بطاقة "مال".. مبادرة استراتيجية لبناء منظومة دفع وطنية آمنة وفعالة
حاوره : أسيد أحمد البلوشي
يعمل البنك المركزي العُماني على المراحل التنفيذية لإصدار بطاقة الدفع الوطنية "مال"، والتي تمثل خطوة استراتيجية مهمة في دعم الاقتصاد الرقمي وتوسيع الدفع الإلكتروني والشمول المالي، وذلك ضمن جهود البنك لتوطين البيانات المالية وحماية المعاملات الإلكترونية، من خلال إدارة كاملة عبر شبكة "عُمان نت" (OmanNet) الشبكة الوطنية لمعالجة وتسوية معاملات أجهزة الصرّاف الآلي ونقاط البيع والتجارة الإلكترونية التي تم إطلاقها في عام 2010م، وتوفير حلول دفع منخفضة التكلفة ومرنة. وتهدف المبادرة إلى دعم الابتكار المالي، وتمكين المصارف ومزودي خدمات الدفع من تقديم منتجات رقمية جديدة، بما يسهم في توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المصرفية الرقمية وتحفيز الاعتماد على المدفوعات الإلكترونية، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي.
وفي حوار أجرته "عمان" مع مازن بن محمد بن عبدالقادر الشهورزي، القائم بأعمال رئيس إدارة التقنية في البنك المركزي العُماني، الذي أوضح تفاصيل البطاقة الوطنية "مال"، ومراحل تنفيذها، والأهداف الاستراتيجية وراء إطلاقها، وأثرها المتوقع على المواطنين والمجتمع والحكومة والتجار والمصارف، بالإضافة إلى خطط التوسع الإقليمي والدولي، وتعزيز أمن البيانات وتوطينها محلياً.
حيث قال إن الهدف الأساسي من إطلاق بطاقة الدفع الوطنية "مال" هو تعزيز البنية الأساسية لنظم المدفوعات في سلطنة عُمان، وجعل المعاملات المالية أكثر أمانًا وسلاسة، مع تقليل الاعتماد على النقد التقليدي، مشيرا بأن البطاقة تمثل مشروعًا وطنيًا متكاملًا لتعزيز الابتكار المالي، ودعم الشمول المالي، بما يتماشى مع أهداف "رؤية عمان 2040" في بناء اقتصاد رقمي مستدام ومتطور.
وبيّن أن البطاقة ليست مجرد وسيلة دفع، بل أداة لتعزيز القدرة الوطنية على إيجاد حلول وأنظمة دفع رقمية وإدارتها محلياً.
مميزات
وعن ما يميز البطاقة مقارنة بالبطاقات الأخرى مثل الخصم أو الائتمان، أوضح أن البطاقة تُدار بالكامل عبر منظومة وطنية متكاملة لإصدار ومعالجة وتسوية معاملات الدفع عبر البطاقات "عُمان نت"، مما يعني أن المعاملات تتم معالجتها محليًا، وتبقى البيانات داخل سلطنة عمان. وهذا التوجه يقلل التكاليف على المصارف والمستهلكين، ويتيح للمصارف المحلية حرية التصميم للبطاقة ضمن المواصفات والتعليمات التي وضعها البنك المركزي العماني، مع تقديم مزايا إضافية مثل خفض الرسوم لبعض الفئات المستهدفة وتسهيل المعاملات المالية.
كما أشار بأن البطاقة صممت لتلبية الاحتياجات المتنوعة للمواطنين، بدءًا من بطاقات الخصم المباشر والمسبقة الدفع، وصولًا إلى البطاقات الائتمانية والمميزة، مع إمكانية إصدار بطاقات للشركات لاحقًا. وأضاف أن البطاقة ستسهم في توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المصرفية الرقمية، بما في ذلك الشباب، والطلبة، وذوي الدخل المحدود، وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب العمالة الوافدة، وهو ما يعزز الشمول المالي ويتيح وصول الخدمات المالية لفئات المجتمع التي كانت تعتمد على النقد فقط.
وحول استفادت المواطن من البطاقة، بيّن الشهورزي أن المستخدم سيلاحظ انخفاض رسوم إصدار البطاقات مقارنة بالبطاقات الأخرى، بالإضافة إلى سهولة الوصول إلى مجموعة متنوعة من المنتجات والخدمات المصرفية الرقمية. وأوضح أن البطاقة ستمكن المواطنين والمقيمين من السحب النقدي من خلال أجهزة الصراف الآلي (ATM)، والدفع عبر أجهزة نقاط البيع (POS)، وإجراء المعاملات عبر الإنترنت والتجارة الإلكترونية (e-commerce)، بالإضافة إلى الخدمات الحكومية الرقمية.
وعن انعكاس البطاقة على الجهات الحكومية والتجار والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أشار إلى أن الرسوم التي سيتم وضعها للدفع عبر البطاقة ستكون مخفضة والتي ستسهم في تخفيف الأعباء المالية عليهم، كما أن تعزيز ثقة المستهلك بالتعاملات الرقمية بدلاً من النقد، مما يوسع قاعدة العملاء، ويرفع حجم التداول التجاري ويحفز الاقتصاد الوطني.
ارتفاع المدفوعات الرقمية
وتزداد أهمية بطاقة الدفع المحلية في سلطنة عُمان كخطوة مهمة نحو تعزيز الاكتفاء التقني وتطوير البنية التحتية لنظم المدفوعات الوطنية بما يسهم في توسع المدفوعات الإلكترونية، لاسيما في ظل النمو المتواصل لعمليات الدفع بالبطاقات عبر شبكة "عُمان نت". (OmanNet) فقد شهدت قفزة لافتة في الأعوام الأخيرة، حيث ارتفع عدد المعاملات عبر الشبكة بنهاية عام 2024م بنسبة 31% ليصل إلى نحو 432.9 مليون معاملة، فيما زادت قيمتها بنسبة 7% لتسجل قرابة 6.88 مليار ريال عُماني. ويعود هذا النمو إلى انتشار خدمات الدفع الإلكتروني عبر نقاط البيع وبوابة الدفع الإلكترونية، وما رافقها من تطور في الخيارات الحديثة المُتاحة مثل الدفع التلامسي واللاتلامسي، إضافة إلى الدفع بالبطاقات عبر تطبيقات الدفع الذكية مثل سامسونج باي (Samsung Pay) وأبل باي (Apple Pay) وغيرها من التطبيقات.
وتبرز هذه المؤشرات الدور المحوري للبنية التحتية الأساسية في ارتفاع المدفوعات الرقمية، حيث شكّلت المدفوعات عبر نقاط البيع وبوابة الدفع الإلكترونية ما نسبته 92% من إجمالي معاملات الشبكة. ومع وصول عدد البطاقات النشطة في سلطنة عُمان خلال عام 2024م إلى نحو 4.9 مليون بطاقة فإن هذه الأرقام تعكس جاهزية السوق المحلي لتبني بطاقة الدفع الوطنية عند إطلاقها رسميًا، بما توفره من قيمة مضافة في تعزيز ثقافة الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على النقد وتوسيع الخيارات أمام المستهلكين والتجار.
مميزات تقنية وأمنية
وبخصوص المميزات التقنية والأمنية، أكد الشهورزي أنه تم الحرص على تطبيق أعلى المواصفات الأمنية والتقنية، والتي تتماشى مع أفضل الممارسات العالمية في هذا المجال، مثل معايير (PCI-DSS) الخاصة بحماية بيانات البطاقات والمعايير القياسية الدولية (ISO Standards) لأنظمة الدفع، والتي تشمل البطاقة وأجهزة قبول الدفع عبر البطاقة. كما تم تصميم المنظومة بمرونة لاستيعاب أي تحديثات أو معايير أمنية مستقبلية، لضمان استدامة الأمان والثقة لدى المستخدمين. وأوضح أن جميع معاملات الدفع تتم معالجتها وتسويتها داخل سلطنة عمان، بما يضمن حماية البيانات الوطنية وتوطينها ضمن مراكز بيانات محلية تحت إشراف البنك المركزي.
الخطط المستقبلية
وفيما يتعلق بالخطط المستقبلية لإصدار المنتجات، أفاد أيضًا أن المرحلة الأولى ستشهد إصدار بطاقات الخصم المباشر والمسبقة الدفع عبر المصارف ومزودي خدمات الدفع المرخصين. بعد ذلك، سيتم إصدار البطاقات الائتمانية والبطاقات المميزة بشكل تدريجي، مع الإعلان عن كل منتج في حينه، لضمان جودة الخدمة وجاهزية البنية الأساسية، مع فتح المجال لاحقًا لتطوير منتجات للشركات.
وحول خطط التوسع الإقليمي والدولي، أوضح الشهورزي أن التركيز في البداية سيكون على تعزيز انتشار قبول البطاقة في داخل سلطنة عمان، على أن يتم لاحقًا التنسيق مع دول مجلس التعاون والبنوك المركزية على توسيع نطاق القبول ليشمل دول المجلس عبر الشبكة الخليجية (GCCNet)، وذلك وفق جاهزية كل دولة. أما على المستوى الدولي، فهناك خطة مستقبلية لتمكين القبول من خلال اتفاقيات تعاون ثنائية، أو الربط مع أنظمة دفع إقليمية، لتسهيل التجارة والسفر للمواطنين والمقيمين.
وحول جهود التوعية المجتمعية، أفاد أن البنك المركزي سيعمل بالتعاون مع المصارف ومزودي خدمات الدفع على حملات توعية لتعريف المجتمع بمزايا البطاقة وتشجيعهم على استخدامها، بما يرفع مستوى الثقة بالمدفوعات الرقمية ويسهم في التحول إلى مجتمع أقل اعتمادًا على النقد.
وعن انعكاس المشروع على المصارف ومقدمي خدمات الدفع، أوضح الشهورزي أن وجود منظومة محلية متكاملة لإصدار ومعالجة وتسوية معاملات الدفع عبر البطاقات سوف يقلل بشكل كبير من التكاليف التشغيلية لهذه المؤسسات، سواء في إصدار البطاقات أو في معالجة المعاملات، وهو ما ينعكس على العملاء والجهات الحكومية والتجار بخفض الرسوم وتحسين جودة الخدمة. وأضاف أن البنية الأساسية للمنظومة المحلية ستتيح للمصارف ومقدمي خدمات الدفع تطوير منتجات مبتكرة تلبي احتياجات مختلف الفئات، ما يعزز قدرتهم التنافسية ويحفز الابتكار المالي.
وبالحديث عن التجارب الإقليمية والدولية، أشار إلى أن سلطنة عُمان استفادت من خبرات وتجارب الدول الأخرى، مع التركيز على خصوصية السوق المحلي مؤكدا أن مشروع "مال" يتميز بالمرونة والقدرة على التوسع التدريجي، بما يتيح الاندماج الإقليمي والدولي مستقبلًا دون الإضرار بالخصوصية الوطنية.
وعن التوقيت المتوقع لتوفر البطاقة في السوق، أفاد الشهورزي بأن المراحل التنفيذية بدأت بالفعل، والإصدار سيكون تدريجيًا، مع الإعلان عن كل مرحلة في حينها، متوقعًا أن المواطن سيتمكن من اقتناء واستخدام البطاقة خلال الفترة القادمة.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن بطاقة "مال" ليست مجرد وسيلة دفع، بل مشروع وطني شامل يخدم المجتمع والحكومة والتجار والاقتصاد الوطني، من خلال تقديم خدمات آمنة ومنخفضة التكلفة، وتسهيل المعاملات الحكومية والتجارية، وتعزيز الثقة بالمدفوعات الرقمية، ما يجعلها خطوة جماعية نحو مستقبل رقمي مستدام وآمن يعكس خصوصية السوق العُماني ويتيح فرص التوسع الإقليمي والدولي تدريجيًا.
