فيما كانت رئاستا الجمهورية والبرلمان في لبنان مشتغلتين بمناقشة شكل التفاوض مع إسرائيل، بين أن يكون مباشرا، بحسب رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، أو غير مباشر، وفق إصرار رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، كان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس يرسم بوضوح «مثلّث السيطرة» الذي تعتزم تلّ أبيب فرضه من أجل إعادة رسم خريطة لبنان، من خلال تقسيمه إلى 3 مناطق وفق رؤياها. وذلك، بدءا من منطقة الـ10 كيلومترات، أي «الخطّ الأصفر»، مرورا بمنطقة «المجال الأمني» حتى نهر الليطاني، ووصولا إلى منطقة «المسؤوليّة الانتحاريّة» في بقيّة أراضي لبنان.
والتقسيم الافتراضي هذا يعني، في القراءات المتعدّدة، ضياع الجنوب أولا، وتحويل بقيّة لبنان إلى «شرطي» لخدمة الأمن الإسرائيلي ثانيا.
وما بين حدَّي تشديد الرئيس عون على أن «المفاوضات لا تعني التنازل ولا الاستسلام، بل هي سبيل لتحقيق الأهداف»، وإسقاط الرئيس برّي كلّ الخطوط الإسرائيلية وألوانها، باعثا بـ«رائحة المقاومة» كعبق وحيد سيشمّه الصهيوني إنْ أخطأ التقدير، فإنّ طاولة واشنطن حدّدت اليوم الخميس موعدا للجلسة التفاوضيّة المباشرة الثانية بين لبنان وإسرائيل، تحت بند «تمديد» وقف إطلاق النار لـ20 إلى 40 يوما إضافيا، كما يتردّد، والتمهيد لجلسة مفاوضات مباشرة، على مستوى وفد موسّع، على أن يتولّى سيمون كرم مندوب لبنان في «الميكانيزم» عملية التفاوض، والتي قد تكون الثانية بين البلدين منذ 43 عاما، وتحديدا منذ عام 1983.
وفي انتظار ما سيكون عليه مشهد «خميس واشنطن»، فإن «الخطّ الأصفر»، الذي سيّج نحو 55 قرية بأسلاك الاحتلال الشائكة، مع فائض قوّة على الحجر بعد البشر، بتدمير قرى عن بكرة بيوتها وجرفها وجعلها أثرا بعد عين، يبدو وكأنّه «خارج نطاق البحث»، وإنْ كانت تلّ أبيب تسعى من خلاله إلى تحويل قرى الحافّة الأماميّة إلى ركام دائم ومنطقة عازلة، أي تحويل الـ10 كيلومترات إلى «أرض محرّمة» على لبنان، تحت ذريعة فرض «عمق إستراتيجي» لإسرائيل.
وهذا الواقع استدعى إعلانا واضحا من «حزب الله»، على لسان النائب حسن فضل الله، بقوله إن «هذا الخطّ الأصفر سنُسقطه بالمقاومة، بإصرارنا على حقّنا في الدفاع المشروع عن أنفسنا وعن بلدنا»، معتبرا أنّ الدولة اللبنانيّة معنيّة، من خلال ديبلوماسيّتها، بأن «تتحرّك في هذا المجال، لا أن تذهب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل».ومن هنا، فإنّ علامة الاستفهام تتّسع حول أهميّة استنساخ نموذج اتفاق 27 نوفمبر 2024 في أبريل الجاري؛ حيث إسرائيل، ومن حينه، لم توقف اعتداءاتها. وخلال «هدنة» الأيام العشرة، السارية المفعول من طرف واحد، أمعنت في ارتكاب إبادة جماعيّة بحقّ القرى الحدوديّة. أمّا تحت شعار وقف إطلاق النار، فتمدّدت ودمّرت وأحرقت وقتلت، لتقابَل بردود موضعيّة من «حزب الله».
«جنوب مستباح»
وفي الانتظار أيضا، فإن ثمّة إجماعا على أن أيّ مسار تفاوضي يبدو، حتى الآن، محكوما بموازين الميدان جنوبا، لا بنصوص التفاهمات. ذلك أن «هدنة» الأيام الـ10، التي بدأت ليل 16-17 من الجاري، لا تزال قائمة شكلا حتى منتصف ليل السبت المقبل، فيما الاحتلال يتمدّد مضمونا، و«الجنوب بات ساحة مستباحة»، بحسب قول الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية، العميد الركن المتقاعد هشام جابر.
وواصفا وقف إطلاق النار، المترافق مع التدمير الممنهج للقرى والبلدات الحدوديّة الواقعة في نطاق «الخطّ الأصفر»، ومع إنذار أبناء أكثر من 55 منها بعدم العودة، بـ«الهشّ» تماما، أشار هاشم إلى أن انسياق لبنان إلى «طاولة واشنطن» تحت هذا العنوان هو «جريمة» بحقّ لبنان، ما لم يجرِ تصحيح المسار وربط التفاوض بـ: الانسحاب من الأراضي اللبنانية، عودة المهجرين إلى قراهم بعد إعمارها، وإطلاق سراح الأسرى.
وعلى هذه الثوابت، يمكن للبنان أن يفاوض من موقع «القوي»، وإلا فإنّ الوفد اللبناني «ذاهب إلى طاولة غير متكافئة، وحيدا، من دون أوراق قوّة ولا ضمانات، للاجتماع مع الإسرائيلي في عقر دار حليفه الأمريكي، كما هو واقع الحال للأسف». والواقع الحالي، تختصره مصادر مقرّبة من «حزب الله» بـ 4 معطيات: أوراق محدودة، حدود مفتوحة على النار، داخل منقسم، وخصم متفوّق عسكريا ومدعوم سياسيا من واشنطن.
وفي السياق، تجدر الإشارة إلى أن الجلسة التمهيدية الأولى، في 14 من الجاري، جمعت سفيرَي لبنان وإسرائيل لدى واشنطن، ندى حمادة معوّض ويحيئيل ليتر، حول طاولة واحدة. ويومها، كانت الصورة «سوداويّة»، إذْ بعد ساعتين من المفاوضات المباشرة، نالت إسرائيل شرف الصورة، ونال لبنان خيبة بعدم موافقتها على وقف النار.
صورة اختصرت اللقاء «الصفر»، إذْ بدلا من زرع العلم اللبناني في منطقة بنت جبيل الحدوديّة، «أمّ المعارك»، استحصلت إسرائيل على ما يشبه «التذكار» في إطار جمع السفيرة اللبنانية إلى جانب السفير الإسرائيلي، تماما كما وُضع العلمان اللبناني والإسرائيلي جنبا إلى جنب. هذا في الشكل. أما في المضمون، فلم تطرح إسرائيل التفاوض كبديل من الحرب، بل كغطاء لها، فيما بدا لبنان كأنه بات أمام لحظة مفصليّة تتجاوز عنوان «لقاء واشنطن» بنسخته الأولى، لتضعه بين خطرين متوازيين: جنوب مهدّد باحتلال مديد وداخل مهدّد بانقسام خطير.
ولأنّ الخروقات الإسرائيليّة، التي تجاوزت الـ200 خرقا منذ بدء سريان «الهدنة»، وفق بيان صادر عن «حزب الله»، لم تعد أحداثا معزولة، بل صارت بنية متكاملة لتكريس «منطقة عازلة» تحت مسميّات مختلفة، قوامها النار والخرائط والحركة والمبادرة، فيما لبنان مطالب بإثبات «حسن سلوكه» تحت التهديد، فإنّ ثمّة من لا يعارض مبدأ التفاوض، لكنّه ضدّ أيّ شكل من أشكال التفاوض المباشر، كرئيس البرلمان نبيه برّي مثالا، مستندا إلى التجارب التي أثبتت كيف استطاع لبنان تحصيل الحقوق من التفاوض غير المباشر، ومنها ترسيم الحدود البحريّة. كما أنّ ثمّة من يرى أن المشكلة لا تبدو في وجود مفاوضات من عدمه، بل في مضامين السؤال عمّا إذا كان يُراد لهذه المفاوضات أن تثبّت الانسحاب والهدنة، أم أن تشرعن واقعا أمنيا جديدا تمّ فرضه بلغة النار والبارود.
.. وما بعد «الأصفر»
والواقع الأمني الجديد يبدأ من منطقة «الخطّ الأصفر»، أي «الخطّ الوهمي» الذي، وبحسب هاشم، ليس توصيفا عسكريا مؤقتا، بل كان بمثابة «ورقة نتنياهو لتبرير قبوله بوقف إطلاق النار، والقول بالمحافظة على المكتسبات الميدانيّة»، و«قد يُستخدم للمساومة وفرض الوقائع في مباحثات واشنطن»، مرورا بمنطقة «المجال الأمني» حتى الليطاني، والمرشحة لأن تصبح داخل «الخطّ الأصفر»، لكون إسرائيل تريدها منطقة منزوعة السلاح، أي تحت المراقبة التقنيّة والجويّة الإسرائيلية الدائمة، وبالتالي هدفا مشروعا للغارات، ووصولا إلى منطقة «المسؤوليّة الانتحاريّة» في بقيّة أراضي لبنان، والتي تضع الدولة أمام خياريْن لا ثالث لهما: إمّا إنهاء الوجود العسكري لـ«حزب الله»، وإمّا أن تظلّ إسرائيل في وضعيّة الاحتلال جنوبا، وتبقى محتفظة بـ«حقّ الدفاع عن النفس»، على قياس أمنها ووفق معاييرها، لضرب أيّ موقع في لبنان ساعة تشاء، وأينما تشاء، وكيفما تشاء.
وإذْ برزت مخاوف جديّة على اتفاق ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل، الذي تمّ التوصّل إليه في 27 أكتوبر من عام 2022، أوضح رئيس وفد لبنان إلى المفاوضات البحريّة مع إسرائيل (2020-2022)، العميد الركن المتقاعد بسام ياسين، أن الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي لا تدلّ على احتلال مساحة من المياه الإقليميّة اللبنانيّة، إذْ تُظهر «منطقة الدفاع البحري المتقدّم» الممتدّة من الساحل اللبناني إلى البحر، وتحديدا من رأس البيّاضة، مؤكدا لـ«عمان» أن «خطّ ترسيم الحدود البحريّة» لا يزال على حاله، وأن الاتفاق المذكور لا يزال ساريا حتى تاريخه.
وهكذا، بين خطّ هدنة الـ1949 الأخضر، وخطّ تحرير الـ2000 الأزرق، استنسخت إسرائيل نموذج «الخطّ الأصفر» في غزّة على شريط القرى الحدوديّة، ولا تزال تواصل تحويل الجنوب إلى منطقة أمنية مقسّمة، وتعيد رسم جغرافيا سياسيّة جديدة، تُدار بالنار والإنذار والمنع، وتفرغ القرى وتهدّد بتوسيع «المنطقة العازلة». أمّا على «الأرض المحروقة»، فحاراتٌ عتيقة استهدِفت، ملامح تغيّرت، منازل تحوّلت أثرا بعد عيْن، أمكنة أفرِغت من ذاكرتها وسكّانها.. وأسئلة لا تزال معلّقة على حِبال «هدنة هشّة» ومؤقتة حتى إشعار آخر، ومفادها: هل يذهب لبنان إلى تفاوض على وقف النار، أم إلى تفاوض تحت النار؟