السـيـاق الاقتـصـادي
مصباح قطب -
mesbahkotb@gmail.com -
في كل دول العالم ستجد ما يشبه المثل الشعبي الشهير، والذي يقول: عض قلبي ولا تعض رغيفي، ومن قبل كلينتون وعبارته الذائعة، انه الاقتصاد يا غبي، ومن بعده، يعرف الكافة وربما بالفطرة، إن مصالحهم الاقتصادية لها اليد الطولى في التأثير على خياراتهم، لكنك لا تمر بنفس الماء خلال عبور النهر كما نعلم، فكما تسير هو أيضا يسير، وتتجدد في مواسم بعينها بالذات مثل هذه المناقشات: الاقتصاد أولا أم السياسة، وفى طبعة أخرى الخبز أم الحرية وفى ثالثة الزبد أم الدبابة الخ؟ ، ولا يمكن حصر أنماط الإجابات التي ظهرت حول تلك القضية، ولا حتى الاتجاهات الرئيسية فيها، اللهم إلا إذا تساهلنا مع القول المريح: يمين ويسار ووسط، أي قوم مع الاقتصاد أولا وآخرون مع السياسة أولا وفريق ثالث في البين بين. وقد أتاحت لي متابعات في واشنطن حيث أزورها حاليا ضمن بعثة طرق الأبواب والتي تنظمها الغرفة التجارية الأمريكية بالقاهرة، إن المس نوعا من الجديد في الإشكالية السابق ذكرها، نوعا يذكرنا بأحد مبادئ الكتابة الصحفية الجيدة والذي ينص على مراعاة السياق والخلفية، وقبل الاستطراد في اللغز أشير إلى اني أتحدث عن ما يثيره موقف الكتل الانتخابية المختلفة حيال ترامب، الراغب بالتأكيد في الفوز بولاية ثانية، خاصة وانه لا يمكن التقليل من إنجازات اقتصادية تحققت في عهده خاصة على صعيدي النمو والتشغيل. هل سيسبق الاقتصاد السياسة في تلك الحالة، وهل سينسي الناخب متاعب الوجود الأخرى الناجمة بشكل مباشر او غير مباشر عن ارتباك مخيف في المطبخ السياسي الأمريكي؟. متى يتجاهل الناخب في مجتمع ديموقراطي ممارسات غير ديمقراطية من أجل مكاسب اقتصادية؟. ولماذا تبدو المعادلة مختلفة في دولة كالصين؟. لقد لفت نظري خلال لقاء في معهد الشرق الأوسط العتيد بواشنطون قول البروفيسور بول سالم نائب مدير المعهد ان إحدى المعضلات الكبرى في الانتخابات الأمريكية المقبلة انه لابد من مرشح ديموقراطي قوي حتى يمكنه الفوز على ترامب والمفارقة انه لكى يفوز مثل هذا المرشح في الانتخابات التمهيدية داخل حزبه لكى يتقدم إلى منازلة ترامب الذي لا يبدو أن هناك وسط الجمهوريين من يستطيع إزاحته في حزبه، أقول لكى يفوز لابد أن يكون تقدميا أى مع عدالة توزيع افضل للدخل والثروة وضرائب اكثر ورعاية صحية وتعليم جيدين للشعب بكلفة مقبولة، لكن مثل هذا الفائز حزبيا من الصعب أن يفوز على ترامب على المستوى القومى، أما لو أفرز الحزب الديموقراطي شخصية محافظة فهو لن يباري ترامب في تملقه للإنجيليين ولأصحاب القيم المحافظة التي لها جمهورها في أمريكا. ما أتوقف عنده هو عدم وجود فرصة لمرشح تقدمي مثل بيرنى ساندرز الديموقراطي، وهو بالمناسبة صاحب موقف أكثر إنصافا بشأن حقوق الفلسطينيين، واسأل نفسي ما الذي ستخسره الأغلبية الأمريكية فعلا إذا فاز مثل هذا المرشح؟ بل ما الذي ستخسره أمريكا كلها في تلك الحالة؟. اعرف ان مؤسسات أمريكية بلا عد ولا حصر تعمل ليل نهار على شيطنة أى ميول تحمل سمات الاشتراكي، وتبدو الكلمة عند البعض مثل ترامب وأنصاره أقبح كلمة في الوجود، لكن الملاحظ انه يظهر ان اللدد في الخصومة يولد رد فعل مساو بحيث يبدو أن الاتجاهات التقدمية تكسب أرضا كل لحظة في أوساط الشباب وذلك ما يزيد من انفعال فريق ترامب، على ساندرز وأمثاله ممن يلتف حولهم الجيل الأمريكي الجديد. لا أقول ان ترامب سيخسر أو سيكسب ولا أقول ان مرشحا تقدميا سيربح الجولة المقبلة ولكن أزعم ان الأرض السياسية يتم حرثها بقوة غير معهودة ولا يستطيع أحد ان يرصد بدقة الأثر المستقبل لذلك على الاقتصاد الأمريكى ومكانته . إن الرابحين اقتصاديا الآن لن يصوتوا جميعهم بالتأكيد لترامب لسبب واضح لي هو أن السياق الاقتصادي نفسه مليء بالتناقضات والمخاوف وان المكاسب وبشكل جلي ليست مضمونة الاستدامة بغض النظر عن الطريقة الغريبة التي تدار بها السياسة الآن في أمريكا او بسببها. انتهى إلى أن بول سالم توقع أن تشهد دولا عربية عديدة متاعب سياسية جمة واحتجاجات في الفترة المقبلة بسبب جمود النظم وزيادة التطلعات وانتشار البطالة وحيرة الشباب وقال إن بعض دول الشرق الأوسط لديها مرونات انتخابية وغيرها وبدرجات لكى تمتص أى احتجاجات مقبلة لكن النظم المتيبسة منذ الستينات لن تتحمل مضيفا. احنا مش الصين.. عندهم اقتصاد قوي جدا وحزب سياسي قوي جدا ومع ذلك أيضا لديهم قلق من تباطؤ النمو نسبيا فما بال دولنا العربية التي ليس فيها الأمرين؟. يبقى أن أحد عوامل استقرار الصين هو أن السياق الاقتصادي فيه، وعلى بعضه، درجة من المرونة تحقق قدرا من البراح الاجتماعي القابل للاستدامة إلى أمد طويل وهذا احد أسباب عدم وجود بوادر تذمر رغم أن شمولية النظام هناك فيها جانب لا ينسجم أبدا مع طابع العصر بشكل واضح.
