No Image
العرب والعالم

دمير المساجد وصمت الأذان في غزة .. أثرٌ نفسي واجتماعي يتجاوز العبادة

06 يناير 2026
06 يناير 2026

لم يكن الأذان في قطاع غزة مجرد نداء للصلاة، بل كان إيقاعًا يوميًا للحياة، يضبط مواعيد الناس، ويمنحهم شعورًا بالأمان والسكينة وسط الحرب والحصار والضيق.

اليوم، ومع تدمير غالبية المساجد بفعل القصف، خفت ذلك الصوت، وعمّ الصمت فضاء الأحياء والمخيمات، تاركًا فراغًا روحيًا ونفسيًا عميقًا لا تعوّضه الخيام ولا المصليات المؤقتة.

يقول أبو محمد البابا (61 عامًا)، نازح من بيت لاهيا الي منطقة التحلية بمدينة دير البلح.

"كنت أذهب إلى مسجد سعد الأنصار قبل الفجر، وأعرف الوقت من صوت المؤذن دون ساعة. الآن نتحسس الوقت تقديرًا، ونصلي في مصلى لا يحمينا من البرد ولا المطر. لكننا نرفض أن نترك الصلاة جماعة ، يبقى المسجد مكان للسكينة ، نجتمع فيه للصلاة وقراءة القرآن ".

يصف ابومحمد معاناة الوضوء في ظل أجواء البرد القارس وقلة وشح المياه ويقارن بين المساجد وأماكن الصلاة المؤقته .

" في هذه المصليات، لا مكبرات صوت، ولا مآذن، وغالبًا ما يُرفع الأذان بصوت خافت خوفًا من القصف أو لعدم القدرة على الجهر به، ما يضاعف شعورنا بالفقد ، كانت خُطب الجمعه ذات رونق خاص اصطحب فيها ابنائي واحفادى نستمع لخطبة الجمعة ، نقابل الاصدقاء والجيران ، اجواء وروحنيات لا تقدر بثمن".

اشتياق للمساجد... ذاكرة لم تُهدم

الاشتياق لا يقتصر على أداء الصلاة، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة داخل المسجد.

تقول أم سليم الزق (39 عامًا)، نازحة من حي الشجاعية:

" كنت أذهب مع بناتي إلى المسجد ، نحفظ القرآن، نستمع الى دورس الوعظ التى كانت تُعقد من قبل وزارة الأوقاف، نصلى جماعه في شهر رمضان ، اليوم أطفالي يسألونني: أين مسجدنا؟ لا أعرف كيف أشرح لهم أن المسجد لم يعد موجودًا."

أما كبار السن، فيتحدثون عن المساجد بوصفها مساحات أمان اجتماعي، لا تقل أهمية عن البيوت، إذ كانت تجمع الجيران، وتخفف العزلة، وتمنح معنى للحياة اليومية.

الجمعة بلا مآذن... طقوس ناقصة

تبدو صلاة الجمعة أكثر لحظات الغياب قسوة. ففي ظل غياب المساجد، تُقام الصلاة في مصليات مؤقتة داخل المخيمات ، أو في العراء، بأعداد أقل، ودون خطب منتظمة في كثير من الأحيان.

يقول أبو بلال ناجى (57 عامًا) "صلاة الجمعة كانت عيدًا أسبوعيًا ، طقوسها جميله ، اليوم نصليها تحت شادر، دون أذان، ودون خطبة أحيانًا نشعر أن شيئًا أساسيًا من حياتنا سُرق منا ، نحن لسماع صوت الأذان، أصبحنا نعتمد على الهاتف لمعرفة أوقات الصلاة ".

محاولات رسمية لكنها لا تكفي

تحاول الجهات الرسمية، وعلى رأسها وزارة الأوقاف، سد هذا الفراغ عبر إنشاء مصليات مؤقتة وتكليف أئمة متنقلين، لكن حجم الدمار واتساع رقعة النزوح يجعل هذه الجهود محدودة الأثر مقارنة بحجم الحاجة.

بحسب بيانات صادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة، فإن ما يقارب 89% من مساجد القطاع تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، بينها مئات المساجد التي سويت بالأرض، فيما خرجت أخرى عن الخدمة بسبب الأضرار الجسيمة. هذا الواقع لم يؤثر فقط على البنية العمرانية، بل أصاب جوهر الحياة الدينية والاجتماعية في غزة.

الأذان كحاجة نفسية أكثر من شعيرة دينية

يرى الدكتور محمد المصري اخصائي الصحة النفسية أن غياب الأذان في بيئة تعيش حربًا ممتدة يضاعف الإحساس بالضياع، خاصة لدى الأطفال وكبار السن. فالأذان كان يشكّل علامة زمنية ثابتة في يومٍ مليء بالفوضى، ويمنح الناس شعورًا بالاستمرارية وسط الانقطاع الدائم للكهرباء، والاتصالات، والماء.

تقول شيماء خالد وهى أخصائية نفسبة تعمل مع نازحين في مخيمات دير البلح: " كثير من المرضى يعبّرون عن شعور بالفراغ والقلق مع غياب الأذان، لأنه كان الصوت الوحيد المنتظم في حياتهم. اليوم لا يسمعون سوى أصوات الطائرات والانفجارات التى لم تتوقف رغم الدخول في المرحلة الأولي من الهدنه ".

من المآذن إلى الشوادر... مصليات تصارع الغياب.

في مخيمات النزوح الممتدة من مواصي خانيونس إلى شمال غزة ، لم يستسلم الناس لهذا الغياب ، من بقايا الشوادر، وأعمدة خشبية، وأقمشة مهترئة، أقاموا مصليات بدائية، في محاولة للحفاظ على الصلاة الجماعية وروح الجماعة.

ويؤكد مسؤولون في الوزارة أن إعادة بناء المساجد ليست مسألة عمرانية فقط، بل خطوة أساسية لإعادة ترميم النسيج الاجتماعي والنفسي للمجتمع الغزي.

رغم كل شيء، لا يزال الأذان حيًا في ذاكرة الناس ، يردده البعض بصوت خافت عند دخول الوقت، ويعلّمه الآباء لأبنائهم داخل الخيام، كأنهم يتمسكون به كفعل مقاومة روحية في وجه الفقد.

في غزة، قد تصمت المآذن، لكن الأذان لم يغادر القلوب، وما زال الغزيون ينتظرون اليوم الذي يعود فيه صوته ليعلو من جديد، لا كإعلان للصلاة فقط، بل كإشارة لعودة الحياة ذاتها.