قانون إعدام الأسرى.. عندما يتجاوز الجلادون المدى!
رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي
لعل التذكير بالأعداد الهائلة من الفلسطينيين، الذين تعرضوا للاعتقال منذ الاحتلال الإسرائيلي، يكفي لاستيضاح ما يمكن أن تعنيه وتثيره قضية الأسرى، الذين يواجهون اليوم تغولاً إجرامياً، وبطشاً متصاعداً، وتصعيداً خطيراً، وانتهاكاً صارخاً لكل القوانين والمواثيق الدولية والإنسانية، وهم يواجهون أخطر قرار للبرلمان الإسرائيلي (الكنيست) بشرعنة إعدامهم.
الترجمة الفورية لنحو مليون فلسطيني، اعتقلوا في سجون الاحتلال، تعني أنه لم يبق عائلة في الضفة الغربية أو القدس أو قطاع غزة، إلا وذاقت مرارة اختطاف أحد أبنائها، وزجه في أحد معتقلات الكيان الإسرائيلي، المعروفة بـ"مدافن الأحياء".
وإن يكن الاهتمام الذي تلقاه قضية الأسرى اليوم، مرتبط بقانون إعدامهم، فإن في التفاصيل المتعلقة بهذه القرار الإجرامي ما يفتح الأبواب مشرعة على مواجهة جديدة، ربما لا يرغب كثيرون في ولوجها، لكن في زحمة الأحدث اليومية، يتفاعل الفلسطينيون على الدوام مع قضية الأسرى، وهم يواجهون القمع والتعذيب، فكيف إذ نصبت لم أعواد المشانق؟.
وجلي أن القرار الذي تبناه وغذاه الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي يعد نموذجاً للعنصرية، ولا ينفك عن الدعوة لاتخاذ أجراءات لا أخلاقية ولا إنسانية بحق الأسرى الفلسطينيين، سيطلق حراكاً شعبياً عارماً، إذ بدأت الدعوات في الشارع الفلسطيني للإضراب الشامل، والانخراط في مواجهات مفتوحة مع جيش الاحتلال، في كافة أماكن تواجده.
وفي حين يقبع نحو 10 آلاف فلسطيني في سجون الاحتلال، تسجل التقارير اليومية في الضفة الغربية مواصلة جيش الاحتلال اعتقال المزيد من المواطنين، وهناك شرائح مختلقة من الفلسطينيين رهن الاعتقال، إذ لا تشمل أعداد الأسرى الرجال البالغين فقط، بل تتعداها إلى الأطفال والنساء، ومن بينهن أمهات ومرضعات، وضعن أطفالهن في أقبية السجون.
حرب شاملة
استناداً إلى عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واصل أبو يوسف، فإن القرار الإسرائيلي يندرج في سياق الحرب الشاملة التي يشنها الاحتلال على الشعب الفلسطيني، بدءاً من الحرب الدامية على قطاع غزة، مروراً بحصار القدس واستمرار إغلاق المسجد الأقصى المبارك، ووصولاً للاعتداءات التي تنفذها قوات الاحتلال وعصابات المستوطنين في مختلف أرجاء الضفة الغربية، مبيناً أن الاحتلال بقراره هذا إنما يدفع بالأوضاع نحو التصعيد والانفجار.
وقال أبو يوسف في تصريحات لـ"عُمان": "يمعن الاحتلال ويتمادى في غيّه وغطرسته، واستعلائه أمام الأسرى، وهنالك إجماع رسمي وشعبي على مواجهة قانون إعدام الأسرى والتصدي له بكل السبل، وهذا القرار لن ينال من عزيمة شعبنا أو معنوياته، وهو المعروف لدى الاحتلال بصموده وصلابته".
وكشف أبو يوسف عن أن ممارسات الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين تضاعفت منذ السابع من أكتوبر، حيث استشهد 90 أسيراً في سجون الاحتلال نتيجة للتعذيب أو الإهمال الطبي وأحياناً الجوع الشديد، واليوم يأتي قانون إعدام الأسرى في استمرار لجرائم الاحتلال بحق شعبنا.
ومن أمام مقر الصليب الأحمر في مدينة البيرة، تعالت صيحات الغضب والاستنكار للقانون الإسرائيلي بإعدام الأسرى، وشوهد العشرات من أهالي الأسرى وهم يرفعن صورهم، مؤكدين أن الأسرى في أسوأ مراحلهم، وهم يتعرضون كل يوم للإعدام، لكن جاء القرار الإسرائيلي كي يشرعن هذه الجريمة بحقهم.
وعبّرت رولا غانم والدة الأسير "يزن" عن ذهولها للقرار الإسرائيلي، الذي يعارض كل الاتفاقيات والقوانين الدولية، بما فيها اتفاقية جنيف الداعية لسلامة الأسرى، والمؤكدة على حقوقهم، مشددة: "مع هذا القرار يسود الإجرام، وتندثر كل القيم الإنسانية".
جريمة حرب
ويصف رئيس نادي الأسير الفلسطيني عبد الله الزغاري، القانون الإسرائيلي بأنه تشريع للقتل والإبادة، واستكمال للحرب الدامية التي شنها كيان الاحتلال بحق شعبنا في غزة، مشيراً إلى أن إقراره من قبل الكنيست الإسرائيلي يعد جريمة حرب، تخالف كل القوانين والأعراف الدولية.
وفي حديث لـ"عُمان" اعتبر الزغاري قانون الإعدام بأنه صمم خصيصاً لمعاقبة الأسرى الفلسطينيين، في تجسيد للعنصرية، والتطرف الذي تنتهجه منظومة الكيان الإسرائيلي، ويتزعمها الوزير المتطرف بن غفير، الذي يقود بنفسه عمليات القمع والتنكيل بحق الأسرى في سجون الاحتلال.
بينما قالت رانيا البرغوثي، والدة الأسير "محمـد" إن أهالي الأسرى يعيشون حالة من القلق على حياة أبنائهم، منوهة إلى أن أمهات الأسرى لا يعرفن طعماً للنوم، بعد هذا القانون الجائر.
وتنتهج سلطات الاحتلال، سياسة قتل بطيء وعلى مراحل ممنهجة بحق الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجونها، تقوم على الإهمال الطبي بحق المرضى منهم، إلى حين تفاقم أوضاعهم الصحية، فلا يتم نقل الأسير إلى أشباه العيادات الطبية، إلا بعد أن يكون المرض قد استفحل في جسده، وأصبح شفاؤه من الصعوبة بمكان، إلا بقدرة قادر.
لكن تشريع إعدامهم، ومن وجهة نظر نشطاء وحقوقيين فلسطينيين، يبقى أكبر من أي كلام يوصف، وهو بالنسبة لذوي الأسرى، جريمة مكتملة الأركان يجري توسيع نطاقها لتشمل الأسرى وأهاليهم.
مرافعة إنسانية
عشرات آلاف الفلسطينيين خاضوا تجربة الاعتقال، ولكن سيلاً من التفاصيل المعبّرة عن وجع الأسرى بعد 7 أكتوبر، تكاد تغرق في بحر الحديث عن التضحية، في حين لم تدع مساحة للحديث عن الألم والضعف، رغم أن هذه المفردات هي الحجج الأقوى في المرافعة الإنسانية بعيدة المدى أمام جبروت الجلاد.
ويمكن ملاحظة الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الأسرى، من خلال هدم أكثر من 200 منزلاً لعائلات أسرى فلسطينيين، إذ في كثير من الأحيان تمتد العقوبات لتطال أهالي الأسرى، فيتم اعتقال أقارب لهم للضغط عليهم وانتزاع معلومات، إضافة إلى إبعاد عشرات الأسرى من الضفة الغربية إلى قطاع غزة.
ويرتكز صمود الأسرى الفلسطينيين على أمرين اثنين: أولهما تجدد القناعة اليومية بصدق وعدالة ما قاموا به من فعل وطني، في سبيل حرية شعبهم، وعدم الندم عليه، إضافة إلى الإعداد اليومي للحظة التحرير مهما طالت مدة الاعتقال، وثانيهما عدم التساوق مع محاولات الفصل القسري عن نبض الحياة اليومية خارج السجن، وآخرها سن قانون الإعدام.
وحتماً سيواجه الفلسطينيون محاولة الاحتلال البائسة، النيل من صمود الأسرى، بمزيد من الفعاليات النضالية، تبدأ بالإضراب، وتمتد لتشمل حالة الاشتباك اليومي مع قوات الاحتلال، وخصوصاً وأن قضية الأسرى قضية وطنية عامة.
وفي مجمل القول، فالفلسطينيون أسرى في سجون الكيان الإسرائيلي وخارجها، فالكل في سجن كبير، وهذه الحالة يعيشها الفلسطينيون منذ سنوات، فالاحتلال لا يترك من شروره وآثامه صغيرة ولا كبيرة، إلا ويمارسها، واليوم يتجلى سلوكه المشين بكل الحقد والكراهية، بإعلان الحرب على الأسرى، عزلاً وتعذيباً وإعداماً.. إنها حالة إنسانية تُعاش، تُلمس، وتُستنشق.. وطالما هناك آلاف الأسرى لدى الاحتلال، فلن نستطيع القول أن هناك حرية.
