسكري بين الأطراف المشاركة، ما يطرح السؤال عن مصير التمثيل المدني في "الميكانيزم"، وعن مسار الأمور وسط الرغبات الإسرائيلية في تفاوض سياسي ثلاثي خارج إطار الميكانيزم العسكري. علماً أن بيان السفارة الأمريكية أثار هواجس الأوساط السياسية التي اعتبرت أن تحديد مواعيد الإجتماعات حتى شهر مايو المقبل يعني أن المشهد سيبقى على ما هو عليه لمدّة 4 أشهر إضافية، ما يعني المزيد من التدمير والإعتداءات الإسرائيلية.

ووسط الإنشغال السياسي بـ"الميكانيزم"، أفادت المعلومات التي توافرت لـ"عُمان" أن لبنان سيطرح "شيئاً جديداً"، يبدو أنه يتعلّق بمشروع يقوم على فكرة أن تُقدِم إسرائيل على خطوة تجاه لبنان، تتمثّل بالإنسحاب من أحد المواقع المحتلّة جنوباً وإطلاق سراح بعض الأسرى، ما يسهّل على لبنان السير بالمرحلة الثانية من خطّة حصر السلاح (شمال نهر الليطاني). وذلك، بعدما كان طرح، خلال جولتَي 3 و19 ديسمبر من العام الفائت، عودة السكان الى الجنوب، كمدخل أساسي لإنشاء منطقة إقتصاديّة فيه. علماً أن لبنان متمسّك بهذه اللجنة، ولا يبدي إستعداداً حالياً للذهاب نحو مسار تفاوضي أوسع، ويعتبر أن الحديث عن تفاوض مباشر وصريح لا يزال سابقاً لأوانه، وذلك لأسباب عدّة، أبرزها عدم التزام إسرائيل بتنفيذ بنود اتفاق 27 نوفمبر 2024، وغياب الغطاء الداخلي، فضلاً عن مخاطر الإنزلاق إلى مسار قد يُفسّر داخلياً على أنه مساس بتوازنات دقيقة.

وفي خلاصة المشهد، فإن ثمّة إجماعاً على أن "الأجندة العسكرية" لإسرائيل يبدو أنها منفصلة عن "الأجندة الديبلوماسية" والتفاوض، ذلك أن خطوة بدء التفاوض تعني بداية مسار، لكنّ التفاوض مع إسرائيل ليس نزهة على الإطلاق، بل مساراً مزروعاً بالألغام والتعقيدات، والسجلّ حافل في هذا السياق. أما في نهاية المطاف، فإن هناك هدفاً، إمّا يتحقق بالحرب وإمّا بالمفاوضات.