حلفاء واشنطن في آسيا يتجهون نحو مزيد من خيار التسلح النووي
واشنطن "د. ب. أ": في ظل التداعيات الاقتصادية المتتابعة للحرب في إيران، تسارع الدول في مختلف أنحاء آسيا الخطى بحثا عن حلول قصيرة الأجل لأزمة الطاقة، وإجراء تغييرات هيكلية طويلة الأجل تضمن أمن الطاقة بشكل أفضل.
وتعتمد معظم دول المنطقة بشكل كبير، مع استثناءات محدودة، على النفط الخام والغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج. وقد وصلت دول مثل بنجلاديش والفلبين بالفعل إلى مرحلة حرجة، إذ أعلنت الفلبين حالة طوارئ وطنية، بينما فرضت بنجلاديش تقنينا صارما على الوقود وسط مخاوف من أن تصبح أول دولة آسيوية تنفد إمداداتها.
ويؤكد المحلل السياسي جوشوا كورلانتزيك- زميل أول شؤون جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي- في تحليل نشره المجلس، أنه حتى الدول الأكثر تقدما، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تأثرت بأزمة الطاقة.
وعلى الرغم من امتلاك اليابان احتياطيات استراتيجية كبيرة، وقدرة البلدين على التحول مؤقتا إلى الفحم أو شراء بعض الغاز الطبيعي المسال من السوق الفورية، بتكلفة مرتفعة، يدرك القادة في طوكيو وسول جيدا أن الوضع قد يتدهور سريعا حال تصعيد الموقف في الشرق الأوسط.
وفي كوريا الجنوبية، تجددت الضغوط من أجل الحصول على حق تخصيب نسبة أعلى من اليورانيوم محليا، للمحطات النووية بالبلاد. كما أن تخصيص إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موارد عسكرية ضخمة للشرق الأوسط، إلى جانب ما يبدو تجاهل لحلفاء واشنطن في آسيا، أثار نقاشا جديا في طوكيو وسول حول ما إذا كانت الدولتان بحاجة إلى امتلاك أسلحة نووية خاصة بهما. ويرى كورلانتزيك أن مجرد احتمال أن تتمكن كوريا الجنوبية من تخصيب نسبة أعلى من اليورانيوم محليا سوف يكون له تداعيات جيوسياسية هائلة في المنطقة. وإذا اتجهت اليابان وكوريا الجنوبية نحو امتلاك أسلحة نووية، فإن الصدمة الجيوسياسية-وما تحمله من مخاطر-ستكون لا حد لها.
وكوريا الجنوبية بالفعل من أكبر منتجي الطاقة النووية في العالم، وهي بصدد توسيع قدراتها النووية المدنية. أما في اليابان، فقد جعلت القيادة الطاقة النووية محورا رئيسيا في أجندتها السياسية، رغم استمرار القلق الشعبي منذ كارثة فوكوشيما عام .2011 وقد سرعت حرب إيران خطط طوكيو لإعادة تشغيل المفاعلات النووية وإقامة أخرى جديدة. يشار إلى أن الاتفاق النووي لعام 1974 بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة (اتفاق 123)، يمنع سول من تخصيب اليورانيوم محليا، ويلزمها باستيراد الوقود المخصب. وفي أواخر العام الماضي، اتفق الطرفان على تعديل يسمح لسول بتخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 20% لأغراض مدنية (وهي نسبة أقل بكثير من المستوى المطلوب لصنع الأسلحة). وأدى احتمال زيادة نسب التخصيب في كوريا الجنوبية بالفعل إلى تحذيرات شديدة من كوريا الشمالية، المسلحة نوويا، ومن الصين، من عواقب وخيمة، لم تتحدد طبيعتها.
أما اليابان، فهي تمتلك بالفعل القدرة والحق في تخصيب اليورانيوم. ومن دون إعلان رسمي، تمتلك اليابان ما يعرف بـ"القدرة النووية الكامنة"، أي القدرة على تطوير أسلحة نووية سريعا دون تجاوز العتبة الفعلية لتصنيعها.
وأشار كورلانتزيك إلى ما كتبه دانيال شنايدر، الزميل غير المقيم في معهد الاقتصاد الكوري، من أن اليابان "تمتلك مخزونا يبلغ 45 طنا من البلوتونيوم الصالح لصنع الأسلحة (منها 8 أطنان داخل البلاد)، إضافة إلى القدرة على تخصيب اليورانيوم، وتقنيات الصواريخ الباليستية المطورة ضمن برامج إطلاق الأقمار الصناعية، وطائرات مقاتلة متقدمة قادرة على حمل أسلحة نووية".
كما أشار تقرير حديث للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن هذه القدرة الكامنة تمكن اليابان من مواجهة التهديدات الإقليمية، وفي الوقت نفسه تمنحها ورقة ضغط دبلوماسية على أمريكا إذا ما سحبت إدارة ترامب ضماناتها الأمنية.
ويؤكد المحلل كورلانتزيك أن الكثيرين في كوريا الجنوبية يريدون امتلاك قدرات مماثلة لليابان، إذ لم يعودوا يثقون في المظلة النووية الأمريكية. ولم يكتف قادة البلدين بالدفع نحو توسيع الطاقة النووية، بل بدأوا كذلك في طرح احتمال امتلاك أسلحة نووية بشكل متزايد. وبحسب استطلاع أجراه معهد آسان للدراسات السياسية في أبريل 2025، يؤيد 76% من الكوريين الجنوبيين امتلاك "قدرة نووية محلية"، وهي أعلى نسبة يسجلها المعهد.
كما قال أقل من نصف المشاركين إن أمريكا سوف تستخدم أسلحة نووية للدفاع عن كوريا الجنوبية إذا تعرضت لهجوم نووي من الشمال. وبفضل القدرة النووية الكامنة، يمكن لأي من البلدين تطوير أسلحة نووية خلال فترة قصيرة نسبيا. ويتوقع الخبراء أن يستغرق ذلك بضعة أشهر بالنسبة لليابان، ووقتا أطول في كوريا الجنوبية.
ويرى خبراء في قضايا الانتشار النووي أن كوريا الجنوبية قد تتحول، نظريا، إلى دولة منبوذة إقليميا، حال سعت إلى تحقيق مستوى القدرة الكامنة الذي تمتلكه اليابان، وقد تتعرض لعقوبات اقتصادية، أو ربما يدفع ذلك واشنطن إلى سحب ضماناتها الأمنية رسميا.
ومع ذلك، يشير الخبراء إلى ضرورة التعامل بحذر مع نتائج استطلاع معهد آسان، إذ يتراجع الدعم الشعبي للأسلحة النووية المحلية بشكل ملحوظ إذا اعتقد المواطنون أن ذلك سوف يؤدي إلى إنهاء التحالف مع واشنطن. ورغم ذلك، ألمح الرئيس ترامب في بعض الأحيان إلى أنه قد لا يعارض حصول حلفاء واشنطن في شمال شرق آسيا على أسلحة نووية، ولم يبد قلقا كبيرا من انتشارها.
وإذا استمر هذا الموقف مع سعي كوريا الجنوبية لتعزيز قدراتها النووية الكامنة، فقد تواجه سول عزلة أقل وعقوبات أقل، لكن ذلك لن يقلل من المخاطر الجيوسياسية. بل إن تحذيرات الصين القوية حتى بشأن زيادة قدرات التخصيب تجعل من الصعب تقدير مدى سرعة أو شدة رد فعلها إذا ما اتجهت كوريا الجنوبية نحو امتلاك هذه القدرات.
أما اليابان، فإن اقترابها من امتلاك أسلحة نووية قد يثير ردود فعل أشد من الصين، خاصة في ظل تدهور العلاقات بين البلدين. ومع تراجع التزام واشنطن بسياسات عدم الانتشار في آسيا، وتزايد الشكوك بشأن التزامها بحماية حلفائها- وهو شعور واضح أيضا في أوروبا، حيث تدرس فرنسا والمملكة المتحدة توسيع مظلتيهما النوويتين-قد تتجه اليابان وكوريا الجنوبية نحو مسار يعزز الطاقة النووية وربما يؤدي في النهاية إلى امتلاك أسلحة نووية.
وقد أبقت رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايشي، التي حققت فوزا انتخابيا كبيرا قبل عدة أسابيع، الباب مفتوحا مام احتمال تخلي طوكيو عن التزامها بعدم امتلاك أسلحة نووية.
وتشير شيزوكا كوراميتسو، من مؤسسة كارنيجي، إلى أن تاكايشي، تعهدت بإجراء "تحولات سياسية مهمة"، بما في ذلك تعديل الدستور الياباني، وأن نتائج الانتخابات قد تعزز ثقتها في إعادة النظر في المبادئ الثلاثة غير النووية.
وفي ظل تركيز واشنطن على الشرق الأوسط، وحاجة العالم المتنامية للطاقة، وقلق الحلفاء الآسيويين بشأن المستقبل، يبدو احتمال ظهور عدة دول نووية في شمال شرق القارة أمرا واردا على نحو خطير.
