بين غطرسة نتنياهو وتعثر المفاوضات.. غزة فوق فوهة «بركان الإبادة» مجددًا
عندما تهب رياح «الخماسين» في غزة، يغلق الناس نوافذهم اتقاءً للغبار، لكنهم اليوم يغلقون قلوبهم على خوفٍ لا يداويه صمت المدافع المؤقت. في شوارع غزة التي لم يغادرها ركام البيوت، يراقب الغزيون شاشات التلفزة بوجل؛ فكلما تحدثت «إسرائيل» عن «دراسة استئناف القتال» أو بمعنى أدق «استئناف الإبادة»، شعر الناس هنا أن أرواحهم المعلقة بخيط بوابة رفح المترددة توشك أن تنقطع. لم تكن الهدنة بالنسبة لهم سوى استراحة محارب فوق فوهة بركان، واليوم، مع تعثر المفاوضات وتصاعد لهجة التهديد، يبدو أن «البركان» يستعد للثوران مجددًا.
طبول الحرب تقرع في غرف «الكابينت»
لم يكد الغزيون يلتقطون أنفاسهم منذ وقف إطلاق النار في مطلع أكتوبر الماضي، حتى عادت الغيوم السوداء لتلبد سماءهم. الأخبار الواردة من تل أبيب تتحدث عن اجتماع مرتقب للمجلس الوزاري المصغر (الكابينت) لبحث العودة إلى «الخيار العسكري». هذا التصعيد لم يأتِ من فراغ، بل ترافق مع تحركات ميدانية مريبة؛ حيث وسع جيش الاحتلال ما يسمى بـ«الخط الأصفر» غربًا، لتصل نسبة سيطرته الفعلية إلى نحو 59% من مساحة القطاع، محولًا مساحات واسعة إلى مناطق عسكرية مغلقة.
التقارير العبرية، وتحديدًا إذاعة الجيش الإسرائيلي، أكدت أن المؤسسة العسكرية لم تكن نائمة؛ فقد نقلت ألوية قتالية كاملة من جبهة لبنان إلى تخوم غزة، ووضعت خططًا عملياتية جاهزة للتنفيذ، بانتظار «الضوء الأخضر» السياسي الذي يبدو أنه مرهون بمباركة واشنطن والقدرة على حشد قوات الاحتياط مجددًا.
السلاح مقابل المساعدات: عقدة المنشار
في كواليس المفاوضات المتعثرة، برزت مجددًا خطة رئيس مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، التي حاولت أطراف دولية إحياءها كقاعدة لإنهاء الجمود، وهي الخطة التي تقوم في جوهرها على معادلة «الهدوء مقابل التنمية»، لكن بلمسة أمنية أكثر حدة هذه المرة. تشير المعلومات المسربة من أروقة التفاوض إلى أن المقترح يتضمن حزمة إغراءات اقتصادية واسعة، تشمل بناء ميناء عائم وتسهيلات تجارية غير مسبوقة، شريطة وضع «جدول زمني» لبحث مصير السلاح الثقيل للفصائل، وهو ما اصطدم بصخرة الرفض القاطع من غزة.
في المقابل، تصر حركة حماس على موقفها الذي تصفه بـ«الثابت». ويرى عبد الجبار سعيد، عضو المكتب السياسي للحركة في الخارج، أن غطرسة الاحتلال تحاول القفز فوق بنود المرحلة الأولى من الاتفاق. ويؤكد سعيد في تصريحاته أن ملف «سلاح المقاومة» خط أحمر، وليس مطروحًا للنقاش في المرحلة الحالية.
ويضيف: «إننا نرفض أي نقاش حول السلاح قبل الالتزام الكامل بالاستحقاقات الإنسانية، من تدفق المساعدات وإعادة الإعمار ووقف الخروقات اليومية». وبحسب الرؤية الحمساوية، فإن قضية السلاح ترتبط بسياق وطني شامل وأفق سياسي للدولة الفلسطينية، وليست «كرتًا» يُقايض برغيف خبز أو حبة دواء، وهو ما تعتبره إسرائيل «تعنتًا» يبرر عودتها للقصف.
نتنياهو والمقامرة بدم الغزيين
في قراءة لهذا المشهد المعقد، يرى المحلل السياسي شادي مدانات أن رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، يجد في غزة «طوق نجاة» سياسيًا. ويشير مدانات لـ«عُمان» إلى أن نتنياهو يوظف كل رصاصة لإطالة عمر ائتلافه اليميني المتطرف وتفادي قفص الاتهام القضائي.
ويحلل مدانات الوضع قائلًا: «بعد الإخفاقات في الجبهات الإقليمية، يبحث نتنياهو عن نصر صوري يبيعه لجمهوره الانتخابي». ويحذر من أن ما يحدث هو «تهجير ناعم» يستغل انشغال العالم بأزمات أخرى، حيث يتم تدمير مقومات الحياة لجعل غزة منطقة غير قابلة للعيش، بتنسيق يمرر مشاريع مثل «مجلس السلام» الذي يخدم الرؤية الصهيو-أمريكية تحت غطاء ترتيبات دولية.
من جانبه، يذهب المحلل السياسي إياد جودة إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن «الحرب لم تتوقف أصلًا». ويقول جودة: «الاحتلال كيان توسعي لا يؤمن بالهدنة إلا كفترة لالتقاط الأنفاس». ويدلل على ذلك بسقوط أكثر من 830 شهيدًا منذ أكتوبر الماضي رغم إعلان وقف النار، مؤكدًا أن ما يجري هو تحول من «الحرب الشاملة» إلى «عمليات استنزاف» تهدف لمحو الهوية التاريخية للقطاع وتوسيع الاستيطان.
أصوات من تحت الركام: «الموت أهون من النزوح»
خلف التحليلات السياسية الباردة، هناك بشر يرتجفون من فكرة العودة إلى الخيام أو الأكفان.
أم محمد العكلوك (48 عامًا)، نازحة في دير البلح، تقول بمرارة: «كلما سمعنا عن تعثر المفاوضات، أشعر أن قلبي سينخلع. لقد فقدت ابني ومنزلي في الحرب الماضية، فماذا سآخذ معي هذه المرة؟». وتضيف: «نحن لا ننام، نراقب الطائرات في السماء وكأنها قدرنا المحتوم. غطرسة نتنياهو تعني أننا سنعود للموت مرة أخرى، وكأننا لسنا بشرًا».
أما الحاج إبراهيم غانم (65 عامًا)، الذي يقف أمام ركام بيته في خان يونس، فيقول بصوت متهدج: «يتحدثون عن السلاح وعن المناطق الصفراء، ونحن نتحدث عن أطفالنا الذين يموتون من الجوع والخوف. الهدنة كانت كذبة كبيرة». ويتابع: «الآن يريدون العودة للقتال. يبدو أنهم يريدون إجبارنا على الرحيل، لكننا لن نترك هذه الأرض، فالموت فيها أهون من ذل النزوح مرة أخرى».
غزة في مواجهة «المنهج القاتل»
بينما تنشغل الماكينة الإعلامية العالمية بملفات أخرى، تُركت غزة وحدها في مواجهة آلة حرب تعمل بمنهجية تستهدف البشر والحجر. السيطرة الإسرائيلية التي تجاوزت 63% من مساحة القطاع (وفق تقديرات أبو هنية)، واستمرار المجازر الصامتة في «المناطق الصفراء»، تجعل من الحديث عن «سلام قريب» ضربًا من الخيال.
يبقى السؤال المعلق في فضاء غزة المثقل برائحة البارود: هل سيسمح العالم لنتنياهو بجر المنطقة إلى دوامة دم جديدة؟ أم أن صمود الفلسطينيين سيكسر مجددًا أحلام «النصر الشكلي» التي يطاردها اليمين الإسرائيلي فوق أنقاض غزة؟ الأيام القليلة القادمة ستجيب بـ«الرصاص» أو بـ«المفاوضات»، وفي كلتا الحالتين، يظل المواطن الغزي هو من يدفع الفاتورة الأغلى.
