العرب والعالم

سياسات الاحتلال تقطع شرايين الإغاثة المالية عن غزة

02 يوليو 2026
وجبة يتيمة لمليون عائلة..
02 يوليو 2026

في خيمة بالية شمال قطاع غزة، تحتضن أسماء الجعبة «في منتصف الثلاثينيات من عمرها» طفلها الرضيع مازن «14 شهرًا». لا يبكي الصغير، ليس شبعًا، بل لإنهاكٍ أصاب جسدًا ضامرًا وعينين غائرتين لم تتعلما المشي بعد. تقول أسماء بصوت خافت: «لا أملك ما أقدمه له، اليوم وجبة واحدة فقط للعائلة بأكملها».

أنفاس خافتة في خيام الشمال

يتكرر المشهد في غالبية الخيام؛ كونه واجهة لأزمة تمويل حادة تضرب الشرايين الإنسانية لقطاع غزة، حيث تحولت لغة البقاء من مواجهة القصف إلى تدبر لقمة العيش. في خان يونس، يلخص أحمد الجاروشة، وهو أب لخمسة أطفال، هذا التحول بقوله خلال حديثه لـ«عُمان»: «منذ شهر لا نأكل سوى العدس. تذهب زوجتي إلى مركز التوزيع مع ساعات الفجر الأولى، لكنها تعود في معظم الأحيان خالية الوفاض».

لم يعد الحديث في غزة مقتصرًا على المعارك الدائرة، بل يمتد إلى تفاصيل تقليص الحصص الغذائية التي تجري بعيداً عن الأضواء. فقد أجبر شح التدفقات المالية الأمم المتحدة وشركاءها على خفض عدد الوجبات اليومية الموزعة من «1.8 مليون وجبة» إلى «مليون وجبة» فقط؛ هذا التراجع، الذي بلغت نسبته 44%، يعني عملياً أن 800 ألف شخص سقطوا من قوائم الإغاثة اليومية، مما دفع الأمهات إلى حرمان أنفسهن من القوت لصالح صغارهن.

نمط الوجبة اليتيمة والواقع الجديد

أصبحت «الوجبة الواحدة في اليوم» هي النمط المعيشي القسري لأكثر من 400 ألف عائلة في مدينة غزة، ودير البلح، وخان يونس. تُظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أن 20% من العائلات في القطاع باتت تعتمد على وجبة يتيمة طوال أربع وعشرين ساعة.

تروي فاطمة حميد لـ«عُمان»، وهي أم لثلاثة أطفال في سن المدرسة، تفاصيل يومها: «أستيقظ في الرابعة صباحاً متجهة إلى مركز التوزيع، وفي مرات كثيرة أصل ليردني المشرفون بأن الوجبات نفدت. أعود إلى المنزل وأبلغ الصغار ألا طعام اليوم، لا يستوعبون الأمر في البداية، لكنهم يلوذون بالصمت عندما أحتضنهم».

تؤكد أحدث تقارير مكتب الأمم لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أن نقص التمويل بات يعوق العمليات الإنسانية الأساسية في الأرض الفلسطينية المحتلة، تاركاً مئات الآلاف في مواجهة مباشرة مع سوء التغذية الحاد، بالتزامن مع اتساع فجوة الاحتياجات اليومية للسكان.

جفاف الموارد وحسابات المانحين

في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات، تراجعت مساهمات المانحين الدوليين بشكل ملحوظ، وهي الأزمة التي تعيدها المنظمات الحقوقية إلى بيئة الاعتماد القسري على الإغاثة التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي عبر سنوات الحصار، والتي جعلت القطاع هَشّاً أمام أي تراجع مالي. وحذر توم فليتشر، منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة، من التبعات الكارثية لهذا الانكماش المالي قائلاً: «إن الكثيرين سيموتون لأن هذه المساعدات تجف». ووصف فليتشر هذا التراجع بأنه يفرض «تصفية قاسية لبقاء الإنسان»، مؤكداً أن غزة تواجه أزمة مزدوجة تجمع بين خفض الدعم المالي والقيود المفروضة على المعابر، مما يجعل التضامن الإنساني ضرورة استراتيجية لحماية المنظومة الدولية.

وفقًا لـ«أوتشا» فإن خطة الاستجابة الإنسانية العاجلة لم تتلق سوى 15% من إجمالي المبلغ المطلوب البالغ 4.06 مليار دولار والمخصص للأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي يوجه أكثر من 90% منه لقطاع غزة. ويعود هذا العجز المالي إلى قرار مانحين رئيسيين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، تقليص مساهماتهم جراء تحولات في الأولويات السياسية والجيوسياسية الدولية، وهو ما تُرجم على الأرض إلى حرمان نحو مليوني شخص من الغذاء، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية الأساسية.

أرقام بملامح بشرية

يُمثل غياب 800 ألف وجبة يومية زيادةً في رقعة الجوع بين الأطفال والنساء الغزيين؛ لأن برنامج الأغذية العالمي يعاني في الوصول إلى كامل مستهدفاته، إذ يتمكن حاليًا من إعانة 1.6 مليون شخص شهرياً، ويقدم ما بين 350 ألفاً إلى 400 ألف وجبة ساخنة يومياً، وهو رقم يقل بكثير عن الحد الأدنى المطلوب لتأمين الاستقرار الغذائي.

وفي العيادات الطبية، تتخذ هذه الأرقام ملامح بشرية واضحة؛ فقد سجلت عيادة واحدة تابعة لمنظمة «أطباء بلا حدود» في غزة إصابة 326 رضيعاً بسوء تغذية حاد خلال شهرين فقط، في حين بلغت نسبة الأطفال المصابين بالهزال في بعض المناطق 19% من إجمالي الفحوصات الطبية. ويواجه نحو 71 ألف طفل دون سن الخامسة خطر سوء التغذية، من بينهم 13 ألف طفل يمرون بمرحلة حرجة تتطلب علاجاً مكثفاً فورياً.

وتصف الدكتورة سعاد أبو عيشة، طبيبة الأطفال في عيادة بخان خلال حديثها لـ«عُمان» الوضع داخل ردهات العلاج: «أستقبل يومياً أطفالاً يعانون وهناً شديداً في العضلات، لدرجة أن بعضهم لا يقوى على رفع رأسه. تبكي الأمهات وتسألني إن كان أطفالهن سيموتون، ولا أملك إجابة تمنحهم الطمأنينة».

أمهات في مواجهة الجوع

تنعكس هذه الأزمة بشكل مباشر على صحة النساء؛ إذ تشير تقديرات «التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي» إلى أن نحو 55 ألف امرأة حامل ومرضعة يواجهن مستويات خطيرة من سوء التغذية.

وتظهر الآثار السريرية لهذا النقص في ولادة طفل من بين كل خمسة أطفال مبتسراً أو بوزن يقل عن المعدل الطبيعي، كما أن 90% من مواليد الأمهات المصابات بسوء التغذية يوضعون قبل أوانهم، مما تسبب في مضاعفة معدلات وفيات المواليد الجدد.

تقول أمينة خليل لـ«عُمان»، وهي حامل في شهرها السابع: «أشعر بالدوار والضعف بصفة مستمرة لقلة الطعام طوال الأشهر الثلاثة الماضية. أخبرني الطبيب أن طفلي مهدد بالولادة المبتسرة نتيجة سوء التغذية، لكن ليس بيدي حيلة، فالأسعار مرتفعة للغاية، وعلي أن أمنح الأولوية لأطفالي الآخرين».

القيود الهيكلية وتفتيت المنظومة الإغاثية

لا تتوقف الأزمة عند حدود نقص الأموال، بل تتشابك مع عوائق ميدانية تفرضها السلطات الإسرائيلية على حركة الإمدادات، إذ وثق «مركز الميزان لحقوق الإنسان»، في 27 مايو 2026، استمرار الاستهدافات العسكرية للمناطق المحيطة بنقاط توزيع المساعدات والخيام المجاورة لها، مما أسفر عن سقوط ضحايا بين صفوف المنتظرين للحصص التموينية.

ويترافق ذلك مع قيود مشددة على إدخال الوقود اللازم لشاحنات الإغاثة، وقطع الغيار للمركبات الأممية، والمستلزمات الطبية الأساسية. في فبراير الماضي، اضطرت 37 منظمة دولية، من بينها «أطباء بلا حدود»، إلى مغادرة القطاع أو تعليق أنشطتها بسبب القيود المفروضة على تصاريح عمل الموظفين الأجانب وإدخال الشحنات، مما أدى إلى تراجع قدرة المستشفيات؛ حيث لا يعمل حالياً سوى أقل من 40% منها وبطاقات تشغيلية جزئية.

وعلى الصعيد اللوجستي، تواجه الشاحنات الأممية والمصرية المتجهة من معبر رفح البري إلى معبر كرم أبو سالم إجراءات تفتيش معقدة تتسبب في احتجازها لفترات تصل إلى 20 ساعة عند نقاط الفحص الإسرائيلية. وتوضح تقارير «أوتشا» أن أقل من نصف الشحنات المنسقة يجري تسهيل مرورها بالكامل، بينما يرفض أو يعلق الباقي، مما يجعل الغذاء متكدساً على الحدود دون القدرة على التدفق المنتظم إلى السكان.

يعيش النظام الإنساني في غزة حالة تراجع هيكلي؛ فالأزمة لم تعد تقتصر على نقص الحصص التموينية، بل تمتد إلى حرمان الأطفال من التعليم المستمر، وانخفاض فرص الحصول على مياه شرب نظيفة، وغياب مواد الإيواء لمليون شخص بحاجة إلى مستلزمات الصيف وأدوات إزالة الأنقاض، مما يجعل الوقت عاملاً حاسماً في منظومة تتداعى فصولها يوماً بعد آخر.