الرياضية

رحلة بحرية شراعية تحقق طموح الفرنسي "يان"

04 سبتمبر 2025
من مسقط إلى جوادر الباكستانية
04 سبتمبر 2025

كتب – عامر الأنصاري

بدأ مجموعة من البحارة العمانيين برفقة بحار فرنسي تجمعهم الصداقة والشغف وروح التحدي بخوض تجربة فريدة في رياضة الإبحار الشراعي، منطلقين من سلطنة عمان نحو باكستان وتحديدا "جوادر" عبر قارب شراعي، معتمدين على قوة الرياح الموسمية ذهابا وإيابا، لتكون رحلتهم صديقة للبيئة مستثمرة قوة الطبيعة المتمثلة بالرياح المناسبة لحمل القارب ومن على متنه.

ضمت الرحلة مجموعة من ممارسي رياضة الإبحار الشراعي، وعلى رأسهم سلطان بن سليمان البلوشي، والمختار بن عبدالكريم المجيني، وكلاهما موظفون في "عمان للإبحار"، واللذان حدثانا في التالي عن تفاصيل تلك الرحلة وما صاحبها من مواقف وتحديات ومحطات ستحفر في الذاكرة، وقد شاركهم كل من البحارين غسان البلوشي، وفايز البلوشي، والفرنسي "يان".

بدأت الفكرة تلبية لطموح "يان" الفرنسي، فهو رحال يجوب العالم بوسائل نقل خالية من المحركات، وقد وصل إلى سلطنة عمان منتظرا محطته التالية "باكستان" إلا أنه ظل لحوالي شهرين باحثا عن قارب شراعي ينقله إلى وجهته التالية، فما كان من الشباب إلا المبادرة وتجهيز أنفسهم وضبط البوصلة استعدادا للانطلاق.

بلا محركات

سلطان البلوشي، محترف الإبحار الشراعي، تحدث لـ "عُمان" عن الرحلة بقوله: "البداية كانت عندما التقيت مع الفرنسي (يان)، وهو رحال يجوب العالم بوسائل نقل بلا محركات، وقد كان يبحث عن قارب شراعي يحمله إلى منطقة جوادر في باكستان، لنبدأ رحلة الإعداد لهذا المشروع، والذي أسعفنا هو الصديق غسان البلوشي صاحب القارب الشراعي الذي انطلقنا على متنه، وبدأنا نعمل كطاقم متكامل، مع الفرنسي (يان) والذي مكث في سلطنة عُمان لشهرين من دون أن يجد من يرافقه، فكان دورنا نحن أن نكون البحّارة ونحقق له طموحه بالوصول إلى ميناء جوادر عبر رحلة خالية من المحركات".

وحول انطباع الفرنسي "يان" قال البلوشي: "جاء الفرنسي (يان) إلى سلطنة عُمان وهو يعلم ارتباط العمانيين بالبحر، فنحن كما قرأ عنا أهل بحر منذ القدم، ولطالما كرر ذلك في حديثه معنا، وكان مطمئنا أن من يرافقه هم عمانيون، وهذا بحد ذاته يؤكد أننا مرتبطون بالبحر إلى حد كبير، فالبحر جزء من هويتنا، لذلك بادرنا للعمل معه تطوعًا من دون أي مقابل مادي، واستغرق تجهيز القارب أسبوعين تقريبًا في ولاية المصنعة قبل أن ننطلق من مسقط باتجاه جوادر في باكستان".

كما أشار سلطان البلوشي إلى ما يتعلق بالتنسيقات المهمة قبل انطلاق الرحلة، قائلا: "في ما يخص التنسيقات الأمنية واللوجستية، أنهينا إجراءاتنا في الجمارك بسلطنة عُمان ودفعنا الرسوم، ثم تواصلنا مع الوكيل البحري في باكستان وأخبرناهم بموعد وصولنا المتوقع، لكن عند وصولنا إلى ميناء جوادر واجهتنا صعوبات، حيث لم يسمحوا لنا بالدخول وظللنا ننتظر حوالي عشرين ساعة في عرض البحر، رغم أننا كنا قد أخطرناهم مسبقًا، وبعد التواصل مع السفارة العُمانية في باكستان سُمح لنا بالدخول، إلا أن الوضع هناك كان مشدودًا أمنيًا، والتحركات تحت رقابة صارمة، لكن بفضل تدخل السفارة تيسرت أمورنا، وقد يرجع ذلك التشديد إلى وضع استثنائي هناك".

وعن الجاهزية والاستعداد النفسي والجسدي، أوضح البلوشي أن "المشاركة في رحلة كهذه ليست بالأمر السهل، خصوصًا أنها تعتمد على الرياح الموسمية، ولكن في هذه الرحلة واجهنا منخفضا جويا لم يكن بالحسبان، وقد أثر على الأجواء، لكن المراقبة الدقيقة للطقس ساعدتنا على استغلال الظروف الاستثنائية لصالحنا، فانطلقنا من مسقط ووصلنا إلى جوادر خلال 63 ساعة، وفيما يتعلق بالاستعداد النفسي فإنه يقوم على أن تكون جاهزًا لكل الاحتمالات وأسوئها وقادرا على إدارة الأزمات، وأما الجسدي فكان ميسّرًا لأن أغلبنا رياضيون بطبيعتنا".

وحدثنا البلوشي عن أبرز التحديات التي واجهتهم في الرحلة، موضحا: "أول الصعوبات هي الملاحة الصحيحة، فالمسار الطويل يتطلب تحديدًا دقيقًا لاتجاه الرياح وإلا تعرّضنا لمخاطر كبيرة، مثل الوقوع في عاصفة أو مناطق ساكنة بلا رياح، كذلك واجهتنا صعوبة التعامل مع ناقلات النفط والسفن الضخمة، التي لا تستطيع تغيير مسارها بسهولة، وكان لدينا رادار يساعدنا على مراقبتها لكنه توقف عن العمل، فاضطررنا للاعتماد على خبرتنا ورصد الإضاءات البحرية، وهذا شكّل تحديًا إضافيًا خاصة أثناء الضباب والليل، أيضًا كانت فترات المناوبة الليلية، خصوصًا بين الثالثة والخامسة فجرًا، صعبة على بعض أفراد الطاقم بسبب التعب والظلام، لكنها مع التدريب أصبحت ممكنة".

وفيما يتعلق بوسائل السلامة وإدارة المخاطر، أوضح البلوشي:

"كنا نتابع الأجواء أولًا بأول ونحتفظ بقوارب نجاة (لايف رافت) تتسع لستة أشخاص، إلى جانب سترات النجاة التي كنا نرتديها خصوصًا ليلًا، ولو لا سمح الله غرق القارب الرئيسي، كنا سنلجأ مباشرة إلى القارب المطاطي المجهز بكل أدوات السلامة، هذه الإجراءات منحتنا الطمأنينة".

أما عن تفاصيل الحياة اليومية في الرحلة، فقال: "كنا نتناوب العمل بنظام الأربع ساعات، حيث يتولى فريقان قيادة القارب بشكل متناوب، ما أتاح للبقية النوم والراحة، التجربة كانت رائعة، ومررنا بمناظر لا تنسى، شاهدنا الدلافين وهي تسبح ليلا بجوار القارب مضيئة بفضل الطحالب البحرية (البلانكتون) المتوهجة، حتى أن تلك الطحالب شكلت لوحة ربانية رائعة ليلا من خلال إضاءتها المبهرة، ورأينا أسماكًا غريبة تلمع في الليل، الرحلة كانت بنسبة 95% إبحار شراعي متواصل اعتمادًا على الرياح، هي فقط قرابة ست ساعات توقف فيها الهواء فاغتنمناها للسباحة والغوص وصيد السمك في عرض البحر، وكنا على بعد كبير، حوالي تسعين ميلًا من سلطنة عُمان".

واختتم سلطان البلوشي حديثه لـ "عمان" قائلا: "كانت تجربة استثنائية بكل المقاييس، أثبتت أن العُمانيين حاضرون في البحر بجهودهم الفردية وليس فقط عبر المؤسسات أو الجهات الرسمية، وأنهم أهل بحر منذ القدم وإلى اليوم، لا أتحدث عن فريقنا فقط، بل هناك الكثير والكثير من العمانيين ممن يعشقون البحر ويبحرون شراعيا إلى وجهات طويلة ومتعددة".

460 ميلا بحريا

أما المختار المجيني، أحد أفراد الطاقم المشارك في الرحلة، فقد تحدث لـ "عُمان" عن البدايات قائلا: "فكرة الإبحار من مسقط إلى باكستان انطلقت من الأصدقاء سلطان البلوشي وغسان البلوشي وفايز البلوشي، حيث تم الاتفاق على مساعدة الرحّال الفرنسي (يان) في مواصلة رحلته حول العالم من دون محرك، وذلك عبر نقله من سلطنة عُمان إلى باكستان على متن القارب الشراعي".

وحول تفاصيل الانطلاق والزمن المستغرق، أوضح المجيني: "بدأت رحلتنا من ميناء المدينة الرياضية في المصنعة صباح يوم الأحد، حيث توجهنا أولًا إلى ميناء بندر الروضة في مسقط لإتمام جميع إجراءات السفر وتجهيز القارب، استغرقت تلك الترتيبات يومين كاملين، ثم انطلقنا يوم الأربعاء في تمام الثالثة والنصف فجرًا، واستمرت الرحلة بروح عالية من التعاون والحماس حتى وصولنا إلى جوادر مساء الجمعة عند العاشرة، بعد أن قطعنا مسافة تُقدَّر بحوالي 230 ميلًا بحريًا خلال ثلاثة أيام إلا قليلا ذهابًا ويومين إيابًا، بإجمالي 460 ميلا بحريا، كان الإبحار متواصلا ذهابا وإيابا باستثناء وقت بسيط توقفت فيه الرياح، وقد بقينا في جوادر ثلاثة أيام لإنهاء الإجراءات، ثم عدنا في رحلة استغرقت يومين فقط، والفضل في سرعة العودة يعود إلى حركة الرياح التي كانت في صالحنا".

وتحدث المجيني عن أبرز الصعوبات قائلا: "واجهنا بعض الصعوبات عند وصولنا إلى باكستان، منها أن الاستقبال لم يكن سلسا، فقد أوقفونا في عرض البحر قرابة عشرين ساعة، رغم أننا نسقنا معهم مسبقًا، وسُمح لنا بالدخول بعد تدخل السفارة العُمانية هناك".

أما عن اختيار باكستان تحديدًا، فأشار المجيني: "كانت باكستان أقرب نقطة مناسبة لعبور المحيط، كما أن اتجاه وزاوية الرياح جعلت الوصول إليها أكثر سهولة، إضافة إلى أن الهدف الأساسي للرحلة كان مرافقة (يان) في إكمال مشروعه العالمي، وهو أن يجوب العالم عبر وسائل نقل بلا محركات، دعما للبيئة وتقليل الانبعاثات".

وحول الإقامة في باكستان، قال المجيني: "لم تكن هناك فرصة كبيرة للتجول أو الاستمتاع، فمعظم وقتنا انشغلنا في إنهاء الإجراءات المعقدة، بقينا ثلاثة أيام بانتظار استكمال الأوراق والتصاريح، وبعد الانتهاء عدنا مباشرة إلى سلطنة عُمان".

وعن تقييمه للتجربة، أوضح قائلا: "الرحلة كانت استثنائية في كل تفاصيلها، لم نشعر بالملل ولو للحظة، فكل ساعة كانت تحمل لنا مشهدا جديدًا، كنا نبحر وسط هدوء البحر وصوت الرياح بلا ضجيج محركات، ورأينا مشاهد طبيعية بديعة من أمطار خفيفة وغيوم متفرقة، كما توقفنا أحيانًا عندما خفّت الرياح لنجرب الصيد أو السباحة قبل مواصلة المسار، كانت رحلة ممتعة بكل المقاييس، ولحظاتها لا تُنسى".

Image