No Image
العرب والعالم

بعد أربعين يوما.. ماذا أنجزت الحرب وما الذي عجزت عن حسمه؟

08 أبريل 2026
08 أبريل 2026

"عمان": لم ينهِ وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الجدلَ المركزي الذي أثارته الحرب. لكنه أوضح النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها هذا الجدل. فالسؤال الذي تطرحه اللحظة ليس من وجّه الضربة الأقسى؟ فهذه المسألة، على الأقل في حدود القوة العسكرية التقليدية، ليست عسيرة الإجابة. السؤال الأصعب هو ما إذا كانت الحرب قد حققت الأغراض السياسية الأوسع التي خيضت من أجلها. هل اكتفت الولايات المتحدة وإسرائيل بإظهار تفوقهما في القوة النارية، أم أنهما أعادتا تشكيل المشهد الاستراتيجي على نحو دائم؟ وهل كانت إيران مجرد طرف تلقى الضربات، أم أنها نجحت في تعطيل النتيجة التي أراد خصومها فرضها؟ أهمية وقف إطلاق النار أنه أبقى هذه الأسئلة مفتوحة. لقد أوقف "الجحيم" قبل أن يستقر معناه استقرارا نهائيا.

وأي قراءة جادة لهذه الحرب لا بد أن تبدأ بتمييز تحاول لغة الحرب نفسها طمسه عادة: التفوق العسكري ليس هو النصر الاستراتيجي. قد تسيطر دولة على ميدان القتال، ثم تعجز مع ذلك عن إنتاج نتيجة سياسية مستقرة. قد تدمر بنى تحتية، وتقضي على قيادات، وتضعف قدرة صاروخية، وتوقع بخصمها ألما استثنائيا، ثم لا تنجح في إقامة نظام جديد يُجبر الآخرون على القبول به. ويبدو أن هذه الحرب أفضت إلى مثل هذه النتيجة المنقسمة بالضبط. أظهرت الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقا في ساحة القتال التقليدية. لكن إيران، رغم الخسائر التي تكبدتها، تبدو وكأنها منعت هذا التفوق من أن يتحول إلى تفوق استراتيجي أو تسوية سياسية نهائية. النتيجة، لذلك، ليست انتصارا صافيا، ولا تعادلا بسيطا. إنها حصيلة منقسمة، فاز فيها كل طرف بشيء مختلف.

على المستوى العسكري فرضت الولايات المتحدة وإسرائيل أفضلية واضحة في القوة الجوية، ودمج المعلومات الاستخباراتية، واختيار الأهداف، وإدارة التصعيد. وتكاد التحليلات الغربية الصادرة عن المؤسسات الاستراتيجية تتفق على أن الحملة ألحقت ضررا كبيرا بمنظومات الإطلاق الإيرانية، وبنيتها العسكرية، وأجزاء من هيكلها الاستراتيجي، بما في ذلك عناصر مرتبطة بالقدرات الصاروخية والنووية. وحتى التقديرات الأكثر حذرا تميّز بين ما ظل سياسيا موضع شك، وما كان عملياتيا ظاهرا للعيان.

لكن هذه الحقيقة لا تكفي لحسم السؤال الأكبر. فإذا كان هدف الحرب هو المعاقبة، فإن قدرا كبيرا من هذا الهدف قد تحقق. أما إذا كان الهدف هو إحداث تحول استراتيجي حاسم، فإن الصورة تبدو أقل وضوحا بكثير. فالأهداف الأوسع التي أحاطت بالحملة، تصريحا أو تلميحا، لم تكن عسكرية خالصة. لقد شملت كسر قدرة إيران على الإكراه، وفرض اصطفاف سياسي جديد، وإسقاط النظام أو ربما إضعافه إلى حد يفتح الباب أمام تصدعه من الداخل، فضلا عن إعادة تثبيت تراتبية إقليمية لا ينازعها أحد، ترتكز إلى القوة الأمريكية والإسرائيلية. غير أن وقف إطلاق النار نفسه يوحي بأن هذه الأهداف الأوسع ما تزال معلقة. إيران تضررت، لكنها لم تنته سياسيا. والنظام اهتز، لكنه لم يسقط أو يتصدع. أما العمق الاستراتيجي الإيراني، فرغم ما أصابه من ضرر، فإنه لم يتلاش. والحرب التي أريد لها أن تنتج خاتمة سياسية لا لبس فيها انتهت، حتى الآن، إلى هدنة تؤكد غياب هذه الخاتمة.

ولهذا تكتسب مسألة بقاء النظام كل هذه الأهمية. ففي حروب من هذا النوع، لا يُعد البقاء معيارا ثانويا. إنه أحد المعايير الأساسية للحكم على النتيجة. فالدولة التي تتعرض لقصف مستمر لا تحتاج إلى مضاهاة خصمها في القدرة التدميرية حتى تُفشل المقاصد الأوسع للحرب، يكفيها أحيانا أن تحافظ على استمرارية القرار، وأن تمنع الانهيار الداخلي، وأن تتجنب مشهد الخضوع السياسي. وبحسب هذه المعايير، تستطيع إيران أن تدفع بحجة جدية مفادها أنها نجحت في المنع الاستراتيجي. فهي لم تنتصر في الحرب بالمعنى التقليدي للكلمة إن كان لا بد أن يكون في هذه الحرب منتصرا واضحا؛ لكنها منعت خصومها من الوصول إلى النتيجة التي كان من شأنها أن تحول النجاح العسكري إلى اسقاط النظام السابق وبناء نظام جديد تفرضه أمريكا وإسرائيل على مقاسهما. وهذا المنع مهم بالنسبة لإيران؛ لأنه يُبقيها فاعلا قادرا على التأثير في المرحلة التالية، لا مجرد موضوع مهزوم ينتظر الشروط التي يفرضها عليه الآخرون.

والحذر نفسه ينبغي أن ينسحب على الكلام عن التفوق الإسرائيلي في الإقليم. تستطيع إسرائيل، بقدر غير قليل من الوجاهة، أن تقول إنها عززت الردع، وأكدت قدرتها على الوصول البعيد، وأثبتت مرة أخرى أنها تستطيع ضرب التهديدات الاستراتيجية على مسافات كبيرة. لكن التفوق ليس هو الهيمنة. فالهيمنة تعني أكثر من القدرة على إصابة الأهداف؛ إنها تعني القدرة على تشكيل البيئة الإقليمية بحيث تصبح قدرة الخصم على الرد أو التعطيل أو فرض الكلفة أمرا ثانويا. وهذا الوضع لم يتكرس بعد، ولا توحي أسابيع الحرب بأنه في طريقه إلى التكرس. فلو كانت الحرب قد أنشأت هيمنة إسرائيلية لا تنازع، لما بقي الإقليم على هذا القدر من القابلية للاهتزاز الاقتصادي، والقلق البحري، والخشية من اتساع الصراع. إن أفضلية الميدان، مهما كانت كبيرة، لا تكفي وحدها لصنع سيطرة سياسية على مستقبل المنطقة.

ومن هنا، فإن أقوى ما يمكن أن تستند إليه إيران لا يتعلق بالتماثل في القوة، بل بالقدرة على التعطيل. فهي تبدو وكأنها أثبتت أن تلقي الضربات الثقيلة لا يمنعها من إعاقة الحسم. وأنها، حتى وهي تحت القصف، ما تزال قادرة على فرض المخاطرة، ودفع خصومها إلى التعامل مع مسرح استراتيجي أوسع دخلت فيه دول الخليج، والتجارة البحرية، وتدفقات الطاقة، وثقة المستثمرين، كلها في حساب نتيجة الحرب. وربما كان هذا هو السبب الأهم الذي يجعل من الصعب قراءة الحرب من خلال عدسة عسكرية خالصة. فدلالتها لم تُختزل يوما فيما جرى عند منصات الإطلاق ومراكز القيادة. لقد ظهرت أيضا في حسابات الشحن، وأقساط التأمين، وأسعار النفط، والأسواق المالية، وفي الإحساس المتزايد بأن الحرب يمكن أن تمتد إلى الخارج بسرعة تتجاوز قدرة أي طرف على ضبطها الكامل.

ولم يكن دور الخليج في هذه الحرب عرضيا. كان دورا بنيويا. فالصراع الذي يهدد مضيق هرمز، وإنتاج الطاقة، وشبكات النقل الإقليمية، لا يمكن النظر إليه باعتباره مواجهة ثنائية يمكن احتواؤها داخل حدودها المباشرة. فالوكالة الدولية للطاقة أشارت إلى أن ما يقرب من 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية مرّ عبر هرمز في عام 2025، إلى جانب حصة وازنة من صادرات الغاز الطبيعي المسال عالميا. كما شددت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية وصندوق النقد الدولي على السرعة التي ينتقل بها الاضطراب في الخليج من المجال العسكري إلى الأسعار، والنمو، والتجارة، والثقة المالية. وهذا يعني أن أي تقييم جاد للنصر لا بد أن يسأل، لا عن الطرف الذي دمّر أكثر فحسب، بل عن الطرف الذي نجح في تحميل النظام الأوسع جزءا من كلفة الحرب. وعلى هذا المقياس، بقيت قدرة إيران على التعطيل ذات وزن استراتيجي، حتى وهي تحت ضغط عسكري شديد. ولم ينجح هذا التفوق في إعادة الملاحة إلى وضعها الطبيعي، إلى حد دفع الرئيس الأمريكي إلى استخدام لغة تصعيدية حادة في تهديده لطهران إذا لم تُفتح حركة العبور في المضيق.

وجاء رد فعل الأسواق على وقف إطلاق النار ليجعل هذه الحقيقة مرئية على الفور. هبط النفط هبوطا حادا. وقفزت الأسهم الخليجية. وسارع المستثمرون إلى خفض تسعير المخاطر. ولم تكن الأسواق في تلك اللحظة تصادق على رواية هذا الطرف أو ذاك. لقد كانت تصدر حكما أكثر تقشفا: استمرار الحرب أصبح أعلى كلفة، وأكثر قابلية للانتشار، وأشد صعوبة على العزل عن الاقتصاد الدولي الأوسع. وهذا التفاعل يقول شيئا مهما عن حدود الإكراه. فحتى عندما يتمتع طرف ما بتفوق تقليدي واضح، فإنه لا يسيطر بالضرورة على النتائج الأوسع لاستخدام هذا التفوق. وإذا كانت الحرب قد عجزت عن تجنب إرباك التجارة والطاقة والثقة الإقليمية، فإن معناها الاستراتيجي لا يمكن قياسه بالأداء العسكري وحده.

ومن هنا تأتي الدلالة الحقيقية لوقف إطلاق النار. فهو ليس دليلا على أن الصراع الأساسي قد وجد حله. الأمر يشير إلى أن الحرب بلغت مرحلة تراجعت فيها العوائد الاستراتيجية للاستمرار. ربما كان مزيد من القصف سيعني مزيدا من التدمير، لكنه لم يكن كفيلا بضمان مقدار مكافئ من الوضوح السياسي. وربما كان مزيد من الصمود الإيراني سيحافظ على صورة التحدي، لكنه لم يكن قادرا على قلب جوهر المعادلة العسكرية. وعندما تصل الحرب إلى هذه العتبة يذهب الجميع إلى الدبلوماسية التي تركوها في بداية الحرب عند عتبة المنطقة. ولذلك لا يمكن القول إن وقف إطلاق النار هو خاتمة لهذه الحرب، فجوهر الحرب لم يتحقق بعد. ما حدث فجر الأربعاء هو اعتراف من جميع الأطراف بحدود ما يمكن أن تنتجه القوة وحدها، مهما اختلفت الصياغات العلنية لهذا الاعتراف.

فهل حققت الولايات المتحدة وإسرائيل أهدافهما؟ بالمعنى العسكري الضيق، حققتا الكثير. أظهرتا التفوق، وأوقعتا الضرر، وضيقتا هامش الحركة الإيراني في المدى القريب. لكن إذا كانت الأهداف الأوسع تشمل إسقاط النظام، أو حسم التوازن الإقليمي نهائيا لمصلحة إسرائيل، أو إنهاء قدرة إيران على فرض الكلفة خارج حدودها، فإن الجواب يبدو أقل يقينا. وهل انتصرت إيران؟ ليس بالمعنى التقليدي. لقد تلقت ضربات شديدة. لكن إذا كان هدفها هو البقاء، وتجنب الانهيار السياسي، وحرمان خصومها من تسوية نهائية بشروطهم وحدهم، فإنها تكون قد حققت مستوى كبيرا من ذلك. بهذا فإن الحرب لم تفرز منتصرا صريحا واحدا، لقد أفرزت نتيجة منقسمة: نجاحا أمريكيا وإسرائيليا في المرحلة العسكرية، ونجاحا إيرانيا في منع الحسم النهائي، ومآلا إقليميا أوسع لم يستطع فيه أي طرف أن يفرض تسوية استراتيجية لا ينازعه عليها أحد.

هذه هي الخلاصة التي يتركها وقف إطلاق النار وراءه. الحرب أوضحت تراتبية القوة، لكنها لم تحسم تراتبية النتائج. وأظهرت أن واشنطن وتل أبيب قادرتان على الضرب أبعد وأقسى. لكنها أظهرت أيضا أن تلقي الضربات القاسية ليس هو نفسه النهاية الاستراتيجية. وكشفت أن إيران رغم فارق القوة العسكرية بينها وبين خصومها في هذه الحرب إلا أنها كانت قادرة على الصمود والرد الموجع في العمق الإسرائيلي وفي إحداث خلل اقتصادي عالمي كبير. لم تنتج الحرب نظاما جديدا مستقرا في الإقليم بقدر ما أنتجت جدلا مفتوحا حول ما الذي ما تزال القوة قادرة على إنجازه في الشرق الأوسط، وما الذي لم تعد قادرة على حسمه. وقف إطلاق النار جمّد هذا الجدل لكنه لم ينهه حتى الآن.