العرب والعالم

الاحتلال يشرعن «الترسيم بالنار» لفرض جغرافيا الاستسلام

25 مايو 2026
غزة في مصيدة الخرائط الملونة..
25 مايو 2026

غزة - بهاء طباسي

خلف خطوط تبدو على الخرائط الرقمية مجرد ألوان صماء، تُدار في أزقة شرق غزة وقراها الحدودية معركة وجودية تفصل بين البقاء والفناء، حيث تلتصق العائلات بالأرض داخل بيوتها، تتحسس أنفاسها مع كل أزيز لطائرة مسيرة، إذ باتت أي حركة تُفسر آلياً كـ«هدف مشروع» في عين الرادارات ومنظومات القتل الإسرائيلية.

في تلك الغرف البسيطة، يتشبث الأطفال بصدور أمهاتهم، فخارج النوافذ المغلّفة بالأخشاب لا يمر الهواء وحده، بل يمر الرصاص الذي لا يجد ما يصطدم به سوى «خوف السكان» المحاصرين بين حرب لم تُعلن نهايتها، وبين خطوط برّاقة تُسمّى «الخط الأصفر» و«الخط البرتقالي»، لكنها في الواقع تُرسّخ مناطق ممنوعة على الحياة نفسها.

«ضوء أخضر» لتوسيع رقعة الموت

في كواليس القرار العسكري الإسرائيلي، تلقت قيادة المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال «الضوء الأخضر» لتوسيع الهجمات في القطاع، بشرط ألا تجر الساحة إلى تصعيد أوسع، وهو ما يُقدَّم كـ«خيار محسوب»، لكنه يُمارس على الأرض كعملية «ترسيم بالنار» تعيد تشكيل غزة من الداخل وترسم خطوطاً ممنوعة على حركة الحياة.

وقبل فهم تداعيات هذا القرار، ينبغي توضيح الأدوات الميدانية التي تُستخدم لتبريره، حيث يبرز «الخط الأصفر» كإفراز لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير، والذي يتيح للاحتلال السيطرة الفعلية والنارية على أكثر من 50% من مساحة القطاع عبر مناطق اشتباك صارمة، بينما يمثل «الخط البرتقالي» واقعاً جديداً كمنطقة محرمة تقع غرب الخط الأصفر، تمنح القوات الإسرائيلية حرية الحركة والضرب و«تحرير النيران» داخل عمق القطاع ضد أي هدف يُعتبر مهدداً، وغالباً دون تفرقة بين مقاوم ومدني.

خروقات الاحتلال بلغة الأرقام

ما أعلنته القنوات العبرية عن «توسيع الهجمات» ليس خبراً عابراً، بل هو مشهد من مشاهد الحرب الممتدة التي تُدار عبر الضربات الدقيقة وعزل القطاع إلى خلايا جغرافية مشروطة. وبالتوازي مع هذا التصعيد، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية لاتفاق التهدئة منذ سريانه وحتى اليوم 20 مايو 2026، ارتفعت إلى «860 شهيداً و2486 مصاباً»، وهو ما يحمل نوايا تصعيدية واضحة للضغط على المقاومة.

وتتزامن هذه الدماء مع واقع إنساني مرير، حيث يواصل الاحتلال عرقلة البروتوكول الإنساني بإدخال أقل من 200 شاحنة يومياً، بنسبة لا تتجاوز 38% من العدد المتفق عليه البالغ 600 شاحنة، مما يحول المناطق القريبة من الخطوط الملونة إلى ساحات إعدام وتجويع ممنهج.

قراءة عسكرية: غزة كحقل تجارب دائم

في قراءة سياسية، يرى محلل الشؤون العسكرية الإسرائيلي أسير ليڤي أن سلطات الاحتلال تُعيد تعريف غزة كمساحة مقيدة لا كقطاع قابل للتفاوض، حيث يُكرّس قرار توسيع الهجمات نموذجاً لحرب محدودة زمنياً لكنها ممتدة، تُستخدم فيها الخطوط الملونة كأدوات تحكم في الحركة لا كخطوط تهدئة، وهذا يفسر ربط الغارات في الجنوب والوسط بفرض «الخط البرتقالي».

وعلى جانب آخر، يرى الباحث د. هاني المصري، رئيس المركز الفلسطيني للدراسات الاستراتيجية، في حديثه لجريدة الأيام، أن الاحتلال يُعيد بناء القطاع كحقل مغلق تُدار فيه حرب دائمة مخفية تحت لغة الضغط، حيث يتم تحويل غزة إلى مشروع مقيد جغرافياً واجتماعيًا تُقطع فيه مساحات الحركة وتُضيّق فيه مساحات الحياة، مما يرسخ الاحتلال ويفقد القطاع أي مشروع سياسي حقيقي.

وفي سياق متصل، يربط الكاتب والمحلل الفلسطيني فتحي براهمة بين تنامي قوة المقاومة وتصعيد الاحتلال، مؤكداً، لجريدة الأيام، أن الحرب لم تعد تُقاس بعدد القتلى اليومي، بل بقدرة المقاومة على البقاء في الشارع والتمركز في قلب الحياة اليومية، وكلما ترسخت هذه القدرة، زاد الضغط الإسرائيلي على شكل تصعيد محدود ومُدار، لا يُعلن عنه كحرب شاملة لكنه يُمارس كحرب بكل معانيها وبشاعتها.

الحسابات الإقليمية ومشاريع الإدارة

من الزاوية العربية، يرى المحلل وسام عفيفة أن توسيع الهجمات يأتي في لحظة حساسة تتسم بالتوتر الإقليمي، حيث تُمارس إسرائيل ما يمكن تسميته «الحروب بالوكالة»؛ إذ يكون الحدث في غزة لكن الحسابات تُبنى على سياق أوسع لتوجيه رسائل للأطراف الإقليمية مثل إيران وحزب الله.

ويضيف عفيفة، أن غزة تُصبح مسرحاً مفتوحاً لا حسم له، وهو ما يفسر الاكتفاء بتصريحات «القلق» الدولية التي لا تُقابل بخطوات حقيقية لرفع الحصار أو ضمان حماية السكان، بينما تُنظر دول الوساطة إلى هذه المرحلة كـ«حرب استنزاف» يُفضَّل فيها تجنب الانفجار الشامل دون تقديم بديل حقيقي لغزة سوى البقاء تحت النار.

وعلى مستوى القرار الدولي، تبرز التناقضات بين «الخط البرتقالي» الميداني وما يُعرف بـ«مجلس سلام ترامب» لإدارة غزة، حيث ينظر محللون في مراكز دولية مثل «بروكينغز» إلى هذا المجلس كـ«مشروع إداري» يهدف لإضعاف قدرة المقاومة على تشكيل بديل سياسي، وتقديم غزة للعالم كمنطقة تحت الإشراف لا كأرض محتلة، مما يُحوّل غزة إلى مشروع «إدارة» لا إلى مشروع «تحرير» أو «عدالة».

التفاوض تحت لغة القذائف

سياسياً، سلمت فصائل المقاومة ردها مطلع شهر مايو الحالي على مقترح المبعوث السامي «نيكولاي ميلادينوف»، متمسكة بتنفيذ المرحلة الأولى كاملة، خاصة في ظل استمرار عرقلة المساعدات وعدم التزام الاحتلال بالبروتوكول الإنساني.

وتتزامن هذه المراوغة مع تهديدات نتنياهو بشن عدوان جديد بذريعة «نزع السلاح»، وهو ما يراه مراقبون نهجاً معتاداً لـ«التفاوض تحت النار»، حيث تُستخدم القذائف كأوراق تفاوض لانتزاع تنازلات ميدانية وفرض واقع «المرحلة الثانية» وفق مقاس الاحتلال، خاصة بعد اجتماع نتنياهو الأخير بقادة المؤسسة الأمنية لمناقشة جبهة غزة بعيداً عن أروقة «الكابينت».

وفي هذا الصدد، يرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل، أن هذا المشهد المتداخل الذي يجمع بين الحصار الإغاثي، والترسيم الميداني بالخطوط الملونة، والتهديد بالعدوان الشامل، يضع غزة برمتها أمام اختبار تاريخي غير مسبوق؛ إذ لم تعد الحرب في جوهرها مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى محاولة «هندسية» لاقتلاع إرادة البقاء من جذورها الجغرافية، ويستطرد: «مع كل قذيفة تُسقط حائطاً أو تُرسم خطاً جديداً، يترسخ القلق من تحول هذا الاستنزاف إلى واقع أبدي يقبله العالم كأمر واقع، ويتحمله الفلسطيني وحده بدمه».

ويضيف عوكل أن «هذا الواقع يضعنا أمام سؤال أكبر: هل تنجح إسرائيل، عبر هذا المزيج من الضغط العسكري المفرط والفرض الجغرافي الصارم، في إجبار شعب غزة على قبول واقع جديد لا يُقاومه بسلاحه بل يحتمله بحياته؟ أم أن حرب "التوسع المحدود" والترسيم بالنار ستفجر في النهاية ردود فعل وطنية تعيد تعريف موازين القوى، وتخرج الصراع من دائرة «القصف المنظم» إلى مواجهة شاملة لا تملك أي خرائط أو خطوط ملونة القدرة على احتوائها؟».