موسم التبسيل وإنتاج الفاغور .. إرث عُماني أصيل يجسد ارتباط المجتمع بالنخلة
العُمانية: بدأت في قرى ولاية جعلان بني بوحسن بمحافظة جنوب الشرقية أعمال موسم التبسيل، أحد المواسم الزراعية والتراثية المرتبطة بنخلة المبسلي، حيث يحرص الأهالي مع دخول موسم القيظ على جني ثمار البسر وتهيئتها لعملية التبسيل، في مشهد يجسد ارتباط المجتمع بالنخلة ويحافظ على الموروث العُماني الأصيل.
ويُعد التبسيل من الممارسات الزراعية التقليدية التي ارتبطت بالإنسان العُماني منذ القدم، إذ يبدأ الموسم بجداد ثمار المبسلي في مرحلة البسر، ثم فرزها وتنقيتها ونقلها إلى "التركبة"، وهي المكان المخصص لعملية التبسيل، حيث تُطبخ الثمار في مراجل كبيرة قبل نشرها في "المساطيح" لتجف تحت أشعة الشمس، وتتحول لاحقًا إلى منتج محلي يُعرف باسم "الفاغور".
وتتم عملية إنتاج الفاغور عبر مراحل متتابعة تبدأ بانتقاء ثمار البسر الجيدة من نخيل المبسلي وغسلها وفرزها، ثم نقلها إلى التركبة وطبخها في الماء المغلي لمدة محددة وفق خبرات متوارثة لدى المزارعين، قبل تصفيتها ونشرها في المساطيح حتى تكتسب صلابتها ولونها المعروف، لتصبح قابلة للتخزين والاستخدام والتسويق.
ويمثل موسم التبسيل قيمة اجتماعية متجذرة في المجتمع المحلي، إذ تتشارك الأسر في أعمال الجداد ونقل البسر وإعداد التركبة ومتابعة مراحل التبسيل وتجفيف الفاغور، بما يعكس روح التعاون والتكافل بين أبناء المجتمع ويحافظ على مفردات الحياة الزراعية العُمانية المرتبطة بالنخلة وموسم القيظ والعمل الجماعي.
وتشير تقديرات وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه لعام 2025 إلى أن إنتاج محافظة جنوب الشرقية من التمور بلغ 28 ألفًا و951 طنًا، فيما بلغ إنتاج ولاية جعلان بني بوحسن 12 ألفًا و933 طنًا، بنسبة 44.67 بالمائة من إجمالي إنتاج المحافظة. كما بلغ عدد نخيل التمور المساهمة في الإنتاج بالولاية 199 ألفًا و427 نخلة، بمتوسط إنتاج قدره 65 كيلوجرامًا للنخلة الواحدة.
وأوضحت التقديرات أن صنف المبسلي يتصدر أصناف التمور المنتجة في ولاية جعلان بني بوحسن، بإنتاج بلغ 8 آلاف و72 طنًا من 119 ألفًا و408 نخلات، وبمتوسط إنتاج بلغ 68 كيلوجرامًا للنخلة الواحدة، مشكلًا ما نسبته 62.41 بالمائة من إجمالي إنتاج التمور في الولاية.
ويحمل موسم التبسيل بعدًا تنمويًّا مهمًّا، إذ يسهم إلى جانب المحافظة على الموروث الزراعي في تعزيز القيمة الاقتصادية للنخلة، ودعم دخل المزارعين، وتنشيط المنتجات المحلية المرتبطة بالتمور، وفتح المجال أمام الصناعات التحويلية القائمة على منتجات النخيل، بما يعزز الأمن الغذائي وينسجم مع توجهات التنمية الزراعية المستدامة في سلطنة عُمان.
كما يُعد الفاغور أحد المنتجات التقليدية التي حافظت على حضورها الاقتصادي والتراثي، نظرًا لقابليته للتخزين لفترات طويلة وتعدد استخداماته الغذائية، فضلًا عن ارتباطه التاريخي بحركة التجارة العُمانية، الأمر الذي يمنحه فرصًا أكبر للتطوير والتسويق ضمن المنتجات المحلية ذات الهُويّة العُمانية.
ويؤكد استمرار موسم التبسيل في ولاية جعلان بني بوحسن مكانة النخلة بوصفها رمزًا للإنتاج والهوية والعمل، كما يعكس أهمية المحافظة على هذا الموروث باعتباره رافدًا للتنمية المحلية من خلال تحويل الممارسات الزراعية التقليدية إلى قيمة اقتصادية وثقافية مستدامة تدعم حضور المنتج العُماني في الأسواق وتحفظ ذاكرة المكان.
