أطمح إلى التحكيم بأولمبياد الشطرنج وتمثيل المرأة في المحافل العالمية
حاورتها - مريم البلوشي
وسط حضور متزايد للمرأة العُمانية في مختلف المجالات الرياضية، تواصل الكفاءات الوطنية تسجيل حضور مشرّف في المحافل الإقليمية والدولية، في مشهد يعكس حجم التطور الذي تشهده الرياضة النسائية في سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة. ولم يعد حضور المرأة يقتصر على المشاركة داخل المنافسات الرياضية فقط، بل امتد إلى مجالات متعددة تشمل التدريب والإدارة والتنظيم والتحكيم، الأمر الذي أسهم في إبراز العديد من الأسماء العُمانية التي استطاعت أن تترك بصمتها في مختلف الألعاب الرياضية.
وفي الرياضات الذهنية، تبرز لعبة الشطرنج كواحدة من الألعاب التي تتطلب تركيزًا عاليًا وقدرة كبيرة على التفكير واتخاذ القرار تحت الضغط، وهي مهارات جعلت هذه الرياضة تحظى باهتمام متزايد محليًا ودوليًا. ومع التطور الذي يشهده الشطرنج العُماني على مستوى البطولات والمشاركات، بدأت تظهر كفاءات وطنية قادرة على تمثيل سلطنة عُمان بصورة مشرّفة في هذا المجال، سواء على مستوى اللاعبين أو الحكام.
وتعد الحكمة الدولية رقية البلوشي واحدة من هذه النماذج الوطنية الملهمة، بعدما نجحت في أن تصبح أول حكمة عُمانية دولية في لعبة الشطرنج، في إنجاز يعكس سنوات طويلة من الاجتهاد والعمل المتواصل والشغف بهذه الرياضة الذهنية. ووصولها إلى التحكيم الدولي جاء نتيجة رحلة مليئة بالتحديات والتجارب والخبرات، بدأت منذ الصغر مع حب لعبة الشطرنج، قبل أن تتجه لاحقًا إلى مجال التحكيم الرياضي، الذي وجدت فيه مساحة مختلفة لصناعة التأثير والمساهمة في إدارة البطولات وفق أعلى المعايير.
وفي هذا الحوار، تتحدث الحكمة الدولية رقية البلوشي عن بداياتها مع لعبة الشطرنج، والدوافع التي قادتها لاختيار مجال التحكيم، وأبرز التحديات التي واجهتها خلال رحلتها نحو الشارة الدولية، إلى جانب رؤيتها لواقع الشطرنج النسائي في سلطنة عُمان وطموحاتها المستقبلية في مجال التحكيم الدولي.
نقطة البداية
قالت الحكمة الدولية رقية البلوشي: إن علاقتها مع لعبة الشطرنج بدأت منذ الصغر، موضحة أن عائلتها كان لها دور كبير في تشجيعها على ممارسة هذه الرياضة الذهنية لما تحمله من فوائد عديدة تتعلق بتنمية التفكير وصقل الشخصية وتعزيز القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة تحت الضغط.
وأضافت في حديثها لـ«عُمان»: إن الشطرنج لم تكن بالنسبة لها مجرد لعبة، بل مساحة للتفكير والتركيز والتحدي، مبينة أن اللعبة ساعدتها على تطوير مهارات التحليل والتخطيط والهدوء في التعامل مع مختلف المواقف.
وأوضحت أن نقطة التحول الحقيقية في مسيرتها جاءت بعد إقامة أول دورة تحكيمية للشطرنج عام 2014م؛ حيث وجدت نفسها تميل بشكل كبير إلى مجال التحكيم، مؤكدة أن هذا المجال جذبها لما يحمله من مسؤولية ودور مهم في إدارة البطولات وضمان العدالة بين اللاعبين.
وقالت: إن اختيارها للتحكيم جاء لرغبتها في أن تكون جزءًا أساسيًا وفاعلًا في إدارة المنافسات، إلى جانب مساهمتها في توفير بيئة تنافسية عادلة ومحفزة لجميع اللاعبين، مؤكدة أن الحكم يمثل عنصرًا رئيسيًا في نجاح أي بطولة.
إنجاز وطني
وأكدت رقية البلوشي أن حصولها على لقب أول حكمة عُمانية دولية في لعبة الشطرنج يمثل بالنسبة لها تتويجًا لسنوات طويلة من العمل والاجتهاد والتعلم المستمر، موضحة أن هذا الإنجاز لا يمثل نجاحًا شخصيًا فقط، بل يعد مصدر فخر واعتزاز وطني.
وقالت: إن لحظة الحصول على الشارة الدولية كانت استثنائية بالنسبة لها؛ حيث امتزج فيها شعور الفخر بالمسؤولية، مبينة أن هذا الإنجاز يعكس قدرة المرأة العُمانية على النجاح والتألق في مختلف المجالات الرياضية، بما فيها الرياضات الذهنية.
وأضافت: إن تمثيل المرأة العُمانية في المحافل الرياضية الدولية يمنحها دافعًا كبيرًا للاستمرار والتطور وتحقيق المزيد من النجاحات، مشيرة إلى أن هذا الإنجاز يمكن أن يشجع فتيات أخريات على دخول مجال التحكيم الرياضي وخوض تجارب جديدة بثقة وطموح.
رحلة التحديات
وبينت رقية البلوشي أن الوصول إلى التحكيم الدولي لم يكن أمرًا سهلًا، موضحة أن هناك العديد من التحديات التي واجهتها خلال هذه الرحلة، من أبرزها الموازنة بين متطلبات الدورات التدريبية والمشاركات الدولية ومتطلبات الحياة اليومية.
وأضافت: إن اكتساب الشارات الدولية يتطلب المشاركة في بطولات دولية متعددة واجتياز اختبارات معتمدة وفق اشتراطات دولية محددة، الأمر الذي استدعى السفر إلى العديد من الدول من أجل التحكيم واكتساب الخبرات المطلوبة.
وأوضحت أن التحكيم الدولي لا يعتمد فقط على المعرفة النظرية بالقوانين، بل يحتاج إلى خبرة ميدانية واسعة واحتكاك مستمر في البطولات المختلفة، مؤكدة أن الحكم مطالب باتخاذ قرارات دقيقة وسريعة وفق قوانين الاتحاد الدولي للشطرنج.
وقالت: إن المسؤولية داخل البطولات الدولية تكون أكبر، خاصة مع وجود لاعبين من مستويات عالية وثقافات مختلفة، الأمر الذي يتطلب تركيزًا عاليًا وقدرة على التعامل مع مختلف الظروف والمواقف.
وأكدت أن الإصرار والشغف كانا العامل الأهم في تجاوز هذه التحديات، إلى جانب الدعم الكبير الذي حصلت عليه من عائلتها والأصدقاء المقربين، والذين كان لهم دور مهم في تشجيعها ومساندتها طوال هذه الرحلة.
محطات دولية
وأشارت رقية البلوشي إلى أنها شاركت في العديد من البطولات المحلية والإقليمية والدولية، مؤكدة أن البطولات المحلية كانت الركيزة الأساسية في بداية مشوارها التحكيمي؛ حيث أتاحت لها فرصة التعلم ومتابعة مستجدات القوانين والتعامل مع الحالات المختلفة داخل المنافسات.
وأضافت: إن من أبرز البطولات التي شاركت فيها بطولة العالم، وبطولة مسقط الدولية، إضافة إلى بطولة آسيا للهواة التي أقيمت في دبي، وبطولة الشارقة الدولية للنساء، وبطولة البيك الدولية في تونس، وكذلك بطولة العالم للناشئين في جورجيا.
وقالت: إن هذه المشاركات أسهمت بشكل كبير في تطوير خبراتها وصقل مهاراتها التحكيمية، موضحة أن الاحتكاك بالحكام واللاعبين الدوليين منحها فرصة كبيرة للتعلم واكتساب الخبرات المتعلقة بإدارة البطولات.
كما بينت أن العمل في البطولات الدولية ساعدها على تطوير مهارات سرعة اتخاذ القرار والتعامل مع الضغوط المختلفة، إلى جانب فهم عقلية اللاعبين والثقافات المتنوعة، مؤكدة أن هذه التجارب كان لها أثر كبير في تعزيز ثقتها بنفسها ورفع كفاءتها التحكيمية.
صفات الحكم
وأكدت أن الحكم الناجح يجب أن يمتلك مجموعة من الصفات المهمة، وفي مقدمتها الحيادية الكاملة والتركيز العالي والانضباط، موضحة أن الحكم مسؤول عن ضمان العدالة بين جميع اللاعبين داخل البطولة.
وأضافت: إن سرعة البديهة والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب من الصفات الأساسية التي يجب أن تتوافر في الحكم، خاصة في البطولات الكبرى التي تتطلب التعامل مع مواقف مختلفة تحت الضغط.
كما أوضحت أن الحكم الناجح يجب أن يكون مطلعًا باستمرار على تحديثات قوانين اللعبة؛ لأن قوانين الشطرنج تشهد تطورات مستمرة، مؤكدة أهمية التعلم والتطوير الدائم بالنسبة لأي حكم يسعى للنجاح.
وقالت: إن مهارات التواصل واحترام جميع اللاعبين والمشاركين تعد أيضًا من الأمور المهمة؛ لأن الحكم يمثل صورة البطولة ويؤثر بشكل مباشر على سير المنافسات.
تطور متسارع
وقالت رقية البلوشي: إن رياضة الشطرنج في سلطنة عُمان تشهد نموًا متسارعًا وتطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى تنظيم البطولات المحلية أو استضافة البطولات الدولية أو زيادة أعداد المشاركين والمشاركات في اللعبة.
وأضافت: إن استضافة البطولات الدولية في سلطنة عُمان تعد مؤشرًا إيجابيًا على تطور اللعبة، مبينة أن هناك اهتمامًا متزايدًا بمشاركة المرأة في مختلف مجالات الشطرنج، سواء كلاعبات أو حكمات أو إداريات.
وأكدت أن الشطرنج النسائي في سلطنة عُمان يحتاج إلى مزيد من الدعم والتطوير، موضحة أهمية التوسع في إنشاء مراكز تدريب متخصصة، وزيادة البرامج التطويرية والدورات المستمرة للحكمات واللاعبات.
كما بينت أن نشر ثقافة الشطرنج في المدارس والمؤسسات التعليمية يمكن أن يسهم بشكل كبير في اكتشاف المواهب وصناعة جيل جديد قادر على المنافسة مستقبلًا.
حضور نسائي
وأوضحت الحكمة الدولية رقية البلوشي أن المرأة العُمانية أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على الحضور والتأثير في مختلف المجالات الرياضية، سواء كلاعبة، أو مدربة، أو إدارية، أو حكمة، مؤكدة أن هناك نماذج نسائية مشرّفة حققت نجاحات مميزة على المستويين المحلي والدولي.
وقالت: إن وجود المرأة في مجال التحكيم الرياضي يعكس تطور الرياضة النسائية في سلطنة عُمان، كما يسهم في تشجيع فتيات أخريات على خوض هذه التجارب بثقة وطموح.
وأضافت: إن ما تحقق حتى الآن يمثل خطوة مهمة، إلا أن الطموح لا يزال أكبر، خاصة مع وجود الكثير من الكفاءات النسائية القادرة على تحقيق المزيد من الإنجازات إذا توفرت لها الفرص المناسبة والدعم المستمر.
طموحات مستقبلية
وأكدت رقية البلوشي أن طموحها الأكبر يتمثل في الاستمرار في تطوير نفسها واكتساب المزيد من الخبرات الدولية، إلى جانب المشاركة في تحكيم أكبر البطولات العالمية، وفي مقدمتها أولمبياد الشطرنج.
وقالت: إن المشاركة في أولمبياد الشطرنج تمثل حلمًا كبيرًا بالنسبة لها، مؤكدة سعيها إلى تمثيل سلطنة عُمان بصورة مشرّفة في مختلف المحافل الرياضية الدولية.
كما أوضحت أنها تطمح إلى نقل خبراتها وتجاربها للأجيال القادمة من الحكمات واللاعبات، مؤكدة أن النجاح الحقيقي لا يقتصر على الإنجاز الشخصي فقط، بل يمتد إلى القدرة على صناعة أثر إيجابي للآخرين أيضًا.
وفي ختام حديثها لـ«عُمان»، وجهت رقية البلوشي رسالة إلى الفتيات الراغبات في دخول عالم الشطرنج والتحكيم الرياضي، مؤكدة أهمية عدم التردد في خوض التجارب الجديدة والسعي وراء الطموحات والشغف.
وقالت: إن لعبة الشطرنج تسهم بشكل كبير في تنمية التفكير وتعزيز الثقة بالنفس واتخاذ القرار، إلى جانب دورها في بناء الشخصية وصقل المهارات الذهنية.
وأضافت: إن النجاح يحتاج إلى صبر واجتهاد واستمرارية، داعية الفتيات إلى الحرص على التعلم المستمر وحضور البطولات المحلية والدورات التدريبية من أجل تطوير مهاراتهن واكتساب الخبرات.
وأكدت أن المرأة العُمانية قادرة على الوصول إلى أعلى المستويات متى ما امتلكت الإرادة والطموح والدعم، مشيرة إلى أن هناك العديد من النماذج النسائية التي أثبتت نجاحها في مختلف المجالات الرياضية.
