حماية المنافسة ومنع الاحتكار.. ركيزة تنظيمية تدعم ثقة المستثمرين
العُمانية: يُشكّل مركز حماية المنافسة ومنع الاحتكار أحد الأعمدة التنظيمية الرئيسة في هيكل الاقتصاد الوطني، ليس فقط لدوره الرقابي على الأسواق، بل لكونه عنصرًا مؤثرًا في تماسك الاقتصاد بمستوياته المختلفة.
فمن منظور الاقتصاد الجزئي، يسهم المركز في تنظيم سلوك المنشآت، ومنع الممارسات الاحتكارية، وضمان عدالة الأسعار، وتحسين كفاءة السوق عبر تعزيز المنافسة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تنوّع خيارات المستهلكين، وحماية أصحاب الأعمال، وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من المنافسة العادلة في بيئة صحية ومنظمة.
أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فيمثّل دور المركز حجر الأساس في تعزيز نمو الاقتصاد الوطني، وجذب الاستثمارات، وتحقيق الاستقرار في القطاعات الإنتاجية، ورفع الإنتاجية، وتقليل المخاطر السوقية الناجمة عن الاحتكار أو التشوهات السعرية.
ومن خلال حماية بيئة الأعمال وضمان تكافؤ الفرص، يسهم المركز في دعم مسار التنويع الاقتصادي الذي تستهدفه "رؤية عُمان 2040"، وترسيخ ثقة المستثمرين في عدالة السوق وشفافيته.
وأكد أحمد بن سالم الراسبي مدير عام مركز حماية المنافسة ومنع الاحتكار أن تعزيز المنافسة لا يعد مجرد إجراء رقابي، بل هو أداة اقتصادية فاعلة ترفع كفاءة السوق، وتزيد جاذبية بيئة الاستثمار، وتسهم في بناء اقتصاد مستدام قائم على الابتكار وجودة المنتجات والخدمات، بعيدًا عن النفوذ السوقي غير المشروع أو الممارسات المقيدة للمنافسة.
وأشار إلى أن المركز يعمل ضمن منظومة متكاملة تشمل تعزيز الامتثال في القطاعات الأكثر حساسية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة كي لا تتعرض لممارسات تقيد نموها، ورفع مستوى الشفافية السعرية والمعلوماتية في السوق، إلى جانب تحليل المؤشرات الاقتصادية لرصد المخاطر التي قد تُفضي إلى احتكار أو تركز مفرط.
وأضاف: إن حماية المنافسة ليست مسؤولية رقابية فحسب، بل مشروع اقتصادي وطني يعزّز الثقة في السوق، ويرفع جودة المنتجات والخدمات، ويضمن استدامة الفرص للمستثمرين.
وكشف مدير عام مركز حماية المنافسة ومنع الاحتكار عن حزمة من المشروعات المستقبلية التي يعمل عليها المركز، من بينها تطوير مؤشرات وطنية لقياس مستوى المنافسة وفق منهجيات اقتصادية متقدمة، وأتمتة خدمات المركز لتسريع العمليات الرقابية والتحليلية، وإطلاق دراسات لقطاعات جديدة مثل التشييد ومواد البناء والتجارة الإلكترونية، وهي قطاعات ذات تأثير مباشر على الأسعار وفرص المنافسة، فضلًا عن تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص لبناء بيئة أعمال أكثر مرونة وعدالة.
وأشار إلى أن حماية المنافسة تمثل "ضمانة مشتركة" بين الاقتصادين الكلي والجزئي، لأنها تحمي المستهلك، وتمكّن المستثمر، وتمنع الاحتكار، وتحفّز الابتكار، وتدعم استدامة الاقتصاد الوطني في آن واحد. مؤكدا على أن مركز حماية المنافسة ومنع الاحتكار ماضٍ في دوره كشريك فاعل في التنمية الاقتصادية، وركيزة تنظيمية تعزّز تنافسية سلطنة عُمان، وترسّخ العدالة السوقية، وتبني أسواقًا أكثر كفاءة وقدرة على إيجاد الفرص وتحقيق النمو المستدام.
ولفت إلى أن المركز يعمل وفق نهج رقابي وتحليلي قائم على البيانات، ويستهدف معالجة التحديات ذات التأثير المباشر في السوق، سواء على مستوى المنشآت أو على مستوى البيئة الاقتصادية العامة مشيرًا إلى أن من أبرز الأعمال التي أنجزها المركز خلال النصف الأول من عام 2025 التحقيق في شكاوى الممارسات المخلة بالمنافسة؛ حيث انتهى من التحقيق في 15 شكوى، مما أسهم في تعزيز الامتثال ورفع كفاءة السوق وجعله أكثر صحة واستقرارًا.
من جانبه أوضح خالد بن خميس المسروري مدير دائرة الممارسات المحظورة في مركز حماية المنافسة ومنع الاحتكار أن الشكاوى التي تلقاها المركز شملت شبهات تتعلق بإساءة استغلال الوضع المهيمن، والتلاعب بالأسعار، ومنع دخول منافسين جدد، ملفتًا إلى أنه جرى التعامل معها بدقة ووفق أحكام القانون، الأمر الذي أسهم في تعزيز مستوى الامتثال ورفع وعي المنشآت بواجباتها النظامية.
وفيما يتعلق بالتركّز الاقتصادي، قام المركز بدراسة سبع حالات تركّز، بهدف ضمان عدم نشوء احتكارات قد تؤثر على الاقتصاد الوطني.
وأكدت وهيبة بنت راشد الهنائية باحثة اقتصادية في دائرة التركّز الاقتصادي بمركز حماية المنافسة ومنع الاحتكار أن متابعة عمليات الاندماج والاستحواذ تمثّل إحدى أهم أدوات حماية الاقتصاد الكلي، مشيرة إلى أن التركزات غير المدروسة قد تُنشئ كيانات ضخمة تعيق المنافسة وتؤثر على الأسعار والإنتاج والابتكار.
وقالت: إن مراقبة التركزات الاقتصادية لا تعد إجراءً إداريًا فحسب، بل تمثّل خط دفاع وطني يحافظ على هيكل السوق ويمنع استغلال الوضع المهيمن قبل وقوعه.
من جهة أخرى، نفّذ مركز حماية المنافسة ومنع الاحتكار توصيات متقدمة في دراسات قطاعية؛ حيث أشارت رجوى بنت محمد الرشيدية أخصائية منافسة في دائرة الرصد والتحليل بمركز حماية المنافسة ومنع الاحتكار إلى تحقيق تقدم نوعي في تنفيذ توصيات الدراسات الاستراتيجية التي أعدها المركز أبرزها دراسة قطاع "الهايبرماركت"، مؤكدة أن هذه الدراسات تأتي ضمن دور المركز في الاقتصاد الجزئي لضبط سلوك القطاعات المؤثرة في مستويات الاستهلاك والاستثمار، إلى جانب مواصلة التحقيق في أي ممارسات احتكارية أو مخلة بالمنافسة.
وأوضحت أن المركز انتهى من التحقيق في عدد من قضايا حماية المنتج الوطني من المنافسة غير العادلة، بما أسهم في حماية الصناعات العُمانية من الواردات المغرقة التي تهدد قدرتها على البقاء والاستثمار والتوسع، وهو دور يرتبط بشكل مباشر بدعم الاقتصاد الكلي واستدامة القطاع الصناعي.
من جهته بيّن بدر بن مبارك الحجري رئيس قسم مكافحة الإغراق في مركز حماية المنافسة ومنع الاحتكار، أن المركز يتابع قضايا مكافحة الإغراق والدعم والتدابير التعويضية والوقائية، بالتنسيق مع الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، من خلال التحقيق في الواردات التي تُباع بأسعار منخفضة مقارنة ببلد المنشأ، أو التي تستفيد من دعم حكومي غير عادل، أو في حالات الزيادة المفاجئة في الواردات التي قد تُلحق ضررًا بالصناعات الوطنية.
وقال: إن التحقيقات التي نُفّذت خلال السنوات الماضية، البالغ عددها 14 تحقيقًا ضد واردات أجنبية وأكثر من 10 تحقيقات ضد صادرات عُمانية، تعكس حجم الدور الوقائي الذي يضطلع به المركز في حماية السوق وتعزيز بيئة الأعمال.
