"عُمان" ترصد واقع الأسرى الفلسطينيين من قلب الحدث
"خط أصفر" داخل السجن.. و"طبيب الأسرى" يعتدي عليهم!
تعمّد إدارة السجن نقل أسرى مصابين بالجرب إلى بقية الغرف لتعميم الإصابة
"إرفع رأسك أنت في عوفر" كانت هذه العبارة هي المتداولة بين الأسرى الفلسطينيين في سجن عوفر العسكري الإسرائيلي الجاثم على أراضي بلدة بيتونيا قرب مدينة رام الله في قلب الضفة الغربية، وهي "شيفرة" متفق عليها بين الأسرى، وإشارة للقادمين الجدد، كي يعرفوا في أي سجن هم.
كان هذا أول ما سمعته "من خلف الشيك" عندما وصلت ومجموعة من الأسرى الفلسطينيين، إلى سجن عوفر، خلال حملة الاعتقالات الواسعة التي شنها جيش الاحتلال في خضم الاجتياح الإسرائيلي الشهير للمدن الفلسطينية عام 2002، والمعروف بـ"السور الواقي".
لكن، بعد 24 عاماً، عدت إلى سجن عوفر، فكانت أول كلمة سمعتها من الجنود المقنعين والمدججين بالسلاح "نزّل راسك" إذ لا يسمح الجنود للأسرى برفع رؤوسهم خلال نقلهم من الزنازين إلى غرف السجن، ومن يرفع رأسه ينهالوا عليه بالضرب، بالهروات والعصي الكهربائية، لكن يأبى الأسرى إلا البقاء مرفوعي الرأس.
الطريق إلى عوفر
مرّ عليّ اليوم الأول للاعتقال ثقيلاً، فعلى الحاجز العسكري بين رام الله ونابلس، والمعروف بحاجز "عين سينيا" أوقف الجنود مركبتنا، وفتحوا أبوابها من الجانبين، وطالبوني بالنزول فوراً، طالبين بطاقة هويتي، وما أن اشهرتها حتى أخذ الجنود يلتقطون الصور لي مع بطاقة الهوية، ربما للتعريف، وبعد لحظات أمر ضابط الدورية الجنود بعصب عيني وتقييد يدي من الخلف، ومكثث ليلتي على هذه الحالة، مشبوحاً على البرج العسكري المقام على ذات الحاجز، من الساعة 12 منتصف الليل، حتى الساعة 12 ظهر اليوم التالي، وشعرت بأن الدماء قد تجمدت في أكتافي وقدماي.
قلت في نفسي (مواسياً) ربما هي ساعات من التنكيل وتنتهي بإطلاق سراحي، أو حتى ينتهي الجنود من فحص بطاقة هويتي، لكن بعد ساعات، أخبرني أحد الجنود بأنني مطلوب لـ"التحقيق" مع جهاز المخابرات الإسرائيلي، وعندها بدأ الجنود بممارسة الإستفزاز، وأحياناً الضرب، وبقيت وحيداً مع الجنود، معصوب العينين وموثوق اليدين.
لم يجد جنود الحاجز دورية عسكرية تنقلني إلى سجن عوفر، فجاءوا بمركبة من نوع "جيمس" وكنت أفهم من الاتصالات بينهم عبر اللاسلكي، أني ذاهب إلى سجن عوفر، الذي اعتقلت فيه مرتين خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، وأخيراً نقلوني إلى عوفر.
وصلنا سجن عوفر وكان الجنود يطلبون مني عدم الكلام، بينما كنت أسمع نباح كلابهم البوليسية المدربة، وأصوات بعض الأسرى في أقسام السجن، واكتشفت أن الجنود يتعمدون فك العصبة عن عيون الأسرى، ليجدوا أمامهم "علم إسرائيل" وحتى صورة بطاقة الأسير، يجب أن تكون خلفيتها العلم الإسرائيلي.
شو الأخبار؟
مع دخول أي أسير جديد إلى السجن، تنهال عليه الأسئلة من الأسرى، على نحو: "شو الأخبار برّة؟.. هل توقفت الحرب؟.. هل هنالك حديث عن صفقة لتبادل الأسرى؟.. وكيف الأوضاع؟.. هل تحسنت؟.. هذه الأسئلة الروتينية مردّها عزل الأسرى عن العالم الخارجي، فهم لا يعرفون ما يحدث خارج السجن، ولا تصلهم أي وسيلة إخبارية، ولا يعرفون سوى رصد تفاصيل معاناتهم اليومية داخل السجن، فلا زيارات للأهل، ولا حتى للمحامين، فقط أخبار الخارج تأتيهم مع كل قادم جديد.
وفي غرف السجن المكتظة، ترصد جوانب خفية من المعاناة، حيث الفرش والأغطية "البدائية" والممزقة، والنظافة تكاد تكون معدومة، وهذا أمر مقصود ومتعمد من قبل إدارة السجون الإسرائيلية، ومن شأنه أن يسهل إصابة الأسرى بالأمراض، فضلاً عن سرعة انتقال العدوى، فيكفي إصابة أسير واحد في كل غرفة، كي يصاب بقية الأسرى.
وعن الطعام، وأجساد الأسرى التي أصابها الهزال والشحوب والضمور، حدّث ولا حرج، فكمية الطعام المقدمة للغرفة، لا تكفي لأسير واحد.. الإفطار ملعقة من المربى مع شرحة خبز لكل أسير، والغداء 3 ملاعق من الأرز دون ملح أو أية إضافات، والعشاء ملعقتان من الحمص الحب، وبعض الخضار التي أصابها العفن!.
"الخط الأصفر" داخل السجن أيضاً..
كنت أظن أن "الخط الأصفر" موجود فقط في قطاع غزة، لكني تفاجأت بخط أصفر داخل غرف السجن وساحاته، وهذا له معنى ومغزى، ولم يأت عفو الخاطر، وفي كل قسم (القسم يضم 12 عرفة) يوجد علم إسرائيلي كبير مثبت على الواجهة أمام غرف الأسرى، وبجانبه لافتة من الدمار الذي ضرب غزة بفعل الحرب، ومكتوب عليها بالخط العريض "غزة الجديدة" لتذكير الأسرى بما حل بقطاع غزة.
في كل غرفة، هنالك "خط أصفر" يقف الأسرى خلفه عند قيادم إدارة السجن بـ"العدد" الذي يتكرر في اليوم الواحد 4 مرات، ومن يتجاوز هذا الخط، يكون عرضة للضرب والقمع بشتى صوره وأشكاله.
أما في ساحات السجن، فهناك "خط أصفر" بين الساحة المخصصة للأسرى، وإدارة السجن، ويمنع الأسرى من الاقتراب منه، تماماً كما يمنع أهل غزة من الاقتراب من "الخط الأصفر" الذي التهم مساحات واسعة من أراضيهم.
حتى في ساحة الأسرى، هنالك "خط أصفر" ثان، يفصل بين "الفورة" وهي المساحة المخصصة للمشي، والغرف، ويمنع الاقتراب منه، كي لا يتمكن الأسرى من تبادل الأخبار والعلومات بين الغرف المختلفة، وكان لافتاً أن هذا الخط كان لونه رمادياً، قبل إعادة طلائه بـ"الأصفر".
"طبيب الأسرى" يشارك في قمعهم!
في سجون الاحتلال، الناحية الصحية معدومة، فلا علاج ولا دواء، ومن بين كل 100 أسير يسجلون أمراضهم لدى "الخوفيش" والمقصود هنا "طبيب السجن" يتم تقديم العلاج لنحو 5 أسرى فقط، وبحبة "مسكّن" تؤخذ تحت الضرب والإهانة.
ولعل أخطر الأمراض في سجون الاحتلال، مرض الجرب المعروف بـ"إسكابيوس" وأحد أهم أسباب انتشاره قلة النظافة، فالاستحمام يتم بماء بارد لا طاقة للأسرى به، ولبضع دقائق، ناهيك عن الرطوبة داخل غرف الأسرى، وبعض الأسرى لم يستبدلوا ملابسهم أو مناشفهم منذ عدة أشهر!.
وتتعمد إدارة السجن، نقل أسرى مصابين بمرض "إسكابيوس" سريع الانتشار، وتوزيعهم على بقية الغرف، لتعميم الإصابة، وزيادة عدد الأسرى المصابين به، وذات يوم جاء "الخوفيش" المفترض أن يكون رسولاً للإنسانية، فخرج عليه بعض الأسرى، وعندما طلبوا منه دواء لمرض "إسكابيوس" الذي يتسبب بحكة شديدة في أنحاء الجسم، حاول إقناعهم بأن هذه مجرد "حساسية" ولا تحتاج للعلاج، وعندما حاولوا إقناعه بأنه "إسكابيوس" اعتدى عليهم بالضرب!.
"النخشون" والتلذذ بالقمع
يتلذذ أفراد قوات "النخشون" بقمع الأسرى، إذ بين الحين والآخر، يتم اقتحام غرف الأسرى دون أية أسباب، ويحتجزون الأسرى في زاوية "الخط الأصفر" ويعتدون عليهم بالضرب بالهروات والعصي الكهربائية، والشتائم بأقذع الألفاظ، والتهديد والوعيد، ويعاقبونهم بالحرمان من الطعام، أو الخروج إلى "الفورة".
وعند نقل الأسرى من الغرف إلى التحقيق، يتم تقييدهم بالأصفاد الحديدية في الأيدي والأرجل، ويعتدون عليهم بالضرب، بقبضات الأيدي أو العصي، وحتى في ساعات النوم، بعد كل نصف ساعة، يمر الجنود نحو غرف الأسرى، فيطرق أحدهم الباب أو الشباك طرقة قوية، كي لا يستغرق الأسرى في النوم، أو يشعروا بالراحة!.
ذاهبون باتجاه اللا قانون..
يتضح من خلال ممارسات إدارة سجن عوفر، وهو السجن الإسرائيلي الوحيد الموجود في مناطق الضفة الغربية، إن سلطات الاحتلال ذاهبة باتجاه "اللا قانون" فيما يخص محاكم الأسرى، أو معاملتهم، فهناك أسرى "جرحى" ويحتاجون لغرف وأقسام صحية ومستشفيات، كحال الجريح الأسير محمـد عليان من قرية بيت دقو شمال غرب القدس، والذي مضى على اعتقاله أكثر من عامين دون تلقي أي علاج!.
ولا يوجد مقارّ للمحاكم اليوم في سجون الاحتلال، كما جرت عليه العادة (قبل الحرب على غزة) فالمحاكمة للأسير تتم خارج غرفته، عن طريق شاشة كمبيوتر، وأحياناً عبر الهاتف النقال وخدمة "الواتس آب" فيروي الأسير أسيد الترتوري من مخيم الفوار جنوب الخليل، أنه أخضع للمحاكمة في "البوسطة" وهي حافلة لنقل الأسرى من سجن إلى آخر، أو من غرف الأسرى إلى أقسام التحقيق، ما يؤشر على غياب القوانين الناظمة للأسرى.
