No Image
العرب والعالم

دمٌ تحت النار والبرد القارس .. والتصعيد الإسرائيلي يتسع بين غزة والضفة

02 يناير 2026
02 يناير 2026

غزة- «عُمان»- بهاء طباسي: تواصلت جرائم الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، اليوم، ثاني أيام العام الجديد 2026. في تصعيد إسرائيلي متواصل يفرض نفسه بقوة السلاح في قطاع غزة، وبقبضة الاقتحامات والاعتقالات في الضفة الغربية، ما يعكس هشاشة أي حديث عن تهدئة أو التزام بوقف إطلاق النار.

في قطاع غزة، لم تقتصر المخاطر على القصف وحده، بل امتدت لتشمل البرد القارس الذي يحاصر آلاف النازحين داخل خيام مهترئة ومراكز إيواء تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة. هناك، بات الموت يأتي من السماء أحيانًا، ومن الصقيع أحيانًا أخرى، ليحصد أرواح أطفال ونساء، في ظل حصار خانق وانعدام وسائل التدفئة والغذاء.

أما في الضفة الغربية، فتواصل قوات الاحتلال فرض واقع أمني ضاغط عبر اقتحامات ليلية واسعة، واعتقالات طالت مدنًا وبلدات عدة، إلى جانب إغلاق مداخل قرى وفرض حصار فعلي عليها، بالتوازي مع اعتداءات المستوطنين التي تتصاعد تحت حماية جنود الاحتلال.

هذا التصعيد المتزامن بين الساحتين يعكس وحدة المشهد الفلسطيني تحت الضغط، حيث تتكامل أدوات القوة العسكرية مع السياسات العقابية، لتنتج واقعًا إنسانيًا وأمنيًا يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

شهداء وجرحى النار والبرد

لم تهدأ وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث تواصلت عمليات القصف وإطلاق النار في مناطق متفرقة، موقعة شهداء وجرحى، في ظل استمرار خروقات وقف إطلاق النار. ففي جنوبي القطاع، استُشهد المواطن فراس أحمد محمد أبو شنب برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في بلدة بني سهيلا شرقي مدينة خان يونس.

وفي شمال ووسط القطاع، تواصل القصف المدفعي، حيث استهدفت مدفعية الاحتلال شرقي مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة، بالتزامن مع سماع دوي انفجارات في مناطق متفرقة من مدينة غزة. كما أُصيبت طفلة بجراح جراء إطلاق نار إسرائيلي، ونُقلت إلى مجمع ناصر الطبي لتلقي العلاج.

وعلى وقع القصف، لم يكن البرد القارس أقل فتكًا من القذائف، إذ أعلن الدفاع المدني في غزة عن ارتقاء أم وطفلها جراء نشوب حريق داخل خيمة للنازحين في مركز إيواء اليرموك بمدينة غزة، في حادثة تعكس هشاشة واقع الإيواء، وخطورة استخدام وسائل بدائية للتدفئة داخل خيام تفتقر لأبسط معايير السلامة.

وفي وسط القطاع، استشهدت الطفلة ملك رامي غنيم من مخيم النصيرات، متأثرة بالبرد القارس داخل خيمة نزوح، في ظل انعدام وسائل التدفئة وغياب أدنى مقومات الحياة الإنسانية.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر ميدانية باستشهاد الشاب أحمد حسام زيدان نعيم، من سكان بيت حانون، والذي كان نازحًا في مدرسة أحمد عبد العزيز، جراء إطلاق نار مباشر من الرافعات العسكرية الإسرائيلية على مناطق متفرقة جنوب خانيونس، ما أسفر أيضًا عن وقوع عدد من الجرحى، في حادثة أعادت إلى الواجهة مشهد القنص المباشر للنازحين داخل مراكز الإيواء، ومهّدت لمأساة إنسانية تكشفت تفاصيلها في مشهد الوداع داخل مجمع ناصر الطبي.

الوداع المستحيل

في ركن ضيق من ممرات الألم داخل مجمع ناصر الطبي، تجسدت مأساة غزة في مشهد وداع لا يشبه الوداع. هناك، كانت أم الشهيد أحمد حسام زيدان تخوض معركتها الأخيرة ضد حتمية الفقد، وهي تضغط بيديها المرتجفتين على صدر ابنها، كأنها تحاول انتزاعه من قبضة الموت.

اللون الأزرق البارد لغطاء الجثة البلاستيكي فرض حضوره القاسي، متناقضًا مع شحوب وجه أحمد وسواد ثوب والدته، بينما التقطت العيون المرتبكة للأطفال المحيطين تفاصيل المشهد بذهول يفوق أعمارهم، في لحظة اختلطت فيها الدموع بالصمت، والعجز بالصراخ.

صوت الأم كان يعلو ثم يخفت، بين نداءات متكررة باسم ابنها، وضربات يائسة على صدره، في محاولة أخيرة لإيقاظ قلب توقف. لم يكن المشهد مجرد وداع، بل صراعًا مكشوفًا بين أم وواقع لا يرحم.

أم أحمد روت تفاصيل اللحظة التي سُرق فيها ابنها، قائلة: «كنا جالسين في ساحة مدرسة أحمد عبد العزيز، نعتقد أن الجدران المتهالكة ستحمينا. فجأة رأيت الرافعة تطل من بعيد، وفوقها قناص لا يرى فينا سوى أهداف». وأكدت أن الرصاصة جاءت صامتة، لكنها اخترقت قلبها قبل أن تخترق جسد ابنها.

وأضافت: «حين سقط أحمد، حاولت أن أضغط على صدره، كنت أقول للبرد ألا يسكن جسده، وللموت أن يترك لي منه بقية». كلماتها لم تكن رواية حدث فحسب، بل شهادة إنسانية على جريمة قنص حولت مأوى للنازحين إلى مسرح موت.

تصعيد بلا توقف

ورغم ما سبق.. تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية في مناطق عدة من القطاع، حيث استهدف قصف مدفعي شرق محور نتساريم جنوب شرق مدينة غزة، بالتزامن مع تنفيذ جيش الاحتلال عمليات نسف لمبانٍ سكنية شرقي حي الزيتون.

كما شنّت طائرة حربية إسرائيلية غارة جوية شرقي مخيم البريج وسط القطاع، في وقت أفادت فيه مصادر صحفية بإصابة أربعة من سكان خيام النازحين قرب رفح، جراء إطلاق نار من ثكنات عسكرية إسرائيلية أُقيمت داخل ما تبقى من مبانٍ سكنية شمالي المدينة.

وفي شمال القطاع، نفذت طائرات الاحتلال غارتين قرب دوار الشيخ زايد في بيت لاهيا، وسط استمرار التحذيرات الإنسانية من تفاقم أوضاع النازحين مع اشتداد المنخفضات الجوية، واستمرار الحصار ومنع دخول الاحتياجات الأساسية.

اقتحامات واعتقالات

وبينما يرزح قطاع غزة تحت وطأة القصف والبرد، لا تبدو الضفة الغربية بمنأى عن التصعيد، حيث انتقلت ملامح المواجهة إلى شكل آخر، قوامه الاقتحامات الليلية، والاعتقالات، وفرض الحصار على القرى، في محاولة لتحقيق تزامن الضغط على الجبهتين.

فجر اليوم، واصلت قوات الاحتلال حملة اقتحامات واسعة طالت مدنًا وبلدات عدة في الضفة الغربية، تخللتها اعتقالات ومداهمات منازل، إلى جانب فرض حصار على قرى شمال غرب رام الله.

وفي بيت لحم وبيت ساحور، تمركزت قوات الاحتلال في عدد من الأحياء، وانتشرت غرب بيت ساحور في منطقة «الإسكانات»، دون الإبلاغ عن اعتقالات، في إطار استعراض أمني مكثف.

وفي محافظة الخليل، اعتقلت قوات الاحتلال ثلاثة فلسطينيين، هم فوزي سليم أبو صبيح من مدينة الخليل، وأحمد ياسر المسالمة من بلدة دير سامت أثناء مروره عبر حاجز «الكونتينر»، وإبراهيم يونس السلامين من بلدة السموع، عقب مداهمة منازلهم وتفتيشها.

كما اقتحمت القوات بلدتي دورا وحلحول، وداهمت عددًا من المنازل دون تسجيل اعتقالات، في وقت أغلقت فيه مدخلي قريتي النبي صالح وعابود شمال غرب رام الله، ما فرض حصارًا فعليًا على قرى بني زيد الغربية، وقيّد حركة نحو 15 ألف فلسطيني.

مستوطنون تحت الحماية

وفي جنوب شرق بيت لحم، هاجم مستوطنون منازل الفلسطينيين في منطقة «خلايل اللوز»، ورشقوها بالحجارة، وحاصروها، ما أثار حالة من الخوف والهلع، خاصة بين الأطفال.

وأطلقت قوات الاحتلال قنابل الصوت والغاز السام لتأمين اعتداءات المستوطنين، ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين بحالات اختناق، قبل إغلاق المنطقة بالكامل.

وتؤكد مصادر محلية أن «خلايل اللوز» تتعرض لاعتداءات متكررة، تشمل اقتحام الأراضي الزراعية وقطع الأشجار، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، في محاولة لفرض السيطرة عليها لصالح المستوطنات المقامة في المنطقة.