No Image
العرب والعالم

دبلوماسي أمريكي: تصعيد لبنان لا يحل بالقوة والدبلوماسية فقط تكسر حلقة العنف

07 أبريل 2026
تحليل
07 أبريل 2026

واشنطن"د. ب. أ": تتصاعد الأزمة في لبنان بسرعة، وتؤدي العمليات العسكرية إلى مزيد من الدمار والنزوح، بينما تعمق الانقسامات السياسية وتزيد نفوذ جماعة حزب الله. وفي هذا السياق، يصبح واضحا أن الحل العسكري لن يحقق الاستقرار، وأن الطريق الوحيد لإنهاء النزاع يتمثل في جهود دبلوماسية فعالة وحوار سياسي شامل.

هذا ما أكده إدوارد جابرييل، السفير الأمريكي السابق في المغرب (2001-1997) الذي يشغل حاليا منصب رئيس " مجموعة العمل الأمريكية الخاصة بلبنان"، وذلك في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية.

ويقول جابرييل إن الحرب المشتعلة في لبنان تتجه نحو مسار خطير، مشيرا إلى أن ما بدأ الشهر الماضي بحملة إسرائيلية متزايدة لتقويض التهديدات المباشرة من حزب الله، سرعان ما تطور إلى انهيار إنساني وتصعيد إقليمي، وفي النهاية تقوية الطرف ذاته الذي تسعى إسرائيل لإضعافه. وهذا المسار غير مستدام وينطوي على نتائج عكسية.

لقد أضعف الجيش الإسرائيلي قدرات حزب الله من خلال تفكيك المواقع العسكرية ومستودعات الأسلحة وقتل المئات من المسلحين، لكن في غياب حل سياسي، ستظل هذه المكاسب التكتيكية هشة.

وفي الوقت نفسه، مع تصاعد العمليات العسكرية، تتزايد التكلفة الإنسانية والاستراتيجية. فالتدمير الواسع النطاق يؤدي إلى نزوح جماعي (تجاوز الآن مليون شخص ووفاة الآلاف)، مع إمكانية زيادة حالة عدم الأمن على الحدود الشمالية لإسرائيل. كما أن التدمير الواسع للقرى والبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك الجسور وطرق الوصول، يمنع السكان المهجرين من العودة إلى منازلهم. وتقتلع مجتمعات بأكملها وتدمر البنى التحتية وتزداد تكلفة التعافي يوما بعد يوم. وهذا المسار يهدد بخلق حالة من عدم الاستقرار العميق والمستمر.

ويقول جابرييل إن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الحرب تعيد تشكيل المشهد السياسي داخل لبنان بطرق قد تفيد حزب الله. ومع استهداف المناطق المدنية والبنى التحتية، تتصلب مواقف المجتمعات الشيعية المتضررة، والعديد منها لا يدعم حزب الله، ضد إسرائيل. هذه المشاعر المتزايدة من الاستياء وتفاقم المظالم قد تنشط مجددا "سرد المقاومة" الذي يستغله حزب الله لتبرير أفعاله باعتبارها رادعا ضد الاحتلال الإسرائيلي والعدوان. بمعنى آخر، كلما طال أمد استمرار الوضع الحالي، كلما أصبح حزب الله أقوى.

ويضاعف هذا الديناميك فهم خاطئ جوهري لطبيعة التنظيم. فقد تطور حزب الله إلى قوة لامركزية وشبكية مع وحدات شبه مستقلة، صممت تحديدا لتحمل هذا النوع من الضغوط. فهذه الجماعة ليست مجرد طرفا فاعلا عسكريا، بل قوة سياسية ومالية واجتماعية متجذرة، لها حضور كبير في البرلمان وتمثيل ضمن الحكومة. وبينما ستضعف العمليات العسكرية قدرات حزب الله، إلا أنها قد لا تهزمه بالكامل.

وفي الوقت نفسه، فإن الاعتماد على الدولة اللبنانية لتفكيك سلاح حزب الله بسرعة كبديل لا يبدو ممكنا على الفور في ظل الظروف الحالية، رغم بعض الخطوات الواعدة في هذا الاتجاه. فالجيش اللبناني، الذي وسع انتشار قواته في أجزاء من البلاد، يعمل في ظل قيود شديدة، ما بين موارد محدودة ونقص في عدد الجنود وعدم كفاية المرتبات ومهام متنافسة وخطر حقيقي من الانقسام الداخلي. ويرى جابرييل أن فرض نهج أقصى قد يضعف المؤسسة ذاتها التي يجب أن تنفذ في النهاية نزع السلاح. وهذه اللحظة تتطلب تغيير النهج.

ويقول جابرييل إنه إذا كانت إسرائيل ترغب حقا في إقامة علاقات سلمية مع لبنان، يجب أن يكون التركيز الآن على الانتقال من التصعيد العسكري المفتوح إلى مسار سياسي محدد يمكن أن يتحول إلى نتيجة مستدامة، بدءا بالاعتراف بأنه، في غياب حل عسكري، الطريق الوحيد المتبقي هو الطريق نحو علاقات سلمية.

وتقوم الولايات المتحدة بدور حاسم في تشكيل هذا المسار. وينبغي أن تسهل بشكل فعال المباحثات المباشرة لتحقيق حل سلمي بين لبنان وإسرائيل، بناء على المكالمات الأخيرة مع الرئيس اللبناني جوزاف عون من أجل الانخراط في الحوار. ويجب أن تشمل هذه المباحثات الحاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار، بالإضافة إلى آليات عسكرية عملية لتعزيز نزع السلاح، بما في ذلك دور الجيش اللبناني وسبل تقوية قدراته. والأهم من ذلك، يمكن للمناقشات الدبلوماسية حل قضايا ترسيم الحدود والأمن والمسائل الأخرى بين الطرفين، مما يمهد الطريق للسلام.

ويرى جابرييل أنه يجب على لبنان في الوقت نفسه أن يواصل إظهار استعداده للعمل. وينبغي للحكومة اتخاذ خطوات فورية ومرئية من خلال الجيش اللبناني لمنع المزيد من إطلاق الصواريخ، وتعطيل النشاط العسكري غير المصرح به، وتأكيد سلطة الدولة حيثما يمكنها فعليا ذلك، فالمكاسب التدريجية مهمة. كما يجب عليها اتخاذ إجراءات ملموسة للحد من النفوذ الخارجي والشبكات الموازية، بما في ذلك خفض العلاقات الدبلوماسية مع إيران، واعتقال عناصر من الحرس الثوري الإيراني، وتعطيل الشبكات المالية المرتبطة بحزب الله. هذه الإجراءات التدريجية لكنها ملموسة ستكون حاسمة في إعادة بناء مصداقية الدولة، واستعادة الثقة بها، وتهيئة الظروف لقيام عملية سياسية ذات معنى.

وهناك الآن أزمة إنسانية جديدة وواسعة النطاق تتكشف. فالتهجير والتدمير يصلان إلى مستويات غير محتملة، تؤثر بشكل غير متناسب على المجتمعات الشيعية في جنوب لبنان وضواحي بيروت. ويرى جابرييل أن تجاهل هذه الحقيقة سيزيد من تفاقم المظالم ويوسع نفوذ حزب الله. والعكس صحيح أيضا، إذ يمكن أن تساعد الجهود الإنسانية والاستعادة المستهدفة، التي يفضل أن تقودها الولايات المتحدة بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية والشركاء الدوليين، في البدء بعكس هذا الديناميك من خلال إظهار أن الدولة، وليس حزب الله، هي القادرة على تقديم الحلول.

وفي النهاية، يخلص جابرييل إلى أن الخيار الذي يواجه لبنان هو بين مسارين مختلفين للغاية، أحدهما يستمر في مسار التصعيد وتآكل الدولة وعدم الاستقرار طويل الأمد، والآخر يسلك طريق وقف الأعمال العدائية وتحقيق سلام تفاوضي قابل للتنفيذ ومستدام في المنطقة. وكلما طال استمرار النهج الحالي، ضاق المسار الثاني. ومع القيادة الأمريكية وإجراءات الحكومة اللبنانية وتعاون إسرائيل، لا يزال هناك وقت لتغيير المسار.