العرب والعالم

كفر عقب.. مجزرة هدم منازل على مرمى حجر من القدس

27 يناير 2026
27 يناير 2026

رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي

كأن القدس لا يكفيها الحصار الخانق المفروض عليها، والحواجز العسكرية التي تحيط بها إحاطة السوار بالمعصم، ليمضي كيان الاحتلال في قتل الحياة فيها، بحرب لا غارات فيها ولا دخان، وقوامها هدم المنازل، ما يضع آلاف العائلات المقدسية، في مهب التهجير.

إنها افتتاحية مرحلة صعبة، يعاد فيها فرض الخناق على القدس، بصور وأشكال مختلفة، يبرز في مقدمتها عقوبة هدم المنازل، ففي حين يبني المستوطنون المئات من الوحدات السكنية في المستوطنات التي تفترش رقاع الضفة الغربية من شمالها إلى جنوبها، ويلقون مقابل ذلك الدعم السخي من حكومة الاحتلال، تتخذ سلطات الاحتلال من عدم الترخيص، ذريعة لهدم المنازل على مشارف القدس، كما يجري هذه الأيام في بلدة كفر عقب ومخيم قلنديا، شمال غرب القدس المحتلة.

كيان الاحتلال أطلق عملية "درع العاصمة" التي عدّها المقدسيون بمثابة "مجزرة هدم منازل" إذ أعلن ما يسمّى "وزير الأمن القومي الإسرائيلي" إيتمار بن غفير، أن هذه العملية، ستستمر لعدة أيام، ويتخللها هدم عشرات المنازل والمنشآت التجارية، وهدفها "رسم معادلة السيطرة" في البلدات المحيطة بالقدس، على حد تعبيره.

سياسة هدم المنازل هذه، ليست أرقاماً فقط، بل معاناة إضافية يواجهها أبناء القدس، وهدفها وضع حجر الأساس لمستوطنات إسرائيلية ستلتهم "مطار القدس" الذي عطلته قوات الاحتلال مطلع العام 2000 إبّان الانتفاضة الفلسطينية الثانية، المعروفة بـ"انتفاضة الأقصى".

جباية الضرائب لهدم المنازل!

ولا تتردد سلطات الاحتلال في الاعلان صراحة عن أن هدم المنازل في غلاف القدس، يأتي في سياق الضغط على المواطنين، لدفعهم إلى الرحيل، وانتزاع مساحات إضافية من الأراضي التي تسيطر عليها، كما أن قادة الكيان يصرون على تطبيق أدوات تهجير جديدة، ليس فقط بهدم المنازل، بل وفي فرض الضرائب الباهظة على السكان، بدعوى "تقديم الخدمات"!.

"الاحتلال يفرض علينا ضرائب باهظة، مقابل خدمات نسمع بها ولا نراها، هو لا يقدم لنا سوى خدمة هدم المنازل" قال أحمد أبو شريف من بلدة كفر عقب، التي تئن تحت وطأة عملية عسكرية لجيش الاحتلال، مبيناً أن كل مظاهر الحياة توقفت، فلم تنتظم الدراسة، ولم تفتح المحال التجارية أبوابها، ولا تُسمع سوى صليات الرصاص والقانبل الصوتية، خلال تنفيذ عمليات الهدم المستمرة، والتي طالت أكثر من 40 منزلاً ومنشأة.

ويواصل لـ"عُمان": "أصعب ما يواجهه الفلسطينيون في كفر عقب وقلنديا، الحصول على التراخيص اللازمة لبناء منزل، فالأمر يتطلب تكاليف باهظة، فضلاً عن التعقيدات والعراقيل التي تضعها سلطات الاحتلال، والهدف واضح.. تعجيز الأهالي، وثنيهم عن فكرة البناء، ضمن مخطط تهجيري، يندرج في إطار مساعي التهويد، وتذويب هذه القرى والمخيمات، التي تقف كشوكة في حلقهم".

ولا يحتاج العدوان على كفر عقب وقلنديا، إلى كثير تمعن لاجلاء نواياه وخفاياه، إذ تسعى سلطات الاحتلال لفرض سيطرتها على مطار القدس، الواقع بين مدينتي القدس ورام الله، وكان شيّد عام 1920 على أراضي البلدتين، كما أن الكيان المصاب بالعمى السياسي، يوهم نفسه أنه بهذه الممارسات، يمكن له أن يحبط عزائم الفلسطينيين في أكناف بيت المقدس، الذين لن تزيدهم هذه الغطرسة، إلا قوة وصلابة، أمام محاولات الترحيل والتهجير، كما يقولون.

يهدمون بيتوتهم بأيديهم!

ولا يمل جيش الاحتلال من ممارسة أساليب التضييق على سكان قرى شمال غرب القدس المحتلة، وآخر تقليعاته إجبارهم على هدم منازلهم بأيديهم، فلا يكاد يمر يوم، دون أن يهدم أحدهم منزله بيديه، تجنباً لدفع تكاليف الهدم الباهظة.

يقول سامر أبو جمعة، إن قوات كبيرة من جيش الاحتلال داهمت منزله بصورة مفاجئة، وسلمته إخطاراً بهدم المنزل، بحجة عدم الترخيص، وأخبرته أنه في حال عدم تنفيذه لأوامر الهدم، ستقوم هي بهدمه، لكن هذا سيترتب عليه مبالغ مالية باهظة!.

ويوالي لـ"عُمان": "لم أجد أمامي سوى هدم بيتي بيديّ، لتجنب أية أعباء وتكاليف مادية، خصوصاً وأن البيت سيهدم بكلا الحالتين، فكان الخيار الصعب، ولكم أن تتخيلوا، صرخات زوجتي وأولادي أثناء قيامي بالهدم".

وسياسة هدم المنازل عقوبة مجحفة، ينفذها جيش الاحتلال ضد الفلسطينيين، بحجج "ما أنزل الله بها من سلطان" فلا يكتفي بقتل البشر، بل يطال بإجرامه وجبروته الحجر والشجر، وهي إحدى حلقات سياسة العقوبات الجماعية، ويقارفها كيان الاحتلال منذ ما يزيد عن 77 عاماً، هي عمر الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وهي سياسة رائجة، ورثتها عن الاحتلال البريطاني، وقد أثبتت فشلها في ثني الشعب الفلسطيني عن البقاء على أرضه.

متاهة حصار وتهجير

وتعد كفر عقب وقلنديا، من أكثر التجمعات الفلسطينية اكتظاظاً بالسكان، وباتت محط أطماع المخططات الإستيطانية السرطانية الإسرائيلية، خصوصاً وأن كيان الاحتلال ينظر إليها كعقبة كأداء أمام مشروعه التوسعي الاستعماري "القدس الكبرى" ما يٌنذر باستمرار عمليات الهدم والتهجير بحق سكانها، خدمة لمغتصبات إسرائيلية، تستهدف تقطيع أوصالها، وجعلها كتل منفصلة عن القدس المحتلة.

ورغم أن نحو 90% من سكان البلدتين، يحملون بطاقة الهوية المقدسية، إلا أن كيان الاحتلال لا يعترف بهم كمقدسيين، بل إنه أخرجهما قبل عدة سنوات، من ما أسماه "غلاف القدس الكبرى" في خطوة تهدف لعزلهما نهائياً عن المدينة المقدسة.

وعلى مرمى حجر من القدس، لا ينفك المشهد يزداد تعقيداً بتعمق العدوان في كفر عقب وقلنديا، لتتسع متاهة التهجير التي دخلها أهالي البلدتين، في الوقت الذي اعتقدوا أن سبيلها له مسلك واحد، بمواجهة الحصار والحواجز العسكرية والبوابات الحديدية، لكن "درع العاصفة" أخذت تتدحرج لتهدم ما تهدم في طريقها، من منازل ومنشآت وجدران ومحال تجارية، ويهرع المقدسيون لقرع أجراس إنذار بدت بكماء، من كثرة استخدامها في خضم العدوان على أولى القبلتين.