No Image
الاقتصادية

سيجوع الملايين إذا ظل مضيق هرمز مغلقا

24 أبريل 2026
24 أبريل 2026

الإيكونومست- ترجمة قاسم مكي 

يكفي حصارٌ واحد لكي تسوء الأمور. إغلاقُ إيران لمضيق هرمز رفع أسعارَ النفط والغاز الطبيعي والسماد من بين سلع أخرى. وفي يوم 13 أبريل ابتدرت أمريكا حصارا خاصا بها أوقفَ حركة السفن القليلة التي كانت إيران تسمح بعبورها ويُفتَرض أنه زاد الطين بلة. فأسعار السلع ترتفع مرة أخرى.

لا يقتصر الاستياء من ذلك على سائقي السيارات ولكن يشمل أيضا المزارعين الذين يحتاجون الى السماد لحقولهم ووقود الديزل لجرَّاراتهم. بعضهم يزرع مساحات أقل أو يستخدم سمادا أقل. وهذا يعني حتما محاصيل أقل في وقت لاحق هذا العام.

لقد بدأت أسعار الغذاء في الارتفاع. وحسب تقدير برنامج الغذاء العالمي وهو وكالة تابعة للأمم المتحدة إذا استمر الإغلاق حتى منتصف العام ستتهدد حياة 45 مليون شخصا إضافيا بجانب ما يزيد عن 300 مليون نسمة يعانون سلفا لإطعام أنفسهم. وإذا سادت ظاهرة "النينو" الجوية في الشهور القليلة القادمة حسبما يرجح العديد من علماء المناخ يمكن أن تزداد الأمور سوءا. فقد تحصل بعض أفقر أجزاء العالم على أمطار أكثر من كافية وأجزاء أخرىعلى كميات لا تكفي. وهذا يعني فشل الزراعة.

نقطة البداية للأزمة الوليدة ارتفاعُ أسعار الطاقة. فهي تؤثر على كل خطوة في انتاج الغذاء من بذر البذور وإلى الحصاد والمعالجة ونقل المحاصيل. وتشكل في البلدان الغنية ما يصل الى نصف التكاليف المتغيرة في الزراعة، حسب وكالة الطاقة الدولية.

تتحرك مؤشراتُ أسعار الغذاء العالمية عموما تبعا لأسعار النفط رغم وجود فجوة زمنية بينهما. يقول إدجار تيري الذي يدير مزرعة لإنتاج الفواكه والخضروات في كاليفورنيا أن وقود الديزل الذي يستخدمه لتشغيل جراراته يكلف الآن 6.13 دولار للجالون وذلك ارتفاعا من 3.41 دولار قبل بداية الحرب في إيران. نتيجة لذلك يزرع "كرفْسا" أقل هذا الربيع.

كما يرتفع سعر السماد الذي يُنتج الكثير منه باستخدام الغاز الطبيعي. ويمكن القول إن أهمية الخليج لصناعة الأسمدة العالمية تفوق أهميته للطاقة. فهو مصدَر لما بين 30% الى 35% من تجارة العالم في سماد اليوريا وحوالي 20% الى 30% للأمونيا. وهما يستخدمان كلاهما على نطاق واسع. الى ذلك، ربما تمرّ 30% من تجارة أسمدة العالم عبر مضيق هرمز.

أوقفت الحرب تدفق هذه التجارة. تقدر شركة البيانات "كيبلر" الكميات العالقة في الخليج بحوالي 1.9 مليون طن أو ما يساوي 12% من كل الأسمدة التي نقلت عبر المضيق في عام 2024. وتوقفت لأكثر من شهر عمليات شركة الأسمدة القطرية التي تنتج 14% من سماد اليوريا في العالم.

الموردون الآخرون ليسوا في وضع يمكنهم من سد الفجوة في الإمدادات. فمصانع الأسمدة في روسيا وهي أكبر مصدِّر في العالم استهدفتها المسيرات الأوكرانية. أما التي لم تتعطل فتعمل بطاقتها الإنتاجية القصوى. والصين ثاني أكبر مصدِّر تقلص صادراتها لحماية امداداتها المحلية. كما أجبر النقص في امدادات الغاز منتجي الأسمدة في البلدان الأخرى بما في ذلك الهند وبنجلاديش على الحد من انتاجهم.

إلى ذلك، لا يوجد نظام عالمي لمخزونات المخصِّبات كما هي الحال بالنسبة للنفط. لقد ارتفعت أسعار اليوريا والأمونيا بنسبة 65% و40% على التوالي منذ بداية الحرب. وهبط مؤشر يقيس القدرة على شراء الأسمدة تابع لمصرف الإقراض الهولندي "رابوبانك" الى أدنى مستوى له خلال أربعة أعوام.

جاء اغلاق المضيق في أسوأ وقت. فقد حل موسم الزراعة في الجزء الشمالي من الكرة الأرضية وأجزاء من افريقيا. وسيبدأ المزارعون في جنوب آسيا بذر البذور في الشهرين القادمين مع هطول الأمطار الموسمية. ويقول الخبراء الزراعيون أن الأسمدة تُضاعِف حجم الإنتاج العالمي ويلزم أن تُستخدم عادة في وقت زراعة المحاصيل لتعظيم أثرها. يقول جوليان هينز الباحث بمعهد كييل إن قدرا كبيرا من الضرر حدث سلفا حتى إذا انتهت الحرب غدا.

المزارعون الأثرياء في الغرب متفائلون نوعا ما. يخزّن العديدون منهم الأسمدة وكثيرون يستخدمونها بإفراط على كل حال. ويتحول أولئك الذين يعانون من ارتفاع التكلفة الى زراعة محاصيل أخرى.

الى ذلك، تتوقع وزارة الزراعة الأمريكية انتقالا في هذا الموسم من زراعة الذرة الصفراء (التي تحتاج الى كمية كبيرة من السماد) الى فول الصويا (الذي يحتاج لكمية أقل). وفي أوروبا هناك الآن ترتيبات مماثلة.

العواقب أشد وخامة للمزارعين الأكثر فقرا. فعديدون من بين حوالي 500 مليون من صغار المزارعين (أصحاب الحيازات الصغيرة) في العالم بالكاد يزرعون ما يكفي لإطعام أُسرِهم. وبالتأكيد ليس في مقدورهم الاحتفاظ بمخزونات من الأسمدة. من بين هؤلاء الفلاح سيِّد الذي يزرع القمح والشعير والحمص في مزرعته الصغيرة وسط أفغانستان. قفز سعر كيس اليوريا سعة 50 كيلوجرام الى 2400 أفغاني (29 دولار) في السوق المحلية من 2000 أفغاني في يناير. تخلي سيد عن استخدام السماد وذلك ما سيقلص محصوله.

آسيا وافريقيا تعتمدان خصوصا على الأسمدة المستوردة من الخليج. لقد صدَّر حوالي 71% من واردات تايلاند من اليوريا في العام الماضي و67% من واردات جنوب افريقيا و41% من واردات الهند.

يعتمد أكثر من نصف الهنود على الزراعة في معيشتهم. وكانت الحكومة في نيودلهي قد خططت قبل الحرب لخفض دعومات الأسمدة لتوفير المال. أما الآن يسارع المسئولون لتأمين إمدادات إضافية من روسيا والصين ربما بتكلفة تزيد كثيرا.

والنتيجة هي ما يدعوها مايكل ويرز الباحث بمجلس العلاقات الخارجية "ماكينة مجاعة تتحرك ببطء".

في الوقت الحالي البلدان الأكثر تضررا هي تلك التي كانت تعتمد على المساعدات الإنسانية قبل بداية الحرب. لقد حاصر اغلاق هرمز امداداتِ غذاء خاصة ببرنامج الغذاء العالمي تكفي لإطعام أربعة مليون شخص لمدة شهر. ويسارع مسئولو البرنامج لنقلها عبر مسار آخر.

أحد الأمثلة على ذلك شحنة بسكويت غني بالطاقة كان برنامج الغذاء العالمي ينوى إرسالها من دبي الى أفغانستان. وبدلا من نقل البسكويت بالشاحنات عبر إيران اضطر البرنامج الى نقله خلال مسار يمرّ بتسع بلدان لكي يدخل إلى أفغانستان من الشمال. وتقدر كورين فليشر رئيسة سلسلة التوريد بالبرنامج أن تطول الرحلة لأسابيع أخرى وبتكلفة إضافية.

لا تستطيع المنظمات الإنسانية تدبير مثل هذه التكاليف. كما قلصت البلدان الغنية مؤخرا موازناتها الخاصة بالمساعدات (فيما زادت نفقاتها الدفاعية). وهبط صافي المساعدات التنموية الرسمية بنسبة تتراوح بين 7% الى17%على أساس سنوي في عام 2025 بعد تراجعها بنسبة 9% في العام السابق له، حسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وكما عبر عن ذلك جان - مارتن باور المسئول ببرنامج الغذاء العالمي "لم يعد المخفف الإنساني للصدمة موجودا."

يعني ارتفاع أسعار الوقود تقليل الحصص الغذائية (الوجبات) التي يتناولها فقراء العالم. لنأخذ على سبيل المثال العاملة الزراعية لاليتا ديفي والتي تعيش في قرية سنغو الى الشمال من نيودلهي. تقول لاليتا منذ فبراير ارتفع سعر غاز الطبخ الى خمسة أضعاف. واضطرت الأكشاك التي تبيع خبز الروتي الى رفع سعر القطعة من خمس روبية الى ثماني روبية. ومع عجز لاليتا عن شراء غاز الطهي وارتفاع سعر الأطعمة الجاهزة أيضا تخلت عن بعض الوجبات واستغنت أيضا عن الخضروات.

كلما طال تباطؤ الإمدادات كلما اتسع نطاق مثل هذه الآثار. وحسب تقديرات منصة البيانات "هيليوس أيه آي" إذا تعطلت حركة السفن في المضيق لمدة 6 أشهر سترتفع الأسعار العالمية للغذاء بنسبة تتراوح بين 12% و18% فوق مستوياتها قبل الحرب بنهاية هذا العام. أيضا ستتفاوت آثارها في الغالب.

يتوقع المحللون بمعهد كييل الألماني أن يصل التضخم في أسعار الغذاء الى 30% في زامبيا و11% في الهند و8% في فنزويلا خلال عام. ومع بقاء النفط فوق سعر 100 دولار للبرميل يمكن أن يؤدي استغلال المحاصيل في انتاج الوقود الحيوي الى المزيد من الارتفاع في أسعار الغذاء.

سيشعر بالمعاناة أولئك الذين يجدون مشقة في تدبير احتياجاتهم المعيشية في الأساس. وتحديدا من يعيشون في أفقر الأماكن بأفقر البلدان وفي مناطق الحروب والتي لا يكاد يوجد بها ما يمتص الصدمات. بالمقارنة بالمجاعة التقليدية والتي يتركز الجوع أثناءها في منطقة معينة ستتوزع آثار الحرب حول العالم ودون ارتباط مباشر يذكر بالطقس المحلي والحصاد وفي غياب التغطية الإعلامية تقريبا.

ذلك لا يعني أن هذه الآثار ستكون قليلة الأهمية. فبعد دخول روسيا وأوكرانيا في الحرب عام 2022 (وكلا البلدين مصدِّران كبيران للحبوب) ارتفعت أسعار الغذاء بشدة. ويعتقد الباحثون أن من ماتوا بسبب الجوع أكثر عددا من الذين قتلوا في ميدان القتال بسبب تلك الحرب. وما لم يُعاد فتح المضيق بسرعة وتبدأ شحنات الوقود والأسمدة في التدفق قد تكون الحرب في إيران بمثل سوء الحرب في أوكرانيا أو أسوأ.